ثقافة المقال

100 عام على ميلاده /جان جينييه المتمرد على المركزية الغربية

حنان بن موسى*

يحتار الإنسان كيف يتحدث عن جان جينييه (1986 1910 -)، ومن أي زاوية يتناوله، فقد عاش حياة صاخبة مثلما لم يعشها أي كاتب. فهو الابن غير الشرعي، نزيل دار الأيتام، التلميذ المجتهد، السجين في مقتبل العمر، الصعلوك ذائع الصيت، المتشرد، صديق المقهورين، المثلي، العسكري في اللفيف الأجنبي، المتمرد على المركزية الغربية، صديق ياسر عرفات وليلى شهيد، عدو إسرائيل. لقد اجتمعت كل هذه الصفات في جان جينييه، وبرزت في أعماله الأدبية سواء كانت شعرا أو نثرا أو مسرحا. عرف جان جينييه بمساندته للحركات التحررية في العالم، فهو ليس من طراز المثقفين المهووسين بالكتابة، بل تخطى تلك المرحلة، وأصبح مثقفا ملتزما وشغوفا بالقضايا الإنسانية، فقد ساند الحركة الثورية التي أسسها الزنوج الأفرو- أمريكيين سنة 1966 للحصول على حقوقهم المدنية، وأطلقوا عليها تسمية ”البلاك بونترز”. وعاش مع الفدائيين الفلسطينيين بين 1970 و,1972 فحاز على صفة المثقف المتمرد على منظومة التفكير الغربية. خرج جان جينييه من رحم المأساة التي لحقت بالمجتمع الرأسمالي، فهو ابن شوارع مثل أوليفر تويست بعيد عن تقاليد العائلة، بل إنه لا يعرف عنها شيئا، هذه العائلة التي لفظته ورمته إلى عقر دار الأيتام التي استقبلته دون أن يعرف شيئا عن أصله، فوالده مجهول الهوية، ووالدته اسمها غابرييل جينييه. ومن دار الأيتام تحوّل إلى لص فوضع في السجن، ومن هذه التجارب القاسية كتب إبداعا مليئا بالغضب، وليس بأي أفكار سياسية.
إن أدب جان جينييه هو أدب الغضب، والصعلكة، وأدب المساجين والمهمشين. وهو أدب الابتعاد مثلما نقرأ في رواية ”يوميات سارق”. فقال عنه جان بول سارتر إنه ”القديس المتشرد”، فقربه منه ومن جماعته الأدبية. أما فرنسوا مورياك، فكان ينظر إليه بريبة. ويعتبر أدب جينييه كانعكاس لرجل مهووس بالحرية كما يظهر في روايته ”شعائر الجنازة” التي تصور مقاومة أهل باريس للنازية الهتلرية، بطلها شاب يريد التحرر ليس فقط من النازية بل من كل القيود الاجتماعية حتى يعيش مثليته، ويعبر عن حبه لذلك الشاب الشيوعي ذي العشرين ربيعا الذي مات عند المتاريس يوم 19 أوت .1944
ويستمد جينييه عمق أدبه وميزته من إحساسه بالغربة، فهو اللامنتمي والغريب في الوقت نفسه، جمع بين ألبير كامي وكولون ويلسون.ئ
جينييه غريب في حالته المدنية بالنظر إلى جهله لأصله. وهو غريب في أدبه سواء كان شعرا أو رواية أو مسرحية. فكان من بين الأدباء القلائل الذين رسموا صورة إيجابية عن الآخر المختلف، مكسرا ومفككا منظومة التفكير الغربية القائمة على نرجسية مقيتة وتمركزا عنصريا ينظر إلى الآخر نظرة متعالية، وذلك ما حمله إلى تأليف مسرحية ”الزنوج” التي وقف بواسطتها عند مأساة الإنسان الإفريقي وقبع ضحية إغواء الرجل الأبيض، وشرع في أخذ منظومة قيم غريبة تؤدي به إلى الهلاك. وتعتبر مسرحية ”الزنوج”،ئبمثابة محاكمة صارخة لفرنسا الاستعمارية. وعلى خلاف ألبلي ركامي، ساند جينييه استقلال الجزائر بشكل واضح وجلي.
رفض جينييه هذه المنظومة وذهب لاكتشاف الآخر. ولما وصل إلى فلسطين وقف أمام غريب آخر بالنظر إلى الغرب. الغريب يكتشف الغريب. هذا ما وقع لجينييه الذي قال لاحقا ”لقد اكتشفت الفلسطينيين دون وساطة وسائل الإعلام الغربية التي تشوّه الصورة وتنج النمطية المقيتة”.
لقد جرى جينييه وراء صورته، ثم وراء صورة الآخر الحقيقية، وذاك السعي هو الذي حمله إلى الولايات المتحدة الأمريكية للوقوف إلى جانب الزنوج في نضالهم من أجل الحقوق المدنية.
وتبدو صورة جينييه وهو إلى جانب الفدائيين الفلسطينيين، مساندا إياهم ومتفهما لمقاومتهم، وكاتبا لنص من داخل صبرة وشتيلا، فاضحا الجنون الإسرائيلي، كلحظة جديدة في علاقة الغرب بالشرق. لحظة شبيهة بتلك التي أوجدها عدد من الكتاب الرافضين للمركزية الغربية.
كما نجد جينييه إلى جانب ميشال فوكو في نضاله ضد المنظومة العقابية الفرنسية، مستخلصا من تجربته في السجن فظاعة العقوبة، وقد وضع صوب عينيه قسوة عالم الرجولة التي وإن مجدها في رواية ”شعائر الجنازة”، إلا أنه ظل ينظر إليها من زاوية الهلاك.

*كاتبة وباحثة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق