ثقافة المقال

أبناء الرنين

شوقي عبد الأمير*

«أبناء الرنين» ليست استعارة شعرية كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن بعد قراءة العنوان، بل هي محاولةُ تقرٍّ ظاهرةٌ في الكيان العربي بطريقة أقرب إلى عمل عالم الاجتماع والأجناس المعروف كلود ليفي شتراوس صاحب «استوائيات حزينة» والتي أراد فيها، عبر الإضاءة على اليومي والمعاش في لاوعي المجتمعات، البدائية خصوصاً، تحديد الملامح الأساسية والأكثر دلالة في هويّتها. إنني أزعم أننا، نحن العرب، أبناء الرنين بامتياز، ذلك أننا أبناء اللغة العربية الذين يحلو لهم – بمناسبة ومن دونها – أن يتسمَّوا باسم لغة «الضاد» على سبيل المثال، نعلن عبر هذا الانتماء «الصوتي» أو اللغوي أننا مرتبطون، قبل كل شيء، بما يصدر من صوتٍ في أعماقِنا، بصرخاتنا وأناشيدنا وهتافنا وعويلنا، ومن ثمّ تأتي الوشائج الأخرى في الأرض والدين والتأريخ. وتلك خصوصيّة لم نتوقف عندها طويلاً لنعرف عمق دلالتها وفلسفتها وتأثيرها فينا، فأنا لا أعرف قومية أخرى مرتبطة هكذا – وجوديّاً – بلغتها. على أي حال عندما يحدّد هيردر في «تاريخ الحضارات» هويّة الحضارات العالمية نجده «يحشر» اليونانيين في الفلسفة والرومان في القانون والفرس في الفنون أما العرب فلا يجد لهم سوى «اللغة». وبالطبع ما تمثّله هذه اللغة في أعلى تجلّياتها: الشعر والقرآن.

قد يبدو هذا الأمر مألوفاً أو ربما مطروقاً إلى حدّ الآن، لكننا لو خطونا في اتجاه تحليل هذه الظاهرة، خطوة أعمق في تقصّي «الحالة العربية» ذاتها كلغة، لاكتشفنا أن ثمة أسئلة جديدة لم نعتد الارتطام بها في مرايا الهوية العربية المهشّمة منذ قرون، خصوصاً بعد سقوط آخر الإمبراطوريات العربية، وهي العباسية (بغداد 1258).
«الرنين»، كجذر لغوي، صار حجراً كيانياً في توطيد أعماق الأساسات الواعية وخصوصاً اللاواعية في الذاكرة الجمعيّة، ذلك أن هذه اللغة – المصهر التكويني للعرب – تحتوي تراكيب قواعدية وأصولية تتفرّد بها من ناحية الإيقاع والموسيقى وهو ما أسمّيه بإيجاز: الرنين. وعلى سبيل المثال؛ المفعول المطلق. هل سألنا أنفسنا يوماً ما معنى المفعول المطلق فلسفيّاً في اللغة العربية حيث أن الأمر ينطوي على دلالة أبعد من كونها نحوية إعرابية: عندما تقول: «كتبتُ كتابةً» أو «قلتُ قولاً»، فإن هذا المفعول لا يؤدّي سوى وظيفة واحدة وهي «الرنين»، إعادة الصدى للفعل، أي أنك تقول بفعل ما، كمن ينادي أو يصرخ فيرجع الصدى. الرنين المتمثّل بتردّد الفعل نفسه مموسقاً أكثر عبر التنوين والإطلاق. ومن هنا جاءت تسمية «المفعول المطلق». وكأنك عندما تريد أن تحدّد فعلاً في قولك (نحن نعلم أن فعل القول هو الفعل العربي المهيمن الذي يُطْبق على كلّ أفعال الوجود والأداء وحتى الكينونة)، فإن هذا الفعل القول لا يكتفي بنفسه، إنما وبنرجسية عالية ينتظر تردّد صداه مموسقاً! هذا الارتداد الرنينيّ للفعل العربي الذي لا يوجد في أي لغة أخرى، يمتدّ إلى أغوار الكيان والوجود لهذه الأمّة وقد انعكس بشكل واضح – ولا تتسع هذه العجالة للتفصيل فيه – على الأداء الذي تشترك فيه أمّة بكاملها.
لا يتوقّف الأمر على المفعول المطلق كأمثلة على هذا الرنين الوجودي، فالعربية أيضاً تتفرّد بين مثيلاتها من لغات العالم بظاهرة «التنوين». وما هو هذا التنوين؟ أليس هو نموذج آخر للرنين وإرجاع الصدى الذي أتحدّث عنه؟ لكل كلمة عربية ثلاث حالات صوتية مموسقة لا دخل لها في المعنى كما هو الإعراب، بل هي تنويع إيقاعيّ موسيقيّ لتجميل وسماع رنّة الكلمة، أي للتلذّذ بالرنين.
في اللغات كافّة الاسم له شكل موسيقي لفظي واحد. كأن تقول Cup في الإنكليزية. فهذا الصوت يكفي للدلالة وانتهى الأمر. كذلك في الفرنسية verre. وفي العربية ثمة كلمة تقابل ما هو موجود في اللغات الأخرى فتقول: كأسْ (مُسكّنةً) وهي المقابل المتوازن لما يحصل في اللغات الأخرى. لكننا  بالطبع لا نتوقّف عند هذا التوازن والتكافؤ الصوتي مع اللغات الأخرى، فالكلمة العربية تأخذ سبعة أشكال صوتية أخرى لا تضيف إلى المعنى الأصلي أيّ شيء، لكنها رقص موسيقي إيقاعي تَنفرد به لغتنا، فنقول: كأسُ – كأسَ، كأسِ، في الحالات الإعرابية المعروفة التي يؤثر فيها الإيقاع بالمعنى. إلاّ إننا نمعن في الإيقاعية أكثر فنذهب إلى أبعد عندما نُنوِّنُ قائلين: كأسُنْ، كأسَنْ، كأسِنْ (أكتبها بالنون لتَمثُّل الإيقاع كاملاً وهي تُكتب هكذا في لغة العَروض). أليست هذه ألعاب إيقاعية ذات رنين ووقع لا علاقة له بالدلالة؟ هل يمكن اعتبار كلّ هذه الحالات الموسيقية الرنينيّة البحتة مجرّدَ تلوين صوتيّ لا علاقة له بـ”الروح الغنائي” وبالمنبريّة الشائعة في الثقافة والتي صارت، للأسف، سمةً للشخصية العربية؟
ألم نُعرِّفْ أنفسنا قبل الآخرين بأننا أبناءُ لغة وأن شعرَنا هو ديوان وجودنا؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن فهم الشخصية العربية، وهي الوليدة الأولى لهذه اللغة، خارج أعمق صفاتها الإيقاعية الموسيقية الغنائية بكل دلالاتها؟ ألسنا أبناء هذا «الرنين» العربي الذي تتردّد أصداؤه في تجاويف الكيان لأمّةٍ بكاملها؟ لا تطلبوا منّي نماذج سياسيّة ودينيّة وعاطفيّة لما أقول. ثم ألا يؤكّد الإسلام الذي تبنّته اللغة العربية وتبنّاها، وصار سرّاً لخلودها وديمومتها، هذه العلاقة الوجودية الإيقاعية والسجعية في كلّ أشكال التجويد والقراءات القرآنية والأذان وهي الملامح الأساسية في الممارسة الطقسية الإسلامية (لنا مع الرنين والطقوس والشعائر عودة). وكي نمضي أبعد، في ميدان اختصاصنا الآن، ألم يطبع هذا «الرنين» أهمّ ميراث لثقافتنا وحضارتنا وهو الشعر؟ أليس الشعر العمودي هو الإبن البار لسيّدة الرنين: اللغة العربية؟
لماذا لا يوجد في لغات العالم أكثر من وزن أو وزنَين شعريَّين في حين يوجد في العربية أكثر من ستة عشر وزناً شعرياً نسمّيها «بحوراً»؟ وهل تسمية وزن الشعر بـ«البحر» بعيدةٌ عن هذه العلاقة بين الموسيقى والاغتراب الكونيّ – الكيانيّ العربي؟ أليس الشعر في فلسفته الوجودية غربةٌ ومنفى، وهذه الغربة في العربية ظلّت لقرون طويلة تطوّف في «بحورها» الشعرية الغنائية؟ ألا يكفي هذا تفسيراً لعلاقة البحر الموسيقيّ بالبحر الوجودي؟ وإلاّ ما علاقة «البحر» بالتفعيلة؟
أسئلة تُولد منها أسئلة، تسأل نفسَها فقط وتنأى عن أي جواب لأن أهمّ الأجوبة هي تلك التي تظلّ كامنةً عاريةً تتجلّى داخل أسئلتها المؤسِّسة. الشاعرية العربية التي ولدت في أحضان الرنين العروضي بشكله العمودي هي الإبنة الشرعية لغنائية اللغة العربية بعدما صارت الوجه الأكثر شيوعاً لأمّة بكاملها. والحضارة العربية الإسلامية، كما نعلم، قوامُها الشعر واللغة، بالأحرى عمارة القصيدة قبل عمارة البناء. لماذا لمْ تعرف الحضارة العربية تراثها المعماري إلاّ خارج البلاد العربية، أي في سمرقند والأندلس ولماذا لا يوجد في بغداد والجزيرة العربية ودمشق كلّها إلا الجامع الأموي؟ أليس لمثل هذه الظاهرة الغريبة دلالة في نوعيّة الشخصية الحضارية العربية؟ ألا يعكس هذا المعنى خطورة سطوةِ النصّ وسلطته في اللغة والشعر العربي عبر العصور كافة؛ الأمر الذي جعل من “كسر العمود” الشعري في التراث مشكلةً عمرها أكثر من خمسة عشر قرناً، وما زلنا نراوح؟
إن تعقيد هذه الظاهرة واشتباك دلالاتها هما اللذان أفرزا نشوء منطقة وسطى في التطوّر الشعري وهي “قصيدة التفعيلة”، وهي مرحلة لا توجد إلاّ في الشعر العربي، فالشعر العالمي عَبَرَ فقط من الشعر الموزون إلى النثر، وهذه المنطقة الوسطى أي قصيدة التفعيلة لا توجد إلا بين ظهرانينا، وهي تؤشّر إلى عمق الالتصاق الإيقاعي وتجذّره داخل الكيان واللغة العربية معاً، وهي تُفيد بأن العبور إلى القصيدة الحديثة خارج كلّ أشكال الأوزان والقوافي والتفعيلات ليس مجرّد تطوّر بنيوي إنّما هو تمرين وجودي حداثوي يتعدّى المفهوم النقدي الشعري المحدود، لهذا قلتُ يوماً إن القصيدة العموديّة هي المرأة المحجّبة. والشعر العربي الحديث اليوم هو المرآة الأعمق للإنسان العربي عارياً من أردية الإيقاع والرنين وأصدائها. ولذا أقول إننا في حداثة النصّ نبني اليوم حداثة الإنسان.

*شاعر وكاتب من العراق

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق