ثقافة السرد

أسطورة “كُورْكُو”

د. معمر بختاوي*

عندما ولد (كوركو) كان يبدو كعجل صغير، وكان يزن أضعاف أمثاله من الرضع والصبيان. وعندما بدأ يكتشف ذاته، أدرك أنه يفوق رفاقه بسطة في الجسم، ولكنه كان أقلهم ذكاء وفهما وعلما. وكان في صغره يحب السينما، ويعشق أفلام أبطال المصارعين الأقوياء les titans من اليونان والرومان، حيث يظهر الأبطال نصف عراة وهم يحاربون الأسود والنمور، ويتقاتلون فيما بينهم حتى الموت. وكان في مراهقته يأكل كبقرة ويشرب كبغل، ميالا إلى العزلة والابتعاد عن الرفاق، وفي الوقت نفسه كان يهيم بألعاب السيرك، والألعاب التي تعتمد على القوة والمصارعة والعنف. وبعد أن تجاوز الطفولة بقليل تعلم شيئا من القرآن الكريم، وقليلا من الطب الشعبي.. وكان يعلق في عنقه تسبيحا كبيرا تشبه حباته حبات الطماطم الصغيرة.

وروى عنه أبوه قال: “عندما كان مراهقا كان يختلي في جبل بالقرب من مدينة بركان يسمى (لاكولين)، أي الجبل الصغير.. وممّا شِيع عنه أنه كانت تصاحبه جنية في حلّه وترحاله حتى أصبحت خليلته. وكانت ترشده فى الطريق، كما كانت النجمة القطبية تهدي العرب في غابر الأزمان في أسفار التجارة في محيطات من الرمال والفيافي. وقد كان أنيقا في ملبسه، ربما كان هذا سبابا آخر لتأويل الناس بأن الجنية كانت فألا حسنا عليه، وأنها كانت تعشقه عشقا جنونيا.. ولذلك فسّر البعض هجره للزيجات اللواتي كان يتزوجهن ويهجرهن قبل العام.
في القسم الخامس طُرد من المدرسة بسبب الشغب وعدم الامتثال لقوانين المؤسسة التربوية، والتعدي على معلمة الفرنسية الشقراء التي كانت تشبه ذرة ناضجة، والتي كان يتغزل بها ويشتهي جسدها بشكل مكشوف. وبسبب هذا الطرد من المؤسسة، جمع له أبوه أغراضه في كيس وألقى به خلف الباب وقال له:” لقد أصبحت رجلا، اذهب وخض معركة الحياة كما يخوضها الرجال”.
هاجر “كوركو” ليجد ذاته في مدينة بعيدة حيث لا يعرفه فيها أحد، وعاش وحيدا غريبا. فجرب عدة مهن.. في بداية الأمر عمل في سيرك متنقل مهتم بالحيوانات، وانتقل إلى مطحنة يحمل الأكياس، ثم سمّاكا وصباغا وبائعا متجولا.. ولكنه كان دائما يشعر بسوء تفاهم مع جميع الذين تعامل معهم.. فشرّق وغرّب في البلاد حتى وصل إلى أعالي الأطلس حيث أسواق إميلشيل. وفي كل بلدة كان يحلّ بها، كان يتزوج منها فتاة ويهجرها قبل السنة الأولى، ويرحل إلى مدينة أخرى.. إلى أن اشتعلت بداخله نار الحنين واللوعة إلى موطنه وموضع رأسه، وعاد باحثا عن الطمأنينة وراحة الروح والنفس، والتوقف عن التيه الذي عاشه ردحا من الزمن.
وعندما عاد إلى الديار عرفه القليل من الناس الذين عاصروه في شبابه الأول، ومن هؤلاء أحد المخبرين الذي اتصل برئيسه ليخبره بأن “كوركو” المجرم الخطير، المتهم باغتصاب الكثير من الفتيات، قد عاد إلى المدينة. وتجنّد الجميع كما تتجند خلية نمل على جثة صرصار ميت، وهاج الكل للقبض عن المجرم الخطير “كوركو”.
وقف شرطي مسلح وهو يحمل في يده سلاحا، حسبه “كوركو” لعبة عاشوراء.
ـ ارفع يديك ولا تتحرك؟..
وقف “كوركو” كجبل أمام حمل صغير وقال بصوت كأنه جلموذ ساقط من عل:
ـ ماذا بك؟
ـ الشرطة.. سلم نفسك !!
وفي لحظات كان رجال الأمن والوقاية والجيش كظلام كثيف يحيطون ب”كوركو”. وضعوا الأصفاد في يديه  واقتادوه كعجل إلى المسلخة. لم يقاوم ولم يتزحزح  “كوركو” واكتفى بإلقاء نظرة إلى الشمال وإلى اليمين، وابتسم وسار بين رجال يلبس أكثرهم اللون الكاكي.
في المحكمة التي عجت بالجمهور الذي جاء ليشهد محاكمة القرن في هذه المدينة، نظر الرئيس في ملف كبير وهزّ رأسه وقال:
ـ أنت متهم بارتكاب الكثير من الجرائم، منها الاعتداء على معلمة فرنسية الأصل، واغتصاب فتيات في عمر الزهور، وهجر الكثير من الزيجات..  
وسمع صوتا داخليا يقول:
ـ يا ويحك يا “كوركو”.. سيعدموك في الساحة العمومية يا “كوركو” !!
وفي الطريق من المحكمة إلى الزنزانة، جندل أحد رجال الشرطة وهرب لا يلوي على شيء. تبعه رجال الأمن بقضهم وقضيضهم ، لكنه اختفى في أحد المنازل المهجورة، وانتظر حتى عسعس الليل، وصعد إلى الجبل الذي كان يعرفه من قبل أن يُشرق ويُغرب في البلد. فكان ينزل في الليل إلى البلدة كحيوان بري يعيث فوضى في المدينة. فسرق سيارة وأرغم عاملا بمحطة البنزيل على ملأ خزانها بالوقود، وكان يختفي بالنهار ويخرج لمطاردة رجال الشرطة بالليل والانسلال بين الأزقة والدروب التي كان يعرفها كما يعرف أصابع يده. فلم تستطع الشرطة المحلية القضاء عليه، فاستعانت بالقوات الجهوية. ولكن كلما ضربوا الخناق على “كوركو” كان يجد الحلول المناسبة للانفلات من الفخ.
وصل الخبر إلى وزير الداخلية، فتدخل مباشرة إلى إصدار أمره بإطلاق الرصاص الحي على “كوركو” دون قتله. فنصبت له الشرطة كمينا، وفي منتصف الليل، خرج “كوركو” كالعادة، ليستفز الشرطة لمطاردته، فجيء بالكثير من المدرعات، وحوصر في شارع وحيد الاتجاه، فأمره رئيس الشرطة بالاستسلام، ولكنه أبى، فأطلق عليه قناص النار فأصابه في صدره، فقاوم لساعات.. ولم يجرؤ أحد الاقتراب منه حتى وهو يعاني آلام الموت، حتى سكنت حركته، واقتربوا منه فوجوه ميتا وهو يمسك بمسبحة كبيرة تشبه حباتها حبات الطماطم الصغيرة ..   

*كاتب جزائري

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق