ثقافة السرد

تمويه

فيروز شحرور*

في يوم جمعة رمضاني في العام 1954، ما يقارب الساعة الرابعة والنصف، مع صوت المؤذن، امتلأ الهواء بزغرودة انبجست من حلق الجدّة أم جلال، فولدها جلال امرأته أدركت ساعة الميلاد اليانعة، وأنجبت حفيدهم الأول.
قبل التسمية
–  ها يما يا جلال، شوف، اللهمّ صلّ على النبي. احمل ابنك. بجنن، الله يحرسو. جلال يقترب. يمسك بقطعة لحمه الدافئة، وأبوه بالقرب منه يوحّدان الفطرة الأبوية، يتمعنان فيه بدهشة وغبطة كثيفة.
ـ طيب، شو حابب تسمي الولد يا حبيبي؟           
ـ  رح أسميه على اسم أبوي طبعا.. نعمان.
أم جلال تحدّق بكشرة واضحة على وجهها، تلوك بوزها، فلم يعحبها الاسم. تستبدل ذلك فورا بابتسامة صفراوية وتضيف بخبث:
ـ الله يخليلك أبوك.. بس هاظ الولد مميّز.
يقاطعها أبو جلال بامتعاض حار:
ـ شو يا مرة؟ شو حكيتي، مميز! ظبّي لسانك، شو كصدك إني مش مميّز، والله، والله لولا العيب وإنّو اليوم إبنك خلّف لزتّيت بوجهك الزفت اليمين. ايشو هاظ! والله انتو النسوان بس، الله يخزيكو. لا للسدّة ولا لعثرات الزمان.
بدهشة نسائية علت وجه أم جلال، وجلال وقطعته الدافئة يقفان بينهما بذهول:
–  يــيـــيي، هاظ اللي طلع معك يا أبو جلال. بعد سبعة وعشرين سنة زواج، بدك اتطلقني؟ والله حلو وبتكدر يعني تكولها. وأنا بعدين ما كلت إنك مش مميز.
أم جلال تصمت، تدّعي أنها بحاجة إلى ابتلاع الهواء، ولكنها تغرغر بداخلها بضع مسبات على الرجال.. “الله يكطعوا على هل المخّ، وعلى ساعة اليوم اللي تزوّجت فيها من هاظ اللوح”.. ثم تضيف على ما ما قالته:
ـ أنا كان كصدي إنو الولد جاي بشهر رمضان ويوم جمعة وكمان على آذان الفجر، فيعني شكلو الولد عندو حظّ منيح، فكلت بنكمّل هل الحظ وبنسمّيه على إسم سيّدنا محمد مثلا. هاظ هو.

تنظر أم جلال لأبي جلال نظرة نسائية عالية، تجعله يشعر بصفعة على رجولته، فيبدأ في تحريك المسبحة بشكل سريع، ثم ينتفخ صدره:
ـ لو صبرتي عليّ يا مرة. لسه هيك كنت بدي أكول.
ثم ينظران إلى ولدهما جلال وحفيدهما، القابعين بصمت بينهما.
ـ خلص، شو رأيك نسميه محمد.
–  على بركة الله يابا.
***
كبر محمد، صار عمره سنة، خمسة.. ودخل المدرسة وفي رأسه فكرة المجتبى الذي ترعرع عليها، فقد رأى جدّيه يتبجحان أمام أهل القرية بكلّ المصادفات المقدسة التي تجمعت في مولده. كبر محمد وتخرّج من المدرسة، وصار يافعا، والحياة أمامه بسيطة جدا: لا ألم، لا كفاح. هو يأكل، وينام، ويرافق أصحابه. هو المجتبى! حتى إخوته اللاحقون لم يحصلوا على المصادفات ذاتها، ولا على واحدة منها على الأقل.
محمد، بعدما صار شابا، التقى الحياة دون موعد، وبشكل عاثر. أطعمته الفقر، وموت والده بحادث، وأدخلته الاغتراب قسراً، وجعلت كلّ حبال الحظ، حبالا واهية.
بعد ست وأربعين سنة يصارع فيها الحياة، يأتيه حفيده أحمد، ذو السبع سنوات، ضاحكا يسأله بدهشة:
ـ  سيدو، بابا حكالي إنك انولدت في شهر رمضان، ويوم جمعة، مع أذان الفجر. جد نيّالك سيدو.

يحتضنه جدّه، يداعب شعره البنيّ الناعم، ويقاطعه بائسا خجولا من فكرة المجتبى.

–  تمويه يا حبيبي!

*كاتبة فلسطينية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق