ثقافة السرد

يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائهًا

جزء ١

نبيل عودة

هكذا تمضي الأيام

لست أدرى بالدافع الذي يشدني لأجلس امام النهر متأملاً اندفاع الماء اللانهائي. كانت تمر على عشرات الوجوه، تجذبني للحظات وانساها، لأعود أتأمل حركة الماء. وكثيرًا ما يعتريني شعور الوحدة القاتل ولكني بقيت ملتزمًا لعادتي غير المفهومة. احيانًا اقتنع باني الضائع الوحيد في هذا العالم؟ او على الاقل في هذا المكان، تبعًا لذلك استنتج بثقة أنى التائه الوحيد امام هذا النهر وانه لا قيمة للزمن في حياة التائهين.
جميل ان يرى الانسان الوجوه عبر انعكاساتها في اعماق الماء. بعضها يبدو أكثر طولاً وبعضها أكثر عرضًا، ولكنها امور تمر بسرعة بحيث أنى لا اتذكرها. احيانًا يخيل لي ان الجلوس أمام النهر هو حل شجاع لمشاكل الضياع. المشكلة أنى لا اشعر داخليًا بشيء.
انا في منتصف عقدي الرابع. اشعر بالضياع منذ وقت طويل جدًا. احاول ان احدد المنطلق الجوهري لما اعانيه، فتمتلئ صفحة النهر بعشرات الصور والخيالات والاحداث.

حوار مع رجل لم يته

– لن يستعيد العرب قوتهم.
-هتلر وزع دعوات ليحتفل باحتلال لينينغراد والنتيجة انه لم يستطع دخولها..
-دائمًا تقود النقاش بعيدًا!
-بل احاول تخليصك من أزمتك..
-أزمتي الوحدة القاتلة!
-تزوج اذن!
-كيف استطيع ان اجد زوجة اذا لم اجد نفسي بعد؟!
– هل تخليت عن حبيبة الروح؟
– تزوجت غيري.

***

انخفضت نسبة الضوء وبدت لي الدنيا اقل حركة وأكثر هدوء، وصار النهر أجمل. اصبحت الانعكاسات على صفحته مشوشة بحيث لم اعد أستطيع التمييز بين الوجوه، كل ما هنالك اشكال هندسية تتبادل الظهور، تمر امام عيني كما تمر الصور السينمائية وتشدني صفحة النهر لأيام زمان.

غزلية من أيام زمان

الى التي اهدتني قبلة قبل المغيب
عبر شرفتها المشرقة
فأصبحت نجمي الليلي
به اهتدي الى الطريق
عائد أنا،
عائد…
وان طال الطريق
(كتبت في السجن)
•ملاحظة: انا عدت. اما هي فلم تنتظر.

***

ايام زمان لم اشعر بالملل، كنت ملحوقًا بالوقت واتمنى ان يصبح للساعة احدى وستون دقيقة… تململت في جلستي بعض الشيء. الآن امنيتي ان يركض الزمن. ان تنقص دقائق الساعة.

حيث لا يشعر الإنسان بذاته

خذني معك
ايها النهر المتحرك
بالوجوه المشوشة.
احمليني…
ايتها المياه المندفعة
في مجرى النهر…
الى هناك
حيث قد يكون بلا شك
عالم آخر
لا يشعر فيه الانسان بذاته
وتصبح الكلمات بلا معاني
وينتهي التفكير

**
اجل، حينما لا يكون تفكير لا تكون عقد. امتلأت صفحة النهر بالنجوم فاهتممت بالبحث عن القمر.

اردت ان ارفع عقيرتي بالغناء، ليس رغبة مني بعملية الغناء نفسها، وليس لان اغنية ما تدندن في رأسي. لم يكن شيء من هذا او ذاك. فانا لا احفظ أكثر من مطالع بعض الاغاني، ولا يستهويني الغناء، وصوتي لا يصلح للغناء والمكان غير مناسب لغنائي، كل ما هنالك انها حالة طرأت على سرعان ما وأدتها.

حوار آخر مع الرجل غير التائه

-تزوج..
-فاتني القطار. ثم ان مشكلتي ليست هنا.
-الزواج قد يخرجك من عقدتك.
-ربما يخرجني من عقدة ليربكني بعقدة اصعب.
-شعور العجز والتردد اياه.
-لا حيلة لي في ما يحدث.
-انت تقول هذا؟!
-……
-انت الفوضوي المندفع كالعفريت.. المغامر الـ….
-لا تحدثني عن ايام زمان…
-العرب ليسوا اول أمة تهزم. قبلها هزمت عشرات الامم.
-لم يعد ذلك يهمني.. هل تفهم ؟!
-هس… لا تصرخ انا لا اقاتلك.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق