الموقع

الثورات العربية ليست نظيفة!

*نضال البيابي

ليس هناك إعلام مستقل بالمطلق وسيد نفسه، مهما يكن مصدره، فهو في نهاية الأمر خاضع للشركات العملاقة القابضة عليه، التي لها تصوراتها وقيمها ولاهوتها الخاص. ومن البدهيات أن المسيطر على وسائل الإنتاج المادي يملك بالضرورة وسائل الإنتاج الفكري ويتحكم بإنتاج الأفكار وتوزيعها. والملاحظ أن القوة المادية المسيطرة على مفاصل أي مجتمع هي في الوقت نفسه مصدر القوة الروحية السائدة. الإعلام لعب دوره كما ينبغي في تشويه بعض الثورات وتضليل الناس، سواء أكان غربياً أو عربياً، الأمر سيان. ولا أعني هنا بطبيعة الحال إدانة جميع وسائل الإعلام دون استثناء، وتجاهل الجانب المضيء منها، كقدرتها الهائلة ودروها الكبير في خلق الوعي وتعميم القيم وقواعد السلوك والتفكير، لكن هذا الجانب الأخلاقي المضيء يبدو خافتاً-إن لم نقل معدمًا تماماً، في وسائل الإعلام الإخبارية على وجه التحديد. يشير د. محمد السيد – أستاذ الإعلام المتخصص في أبحاث الإعلام المرئي، إلى دراسة حول الإعلام التلفزيوني خلال حرب الخليج الثانية 1991 أظهرت أنه “كلما زادت مشاهدة الجمهور لقناة CNN، التي احتكرت تغطية تلك الحرب، وبنت شهرتها عالمياً على تلك التغطية الحية، كلما قلّت معرفتهم بحقائق الصراع الفعلية”.
كما أنه ينتقد المنحى الأميركي في الدراسات الإعلامية التي تركِّز على الجزئيات والتفاصيل الصغيرة، وتفرط في إحصائها وتبويبها، متناسية الكليات والرؤى الماكروية.. “إنها تمسك بصغار السمك، وتتغاضى عن أسماك القرش والحيتان”.
وفي سياق قريب يرى جورج لاكوف في كتابه الشهير “الاستعارات الاختزالية”: أنه حدثت عملية تضليل إعلامي كبرى من خلال الاستعارات الاختزالية التبريرية لهذه الحرب (يعني حرب العراق). فالأمة تختزل في شخص، والعراق يختزل في طاغيته صدام حسين، بحيث يغيب الاعتداء المدمر على العراق، بمبرر مشروع هو القضاء على طاغية. فالأمة / شخص هي، تبعاً للاكوف استعارة نافذة قوية، تشكِّل جزءاً من نظام استعاري محكم، بحجة حماية المجتمع الدولي والأمم المتحضرة من أخطار أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها الطاغية.
وكذلك هو الحال في الاستعارة الأخرى التي تختزل العالم إلى أمم ناضجة/ مصنعة، وأمم أطفال/ متخلفة بحاجة إلى التعليم والتدريب والتأديب.
وهكذا يبيِّن جورج لاكوف أن الإعلام المكتوب والمرئي يتبنى اتجاهات كلية اختزالية/ تكثيفية/ تبسيطية تتحول إلى مسلمات يصعب تفكيكها وفضحها بسبب بساطتها، وإحكام صياغتها، وإغراق الإدراك بها، وصولاً إلى هدر فعلي للوعي.
أسوق هاتين الدراستين لكي أشير إلى أثر وخطورة وسائل الإعلام في صوغ أفكار وسلوكيات وعقليات وأذواق وقيم المشاهدين “المتلقين” من خلال تعزيز رسائل معينة بفعل التكرار حتى تتحول إلى المسلمات في عقلية المشاهد لكي تكيف رغباته من جهة وتستثمرها من جهة أخرى.
ومهما يكن من أمر، فلا يمكن أن نتجاهل حقيقة أثر الإعلام على الثورات أو الانتفاضات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي، سواء تلك التي حظيت منها بدعم منقطع النظير أو التي تعرضت لحجب وتزييف قل نظيره، من خلال التلاعب بالوقائع والمعطيات وبراعة الإخراج واختلاق الروايات وتهميش حزب ودعم لآخر وفق ما تقتضيه حسابات اللعبة.
ولهذا يُسمح بترويج هذا الخبر وإخفاء ذاك، وهنا يتم التعمية وهناك تسلط الأضواء الكاشفة، وفي دولة يموت آلاف الناس كما يموتون في مشاهد لعبة إلكترونية ويمر الخبر مرور الكرام بينما في أخرى تقوم الدنيا ولا تقعد من أجل جريح سقط “سهواً”!
ثمة الكثير من التشويه والإخفاء لواقع الحدث، ليس لأن غرض الإعلام إخفاء الحقيقة وتضليل الناس، بل لأن القوى القابضة عليه استخدمته للتضليل، لماذا؟ إنها ببساطة الأيديولوجيا ياسادة.
كل فضائية إخبارية انحازت لجهة دون الأخرى، فأخفت جانباً وأظهرت آخر، من خلال تقديم صورة أيديولوجية عن الحدث وليس رصده بنزاهة كما هو حادث، ولهذا صرنا نسمع بثورة نظيفة وثورة غير نظيفة، فلا ثورة تونس نظيفة بالمطلق لأن الشعب متنور ولا ثورة ليبيا غير نظيفة بالمطلق لأن الشعب همجي..الواقع إن عدوان السلطات غير نظيف والثوار ليسوا ملائكة! باختصار، كل قطرة دم أريقت لها حساب كبير عند أهلها، وبالتأكيد أن جباه الطغاة عارية من النظافة كلياً لا أستثني منهم أحداً.
إن قمع السلطات الممنهج للحريات ولحقوق الإنسان هو الذي ولد الشرارة الأولى لعنف مواز وللطغيان الثأري، قد يختلف في الدرجة من قِطر إلى آخر لا في النوع.
إنما هي لعنة الصورة والمشاهد الحية، والتي تشع دوماً بإغرائها الخاص والآسر.. أنها قشعريرة دقة مدَوخة ومزيفة في آن، قشعريرة النقل الحي والتضخيم معاً، أو الشفافية المفرطة كما يسميها بودريار.إنه “حقيقي أكثر مما هو في الطبيعة”.
“أن تعرف أكثر” أو “الرأي والرأي الآخر”..بعبارات مماثلة تتشدق بعض فضائياتنا العروبية.. يا لها من عبارات رائعة في التباسها! وأقول إنها ملتبسة لما توحيه للوهلة الأولى في نفس المتلقي وكأنها الواقع الانعكاسي لمرآة الحقيقة، وفي الحقيقة ما هي إلاّ انعكاس في الغالب للواقع المعالَج!

كاتب سعودي*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق