ثقافة السرد

رحلة مضمّخة بالطنين

جمال الدين الخضيري

جَرّ السيد (عاهد) الحقيبة ذات العجلات متزحلقة مزغردة على إسفلت ساحة المطار. لفحته نسمات هواء حار رغم أفول الشمس واندحارها في المحاق. نسمات لم تلسع وجهه منذ مدة. استنشق ملء رئتيه هذا الهواء الذي ما زالت بقاياه مستوطنة في قصاباته. ذكّرته هذه النسائم اللافحة بأيام الحصاد وطقوس البيادر ومباهجها الموشومة في ذاكرته. نثر نظراته باحثا عن سيارة أجرة تقله إلى قريته البعيدة عن هذا الصخب والحركة الدؤوبة. لم يشأ إزعاج أحد من أقاربه، يحب دائما أن يترك الأمور على سجيتها، ودون سابق مبالغة في الإعداد. رأى سيارات متنوعة مصفوفة جانبه دون أن يلمح أي طاكسي أو سيارة أجرة كيفما كانت. وقف هنيهة يتأمل هذا الخلق الرائح والغادي، والذي لا يتعب أبدا من العناق والقبل. سيارات تأتي وأخرى تبرح مكانها، لكن لا أثر لضالته، ولا مكمن لمطية تقله. أبواب المطار الزجاجية لا تنكفئ عن الانغلاق والانفتاح بشكل آلي، تلفظ مسافرين وتبتلع آخرين. المطارات أشنع اغتيال لانسيابية الزمن والمكان، وافتضاضٌ سافر لعذريتهما. تُعقد فيها مواسم دائمة لا فُرجة تكتنفها، فما أهجن أن يفطر الإنسان محتسيا شايا منعنعا وخبز شعير مغموس بزيت زيتون في هذا الموضع !، ثم يحلّق بعد ذلك ليتناول في موضع آخر وجبة جاهزة لا طعم لها كثمرة أُجْبِرَتْ على النضج قبل أوانها، مستجيرا بنار مدفئة، ومُتّقيا ندفا لا تتوانى عن رشقه متى ما وجدت سفورا. بديع أن يحنّط الإنسان مشاعره إلى حين، ويُجمّد نوازع الذكرى ورواسب الوحل عن أرجل حافية ورؤوس حاسرة مازالت الندب شاهدة على شقاوة ذويها وتطاير أثافي الربوع، علّ ذلك يكون زادا للاقتيات منه عند الحاجة متى ما تم الحنين إلى قهوة الأم المحلّاة بالقرفة، والى محيّا القرية المجللة بتربتها الحمراء.
بحركة لا إرادية تحسس رأسه بأصابعه متقفيا خدوشا متفرقة فيه. هي نقوش تشده إلى الأهل والبلد كلما افترسه الحنين، وتردّى بين شدقي الصخب والضياء اللذين تمتاز بهما تلك الأصقاع المخاتلة الباردة في أقصى الشمال.
قالت له الحلّاقة الشقراء و هي تمر بماكنة الحلاقة على ما تبقى من شعيرات في مؤخرة رأسه:
– ما هذه الندوب المتناسلة في قفاك؟
– إنها دليل المواطنة، جُلّنا يحملها كما تحمل نساءنا الوشوم.
– هل هي للزينة.. لكنها لا تُرى؟ !
– لا، إنها علامة على ما انصرم من طفولتنا.
– أتدوّنون أعماركم في جلود رؤوسكم؟!
– لسنا نحن من يدون ذلك، إنه طقس جماعي وعفوي.
يزداد استغراب الحلّاقة وهي تتناول المنشف الكهربائي مزيحة ما علق من شعيرات على رقبته وصدغيه قبل أن يضيف مبدّدا استغرابها:
– عندما كنا صغارا، ونحن نتشاجر ونقتحم الحقول ونسرق الثمار من الضيعات، كلما ولينا الأدبار تنوب عنا أقفيتنا في تلقي الأحجار الراشقة، أؤكد لك سيدتي أنه من لا يحمل مثل هذه الندوب، ومن لم يُشج رأسه أكثر من مرة لم يعش طفولة مندمجة  وسعيدة.
استفاق على وقع أفخاذ عاجية تمر جانبه نازلة من سيارة أجرة هارعة نحو الباب الزجاجي الذي بدا الآن أقل حركة. دنا من السائق طالبا منه أن يحمله إلى بلدته. وعندما حدد موقعها أبدى السائق اعتراضا بينا، لأنها بعيدة، والمسافة إليها لا تقل عن مدة ثلاث ساعات، والوقت متأخر لا يسعفه في هذه الرحلة الطويلة ذهابا وإيابا.
– مستعد أن أدفع ما تطلبه، قال برجاء.
حك السائق شعيرات فوده التي اغتصبها المشيب، وارتسمت على وجهه أمارات التبرم والتعب، وقبل أن ينبس ببنت شفة بادره عاهد متضرعا:
– نبا بي المكان، ولا طاقة لي أن أظل هنا رابضا.
استوى جنبه في السيارة  التي مضت تخب بهما الوهاد الممتدة. بدأ الليل يسدل أرواقه، ولا تهتكُ حجبه إلا أضواء السيارات المتراقصة التي قلما تصادفهما في الطريق. قال السائق بصوته الناعس خارقا غمرة الظلام المتسلل إليهما:
– كيف حال المهجر؟
– الحالة جيدة هناك، مجتمع نمل مشدود بأمراس إلى عقارب الساعات.
تثاءب السائق معقبا:
– تخيّلْ، متى ما ضرب لي أحد موعدا عند ساعة معينة كي أقيله بسيارتي إلا ويروغ عن ميعاده، ويطول انتظاري عند بابه حتى يبح زعيق هذه المطيّة.
لَمّا لم يعقب عاهد استرسلَ السائق موصلا الحديث الذي انقطع:
– مرة عزمتُ أن ألتقي بصديق مُلحّا في تحديد وقت دقيق لذلك، فاقترح علي أن نجتمع ما بين العصر والمغرب في موضع كذا، ها.. ها.. ألا ترى أن (ما بين) هذه جد مراوغة وخارج الزمن؟
– لا تذكرني بالزمن، أُحِسّ به كأنه لم يمر من هنا، هذه الطريق ما زالت كعهدي بها منذ عشرين سنة، لا شيء  يوحي بحركة ما، ولا شيء ينهض على جنباتها.. عذراء منذ الأزل.
بَدتْ الطريق ممتدة خالية تتخللها بين الفينة والأخرى بعض المنعرجات، وحده الليل كان يقطر ظلمة في الخارج والداخل، حتى إن الأضواء الكاشفة لسيارات أخرى التي نادرا ما تتقاطع معهما تبدو شيئا شاذا يغتصب حميمية هذا البرنس الأسود الذي يتدثر به الخلاء.
مجّ السائق نفسا عميقا من سيجارته ونفث به نحو زجاج نافذة السيارة المشرع، قال وبقية دخان تتسلل من فيه:
– أتعلم أنني أيضا قضيتُ مدة طويلة في المهجر، شبابي كله صرفته هناك، تنقلت بين أكثر من دولة، وزاولت مهنا عدة، ولم آت إلى بلدي إلا في خريف عمري.
تفحّصه عاهد لأول مرة مثبتا نظرات ثاقبة على تقاسيم وجهه، فأحس بثقل الظلام وغلالات الدخان تشاكسه على استكناه شكل هذا السائق الغريب، فلم ينفذ إليه إلا صوت ضاحك مدمدم:
– من يدري قد تلحق بي أنت أيضا، ما أَحسستَ به وأنت تطأ بلدتك، أحسستُ به من قبل، لكن بشكل أفظع، لأن شبابي نثرته هناك.
عقّب عاهد بحسرة:
– ما أقصر العمر، وما أضيق الدائرة المغلقة التي نذرعها! قل لي أثمة شعور بالندم ينتابك على خطوات مشيتها هناك بدل هنا؟
– لا إرادة لنا في ذلك، فالأمكنة هي التي تخلق مصائرنا وهي التي تسلكنا وليس نحن، أحيانا يُخيّل إلي  أنني لم أعش في المهجر يوما واحدا، أو أنني فقط حلمت بذلك، فلم تحتفظ ذاكرتي إلا برؤى مغبّشة.
سرعان ما اعترته نوبة ضحك حادة وهو يضيف:
– لو قيض لك أن تسأل ابن بطوطة أو أي سالك مسلكه قبله أو بعده لقال لك الشيء نفسه، فلا حدود دقيقة بين السكون والثبات أو بين الرحيل والمكوث إلا ما تحمله تصوراتنا وقيمنا، فالباقي عابر والعابر باق.
– ربما أنه في وقت هجرتك كانت الفرص أوفر تغري بالمكوث في المهجر.
قال كمن يتذكر أمرا جللا بنبرة هادئة:
– كنا أعزّ ما يطلب آنذاك، يتلقفوننا في المرافئ والمطارات، آه، ما أفقد صوابنا وانضم حولنا كما ينضم الفخ حول رقبة عصفور، هي النساء يا صديقي.
زاد من نبرة صوته بتأثر وهو يقول:
– دُرَرٌ ما بعدهن درر، جلّ رجالهم هلكوا في الحروب التي عرفتها قارتهم، وتركوا غيدهم يقتاتها الريح والمجهول.
– إخالُكَ أنك صُلْتَ في ربوعهن؟.
–  ما أن تطبق عليك إحداهن حتى لا تدعك أبدا، وتتعقبك كظلك، لكن كل ذلك مر في لمح البصر.
انتابته من جديد نوبة من الضحك أشبه بالسعال اهتزت له كل أعطافه.
– ما يضحكك؟
– إن أَنْسَ لا أنسى حكاية (باولا)، بعد أن جُسْتُ في بساتينها، كانت لا تكف عن مصاحبتي أينما حللتُ وارتحلت، لا تكلّ عن معانقتي في كل مكان والتسلّق معي كأنها تتسلق جذع شجرة وتطوّقني برجليها ويديها غير آبهة بالخلق الذي يتدفّق في الخارج كالشلال، حرْتُ في كيفية التخلص منها، حتى اهتديت إلى طريقة إبليسية أحالت السرير الذي يجمعنا والسقف الذي يأوينا إلى جحيم، لم تملك المسكينة في الأخير إلا أن تفر بجلدها.
– لا شك أنك تماديتَ في إيذائها.
– كنتُ كلما نمنا معا إلا وتغوّطتُ في ثيابي متظاهرا بالنوم، ومصطنعا المرض، مدعيا أنني لا استطيع التحكم في الأمر، احتملتني واصطبرت في البداية حتى طال اصطبارها وغدا بيْتُنا بِرْكة عطنة لا يقوى أحد على دخوله، وغادرتني مكرهة ذات صباح لاعنة مهيضة الجناح.
اختنقتْ نبرات صوته واسترسل في ضحك هستيري أكثر من ذي قبل، وعاد من جديد إلى الحكي، ولفظَ وأفاض بلا ضابط كأنه مارد متفجّر من قمقم الخرس، مبينا كيف أنه تعرف إلى المئين من النساء هناك، وكيف كان يضمّه المبيت عندهن ضما، حتى أنهكه ذلك وكدّه كدا، وأخذه عن كثير من مشاغله، وتَقلّبَ في مهن عدة نتيجة تنقله من عمل لآخر، وتسرّبَ العمر بين يديه دون أن يحس به كحبّات رمل عصفت بها رياح عاتية.
قال مخاطبا عاهد:
– لا أظن أنهن وافرات منسرحات كما كن في الماضي، صحيح؟
– السبل دائما متاحة إلى شراشف الأَسِرّة، مع تغيير طفيف وتبادل للأدوار هذه المرة، فبضاعتنا المحلية المهاجرة والنابتة هناك باتت أكثر انسراحا ورهْزا.
جثم عليهما صمت ثقيل بعض الوقت، واغتال هدير السيارة الكلام، وساد في الكون صفير صراصير الليل التي يضجّ بها المكان، ولم ينتبها إلا على وقع ارتجاج مثير للسيارة إثْر كبح قوي للفرامل والتي طوّحت بها يمينا وشمالا لتخرج عن الطريق المعبدة  وتركض في حقول مليئة بالأتربة والأحجار، متحاشية أشجارا نبتت فجأة في الظلام لتستقر جانبا بعد طول تسكع.
قال السائق لاهثا بصوت متقطع كأنه صادر من جُبّ عميق:
– كدنا نهلك في هذا الخلاء.
رد عاهد محاولا نفض طبقات الغبار الذي يُشَمّ ولا يُرى المتكدس حولهما بيديه والذي عمّق من صولة الظلام والذعر:
– ماذا وقع، ولِمَ كَبَحْتَ جماح السيارة بهذه القوة؟
– أَلَمْ ترَ شيئا، الظاهر أنك كنت نائما؟
– كلا، ربما كنت شاردا.. لكن كنت مركزا على الطريق، قل لي ماذا رأيت؟
– قطيع خنازير برية تملأ الطريق، لولا يقظتي لدهستها، كانت ستنقلب بنا السيارة أو تنطوي علينا كالكرة.. أهون أن تصدم جرفا من هذه الحيوانات اللعينة.
نزل السائق متناولا مصباحا يدويا، بدأ في تفحص هيكل السيارة وعجلاتها، سرعان ما انجحر في الداخل معيدا سيارته إلى طريقها بحذر شديد، لتستمر في رحلتها.
– منطقة تنوش فيها الوحوش، وتتغول فيها الخنازير.
– لم أعهدها كذلك من قبل، بدأتُ أرتابُ في كل شيء، كأننا ظللنا الطريق، لكنها هي الطريق نفسها، عقّب مستغربا.
– أمور كثيرة تغيرت يا عزيزي، بعد طول الغياب يختلط اليقين بالارتياب، ولا أخفيك أنني أخشى ألا تجد أحدا في قريتك، فالخنازير اكتسحتها كلها وباتت سيدتها.
– الخنازير في قريتي؟
– أجل، أتت على الأخضر واليابس، وتسببت في انتفاضة الناس ورحيل بعضهم إلى وجهات أخرى، ألم تتبع ذلك في وسائل الإعلام؟ كان حديث الساعة وشغل الخاص والعام، على العموم هي حكاية طويلة.
قال عاهد برجاء وبعينين زائغتين:
– إلى هذه الدرجة المصاب جلل، هلا حكيت لي ما وقع؟
عدل السائق من جلسته فانبرى قائلا:
– زعم لي بعض أهل قريتك ممن أخذتهم في سيارتي هذه أنه بعد أن أتلفت قطعان الخنازير الغلّات وقضمت كل الثمار التي لم تنفع معها السياجات ولا الأسوار، قصد سكان القرية قائدها حتى يمنحهم إذن القضاء عليها.
– وما دَخْلُ القائد، أليس بإمكانهم القضاء عليها من غير مساعدة أحد، طول عمرهم يطاردون الذئاب والحيوانات الضالة التي تقترب منهم ومن ماشيتهم دون إذن من أي شخص.
– إلا الخنازير، فإنه يُمنع منعا باتا قتلها واصطيادها بغير إذن وإشراف كلي من القائد.
– ألهذه الدرجة هي مهمة ومحمية في المنطقة؟
– الغريب هو ما جرى بعد ذلك. قال السائق هذه الجملة بوثوق وبدُرْبة حكواتي حرفته شد مخاطبه بحبال شهرزادية آسرة كمن يتوخى أن يزيد الأمور اضطراما  وتشويقا فوق ما هي عليه.
اكتفى عاهد بالنظر إليه بنظرات متطفلة نافذة كمن يحثه على المزيد، فأتم السائق كلامه بنفس الوثوق:
– عندما قصد سكان القرية القائد، طلب منهم الإدلاء بعريضة مُوَقّعة بكل أسماء المتضررين، ومرفوقة بنسخ من بطاقاتهم الشخصية
– لِم كل هذه الإجراءات؟ أكيد أن القائد يَودُّ تعويضهم، إنهم يستحقون ذلك، فمعاشهم الوحيد هو ما تدره عليهم هذه الحقول.
سكتَ السائق لبرهة فاسحا المجال لأزيز سيارته أن يثرثر بدلا منه وأن يكون الطاغي في هذه الأجواء الممتدة. يراود سيجارة أخرى ويسدر في الحديث من جديد:
– تصوّرْ ماذا قال لهم وهو يتصفح العريضة والبطاقات، الملعون، خنزير آخر ينضاف إلى بقية الخنازير.
– لا تقلْ لي إنه لم يفعل، ولم يدعهم يفعلون.
مج السائق أنفاسا عميقة من سيجارته وسكبها على عاهد من تجاويف أنفه وفمه وهو يتكلم في نفس الآن:
– الأمر أنكى من ذلك، لقد هدّدهم وتوعدهم وقال لهم، الآن أنتم معروفون شخصا شخصا ومُوقّعون في هذه الورقة التي تُدينكم، فأي مكروه يلحق بالخنازير ستدفعون ثمنه غاليا، المساكين، بعد أن كانوا يتمنون الخلاص من هذه الحيوانات أصبحوا يذودون عنها ويتمنون لها طول الحياة خوفا من بطش القائد.
قال عاهد منتفضا وهو يلتفتُ نحو السائق:
– غير معقول، لا يمكن أن يبقى أناس قريتي خانعين هكذا، أعرفهم جيدا، إنهم أصحاب عزة، طالما ثاروا على من أراد استعبادهم وإذلالهم، ثم إنه لأمر محير أن يحمي القائد الخنازير.
قهقه السائق ساعلا متنخّما:
– مهلا، إذا عُرف السبب بطل العجب.
– أثمّة أسباب لهذه الخوارق التي أسمعها؟، همهم بيأس مشيحا بوجهه نحو نافذته.
– اسمع يا صديقي، فلا تملك الآن إلا السماع، وعند انبلاج الصبح سيتبدى لك كل شيء، وستقف عند حقيقة ما حكيته لك، ولن أغادر المكان حتى تتأكد بنفسك، ربما تود العودة معي.
التفت نحوه من جديد فاغرا فاه عن نصف ابتسامة بين المصدق والمرتاب، وهز رأسه كأنه يحثه على إتمام الحديث الذي بدأه، ليصدح من جديد:
– قيل لي فيما بعد، وحسب شهادة أهل القرية أن القائد كان يحمي هذه الخنازير ليصطادها لاحقا ويأكلها، أو يبيعها للنصارى، ولقد كسب أموالا طائلة جراء هذه التجارة التي ينفرد بها، لكن الحقيقة غير هذه.
– أوهناك حقائق أخرى؟
– نعم، لقد زودني بها ممن لا أشك في ثقته، إنه مخطط جهنمي يفوق قرارات القائد، مخطط يسعى إلى إفراغ القرية من سكانها بتسليط الخنازير عليهم حتى يتم بناء مشروع سياحي كبير من لدن أحد المستثمرين الأجانب المحمي من شخصيات نافذة في البلد.
ساد صمت خانق كالخطيئة، فبدا عاهد شاردا، لم يستوعب كل ما سمعه في هذه الرحلة المثيرة. أحداث انهالت عليه كالمطارق، وجعلته يلعن الزمن الذي غاب فيه عن موطنه، والظروف التي زجت به في أتون الغربة. كان يسكنه سؤال واحد كزكام لا يبلى، وهو كيف سيستقبل هذه التغيرات الطارئة على القرية؟ حاول أن يرسم ملامح أهله الطيبين فتوارت وراء كثافة الدخان الرابض في السيارة. يسود صمت متآمر مثير لخواطر سابحة، وسوانح ذكريات تنفلت من إطمارها. تبدّت القرية الجاثمة عند قدم الجبل متلحّفة بالليل تسيّجها أشجار زيتون وتين بشكل غير متناسق، وبرزت أهرامات التبن الدائرية تحرس المكان. نباح كلاب تنسلّ من هنا وهناك يزداد وقعه كلما توغلت السيارة في القرية.
قال السائق كمن انتهى من مهمة شاقة:
– أف، ها قد وصلنا.
نزل عاهد متجها في خطى ثابتة نحو منزل طوبي واطئ. طرق ثلاث طرقات قوية، ليعود إلى السيارة فاتحا صندوقها، منزلا الحقيبة بمعية السائق. أعطى له أجرته مضاعفة. مد له علبة حلوى، وقميصا.
– هدية متواضعة مني.
– شكرا، كريم أنت يا سيدي..، قبل أن أغادر أحب أن أنبهك إلى شيء.
قال عاهد مستغربا:
– ما هو؟
– كل ما حكيته لك في رحلتنا ما هو إلا طنين ذباب.
– نعم؟ !!
– محض افتراء، اعذرني سيدي، كان لا بد من فعل ذلك.
سرعان ما أدار محرك سيارته، في حين ارتسمت ابتسامة حيرى على شفتي عاهد متابعا السيارة التي يبتلعها الظلام، فلم يعد يميز منها إلا أضواء كابية وأزيزا يتوارى كما يتوارى طنين ذباب موغل في البعاد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق