قراءات ودراسات

من آثار الثقافة العربية في إفريقيا: الخط العربي وأنواعه عبر المخطوطات

سالو الحسن*

مقدمة: يشكل انتشار الخط العربي في إفريقيا جانبا من جوانب الحضارة العربية الإسلامية في هذه البقعة إذ أنه يرتبط ارتباطا وثيقا باللغة العربية التي هي  رفيقة الدعوة الإسلامية ؛ وعلى الرغم من الدور الهام الذي لعبه في كتابة مصاحف ومخطوطات ودواوين ورسائل سلطانية وفي كتابة اللغات المحلية الإفريقية فإنه لم يحظ بدراسة جادة ومتأنية لدى أوساط المثقفين الأفارقة؛ وإيمانا منا بهذه الديناميكية للخط العربي في إثراء مجالات حيوية للمجتمع الإفريقي وبناء على أنه جزء لا يتجزأ  من الممتلكات الثقافية للشعوب الإفريقية المسلمة، أرى أن أقوم بالمحاولة في تسليط الضوء ولو بجهد متواضع على الخط العربي وبالأخص الخط المغربي وأنواع الخطوط المتولدة منه في إفريقيا لغزارة انتاجاته الثقافية والحضارية والإسلامية. الخط العربي وانتشاره
قام العرب من خلال اتصالاتهم الأولى بالأفارقة عبر العصور بدور حضاري وفكري وإنساني بارز، ترك أثره الإيجابي في مجرى التاريخ لهذه القارة، ولقد لعبت الإمبراطوريات والممالك الإفريقية الإسلامية الكبرى دورا عظيما في دفع عجلة الثقافة العربية الإسلامية والتبادل التجاري بين الشعوب العربية والإفريقية، إلى الأمام. و” قد كان لتشجيع الملوك للعلم والعلماء وازدهار المنطقة اقتصاديا وثقافيا أكبر الأثر في التراكم الهائل للكتب المخطوطة في المنطقة ، بالإضافة إلى المؤلفات الكثيرة التي ألفها العلماء وفقهاء محليون عرفوا بغزارة الإنتاج العلمي” (1).                                             ليس من شك في أن الإنتاج الثقافي للقارة الإفريقية في أغلب صوره كان شفهيا قبل دخول الإسلام وانتشاره فيها مع الفتوحات الإسلامية: كالروايات والقصص والعلوم وجميع الفنون المعرفية؛ غير أن بعض القبائل الإفريقية تمتلك حروفها الخاصة.إن انتشار الإسلام واللغة العربية في إفريقيا نتج عنه ميلاد الثقافة الجديدة وهي التراث العربي الإسلامي خلفه جهابذة العلماء في مختلف ميادين المعرفة(2). وعلى سبيل المثال كانت اللغة العربية في خلافة صكتو وفي مملكة كَانِمْ بَرْنُو ومملكة غانا (1076-1085) وإمبراطورية مالي(خوالي 1100-1754)، وإمبراطورية صنغاي(1473-1591) لغة رسمية تستخدم في جميع المجالات الحيوية؛ وفي تنبكتو وجني ومدينة “السوق” (3) بجمهورية مالي الحالية، وكذلك في أغدس وكاوار في جمهورية النيجر الحالية ذلك لأن المسلمين يهتمون بالكتابة وبحفظ القرآن ومبادئ الدين الإسلامي. ومن الجدير بالذكر التنويه هنا إلى الدور الذي كان لعبه الملوك والسلاطين في تشجيع العلماء على الكتابة عن طريق المكافأة التي يقدمونها مما كان له أثر فعال في تحريك عجلة الكتابة إلى الأمام.                                                                       
وبإمعان النظر إلى التراث العربي المخطوط المخزون في مراكز حكومية ومكتبات خاصة  في إفريقيا يتضح أن خطوطه تختلف بعضا عن بعض،  فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الخط السائد في هذه الكنوز المخطوطة هو الخط المغربي الذي عرفه الأفارقة مع الفتوحات الإسلامية وأخذ مسميات كثيرة عند دخوله في إفريقيا ويطلق عليه اسم الخط القيرواني  وكان هذا الخط يستخدم لكتابة مصاحف. وتولد من هذا الخط عدة خطوط محلية لها مسميات عديدة وأهمها الخط السوداني أو الخط التنبكتي والخط الكنوي والخط الهوسوي فضلا عن الخط المشترك بين المغرب وبلاد السودان وهو الخط الصحراوي، ويمتاز كل خط بخصائصه التي تميزه عن غيره . وليس هنا مجال للكلام في أن هناك خطوط  أخرى كثيرة متولدة من الخط المغربي في كثير من الأصقاع الإفريقية نذكر على سبيل المثال الخط السوقي وهو الخط الخاص بقبيلة ” كل السوق”  التي تقطن مدينة ” السوق” بجمهورية مالي الحالية ولها فروع في جمهورية النيجر وخاصة في أغدس وأبلغ وتنفامنير و تاسرا و تليا و تبيلوت بجمهورية النيجر.                                                                        
دور الطرق الصوفية والكتاتيب في انتشار الخط العربي
لعبت الكتاتيب والطرق الصوفية وبالأخص الطريقة التجانية(4) والقادرية(5) والسنوسية في القرني التاسع عشر والعشرين الميلاديين دورا هاما في انتشار الخط العربي عبر مؤلفاتهم في المدائح النبوية ومنظومات في مدح الشيوخ؛ وقد استقرت الطريقة القادرية أولا في الجزائر قبل انتشارها في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وعلى وجه الخصوص في مدينة تمبكتو بجمهورية مالي الحالية ، وجنوب القارة  على  يد قبائل الطوارق مما ساعد على انتشارها  بشكل أوسع وأعمق في غرب إفريقيا وخاصة في بلاد الهوسا كما وصلت تعاليم الطريقة القادرية إلى إمبراطورية برنو ، وقد ازدهرت هذه الطريقة ووصلت ذروة مجدها  في خلافة ” صكتو” بجمهورية نيجيريا الاتحادية وقيام كثير من الدويلات الإسلامية. وتعتبر الطريقة القادرية أهم الطرق التي وصلت إلى القارة الإفريقية وأكثرها انتشارا وأعظمها شأنا في حياة الأفارقة(6) ومن ناحية أخرى لقد قامت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- الإيسيسكو والجامعة الإفريقية الدولية بالخرطوم من جانبهما ببذل مجهودات هائلة من أجل النهوض بالحرف العربي أو القرآني عن طريق إقامة ورشات العمل في العديد من البلدان الإفريقية في سعيهما الهادف إلى محو الأمية الضاربة في هذا الجزء العزيز من القارة الإفريقية(7).  الخط العربي ودخول الاستعمار الأوروبي …وعند دخول الاستعمار الأوروبي في القارة الإفريقية ، وجد أن الثقافة العربية الإسلامية قد انتشرت ورسخت في أغلب المراكز الثقافية الموجودة عندئذ في المناطق الخاضعة لاستعمار الغربي حيث أن هذه المراكز تميزت بغزارة إنتاجات أدبية وإسلامية هائلة أغلبها بقيت في صورتها المخطوطة وهي مكتوبة  إما بالخط العربي  أو الخط العجمي(8). وتشكل هذه الحضارة الإسلامية في نظر المستعمرين خطرا بالنسبة للطموحات والأغراض التي يسعون إلى تحقيقها في إفريقيا، فتحول دون تحقيق أهداف هذا الاستعمار وخاصة تلك النشاطات التثقيفية التي تقوم بها بعض الطرق الصوفية المنتشرة في المنطقة(9).                                       
تأثير الخط العربي على اللغات المحلية الإفريقية
يطلق على هذا الخط المستمد من الخط المغربي بالخط العجمي ويستعمل  في كتابات اللغات المحلية بالحرف العربي واستخدم في كثير من المجالات بجانب الخط أو الحرف العربي الأصيل. فإن علماء المنطقة لجئوا إلى هذا الخط في كتابة وترجمة بعض الكتب الإسلامية إلى اللغات المحلية الإفريقية ، ونشر الثقافات الإفريقية؛ ومما نلمسه في هذا الميدان اقتباس اللغات الإفريقية لكلمات عربية جديدة “ويصعب تحديد حجم الألفاظ العربية التي دخلت في لغات الشعوب الإفريقية المسلمة الكبرى لأسباب تختلف من لغة لأخرى”(10) وانتشار تلك العلوم خارج نطاق العلماء إلى الأوساط العامة، فعلى سبيل المثال لغة الهوسا والسواحيلية هاتان اللغتان اللتان تأثرتا كثيرا باللغة العربية ، لتحقيق أهدافهما العلمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الحرف قد استخدم في ميدان الدين أكثر من غيره من الميادين الأخرى، كما يتضح للمطلع على مخطوطات مكتوبة بالخط العجمي تناولها مواضيع في المدائح النبوية الشريفة ومؤلفات عديدة وثيقة صلة بالعلوم الإسلامية. وإذا رجعنا إلى الروابط التاريخية القديمة بين الأفارقة والعرب نرى كيف كانت جذور الحضارة العربية الإسلامية راسخة في العادات والتقاليد لدى هذه الشعوب. وعليه ، فإن استعمال الحرف العربي في كتابة التاريخ أو اللغات الإفريقية ليس إلا تتمة لهذه الروابط التي أشرنا إليها آنفا. وعلى صعيد آخر فإن الحرف العجمي كثر استعماله لمقاومة الاستعمار (11) كما استعمل لنشر مبادئ الدين الإسلامي لدى الطبقة غير المثقفة كما يتجلى دوره واضحا لمحو الأمية في إفريقيا حيث جذب اهتمام  منظمة الايسيسكو التي عقدت عدة ورشات العمل بغية تطويره بما يواكب الركب الحضاري.                           
الخاتمة:
وأخيرا وليس آخرا فإننا قد حاولنا فيما تقدم التنويه إلى قدم الصلات الثقافية  بين الشعوب العربية والشعوب الإفريقية ويثبت ذلك التراث الخطي المكتوب باللغة العربية الذي تراكم عبر القرون بعد انتشار الإسلام ويشمل الكتب والرسائل المؤلفة فضلا عن المعاهدات والمحالفات والرسائل المتبادلة بين الحكام وولاتهم ووزرائهم المحتفظة في مكتبات دول إفريقيا الرسمية منها والخاصة.أما الخط العربي وبالأخص الخط المغربي فإنه يعتبر الخط السائد في إفريقيا الواقعة في جنوب الصحراء وتولد منه خطوط لا تختلف عنه بكثير. ومهما يكن الأمر من شيء فإنه يصعب حصر انجازات الثقافة العربية التي كان لها تأثيرها على الثقافات الإفريقية في مثل هذا العرض  المحدود الذي لا يتسع سوى التطرق إلى  جانب منها دون تفصيل. ويكفينا دليلا الإشارة  إلى أن الكثير من هذه الانجازات التي حققها العرب عبر ثقافتهم كثيرة للغاية منها مفردات ومصطلحات اللغات الإفريقية ذات جذور عربية، والتي تدل بالقطع على عمق التأثر بهذه اللغة.                                                    
الهوامش والمراجع
1- المخطوطات العربية والعجمية في بلاد الصحراء والساحل: منشورات معهد الدراسات الإفريقية، ص 51، الرباط 2006م
2- سالو الحسن: المخطوطات العربية في النيجر، مجلة العربي ، العدد 619،  ص 64/ 2010م.
3- تقع مدينة السوق إلى الجنوب الشرقي من مدينة غاو وتبعد عنها بحوالي أربعمائة وخمسين كيلومترا وهي من ضمن ولاية كيدال الحالية؛ شهدن المدية وصول الفاتح عقبة بن نافع الفهري فنشر فيها العدل والأمن والدين الإسلامي، وكانت قبل ذلك تدين بالوثنية، انظر أ.د. الهادي المبروك الدالي: تاريخ الصحراء والسودان لمحمد محمود الأرواني، تحقيق وتعليق وتقديم ص 43، الطبعة الأولى 2008ف، دار الكتب الوطنية- بنغازي وانظر أيضا سالو الحسن : فهرس المخطوطات العربية  في مدينة أبلغ بجمهورية النيجر عرضا وتوصيفا، بحث مقدم إلى كلية الدراسات العليا جامعة عثمان بن محمد بن فودي بصكتو- نيجيريا لنيل شهادة الماجستير ص 28 العام الدراسي 2009م .
4- تنسب هذه الطريقة إلى الشيخ أبي العباس بن أحمد بن محمد بن المختار التيجاني الذي ولد في قرية غين ماضي في جنوب الجزائر في عام1737م  وانتشرت في بلاد الهوسا وغرب إفريقيا بجهود الشيخ الجليل الحاج عمر الفوني التكروري ( 1795-1864) وتعتبر هذه الطريقة أحدث الطرق الصوفية الرئيسية ظهورا وأكثرها انتشارا في شمال إفريقيا وغربها، انظر  الاستعمار والحركة الصوفية في بلاد السودان الغربي في القرن التاسع عشر الميلادي، رسالة لنيل شهادة الدراسات المعمقة ، شعبة أصول الدين،  إعداد نبيل نبابيو بناغا هاليدو، جامعة الزيتونة ، المعهد الأعلى لأصول الدين ، ص 23-24،  السنة الجامعية 2002-2003 م .
5- تنسب هذه الطريقة إلى الشيخ محمد محيي الدين عبد القادر بن أبي صالح المولود في مدينة جيلان في مارس عام 740هـ/ 1077م وجاء إلى بغداد عام 488هـ الموافق 1095م ودرس مذهب الإمام أحمد بن حنبل لكنه رفض الانتظام في المدرسة النظامية التي كان يشرف عليها الشيخ أحمد الغزالي بعد وفاة أخيه أبي حامد الغزالي. انظر: أضواء على الطرق الصوفية في القارة الإفريقية  للدكتور عبد الله عبد الرزاق إبراهيم ، ص35 ، مكتبة مدبولي ،  القاهرة  في الأول من محرم 1410هـ/ الموافق الأول من أغسطس 1989م.
6- عبد الله عبد الرزاق إبراهيم : أضواء على الطرق الصوفية في القارة الإفريقية ص 4، القاهرة في الأول من محرم 1410هـ الموافق الأول من أغسطس 1989م ، مطبعة مدبولي.
7- وعلى سبيل المثال قامت الإيسيسكو بتنظيم  الرشة الوطنية حول إعداد   المقررات الدراسية وإعداد كتب محو الأمية عن طريق الحرف القرآني في  نيامي بجمهورية النيجر  من 27 إلى 31 مارس 2001م  و قامت أيضا  من  9 -13 يناير 2012م بتنظيم ورشة العمل شبه الإقليمية حول إعداد المقررات الدراسية وكناية  اللغات المحلية الإفريقية بالحرف القرآني باستخدام   الحاسوب  بفندق ” أواسيس” بنيامي / النيجر.
8-  وفي النيجر يوجد  بمعهد الأبحاث في العلوم الإنسانية التابع لجامعة نيامي قسم يطلق عليه ” قسم المخطوطات العربية والعجمية” والذي يضم آلاف من المخطوطات العربية والمخطوطات المكتوبة باللغات المحلية عن طريق استعمال الحرف العربي.
9- كالقادرية والتجانية والسنوسية.
10- محمد الأمين أبو منقة: اللغة العربية واللغات الإفريقية الأخرى، منشورات معهد الدراسات الإفريقية ص23-24، الرباط 2006م.
11- انظر المحاضرة ألقاها د. سين موموني  حول المخطوطات العربية المكتوبة باللغات المحلية عن طريق استعمال الحرف العربي في المركز الإفريقي  للتاريخ والمصادر الشفهية ، نيامي،  نوفمبر 2011م .

* كاتب وباحث بجامعة نيامي/ النيجر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق