قراءات ودراسات

سرد الهوية .. في رواية “سيدات القمر” للكاتبة العُمانية جوخة الحارثي

د. فريدة إبراهيم*

منذ البداية، تستدرجك الروائية جوخة الحارثي، لولوج عالمها السردي في”سيدات القمر”، الفائزة بمان بوكر الدولية2019، من خلال سحر لغتها الشاعرية المطعّمة باللهجة المحلية، وسلاسة السرد، والتنقلات الزمنية السريعة التي تجعل القارئ يغوص أكثر في أحداثها المتلاحقة، في محاولة للإمساك بالنهاية التي تأتيه بعد مئتين وتسع وعشرين صفحة، لتخبره بأن الإمساك بالقارئ حتى نهاية الرواية؛ خدعة لا يتقنها إلاّ المتمكن من اللعبة السردية، ونزعم أن الكاتبة جوخة الحارثي في “سيدات القمر”، واحدة من هؤلاء الكتاب الذين يعرفون كيف يجذبون القارئ إلى عالمهم السحري، المعبأ بسيل من التفاصيل والأحداث المتلاحقة.
استطاعت مؤلفة رواية “سيدات القمر”، أن تنسج حكايتها من تضافر جملة من الحكايات التي تتوالد وتتناسل مشكلة الإطار العام للنص السردي، وإن بدت بعض هذه الحكايات منفصلة، إلا أنها ترتبط بخيط رفيع، أتقن السارد/المؤلف حياكته ونسجه بطريقة فنية وجمالية، أضفت على السرد تميزه؛ فالسارد لا يكاد ينتهي من قصة “ميا” مثلا، حتى يدخل القارئ في قصة “نجية البدوية” وقصة “ظريفة” و”سنجور”و”مسعودة” ..إلخ، تلك القصص التي تعكس هوية المجتمع العماني، بكل عاداته وتقاليده، تفتح للقارئ عالما آخر بكل حمولته الإنسانية، محاولة سد فراغات سردية لا يمكننا العثور عليها، لأن الرواية عبارة عن خزان من الحكايات المختلفة التي لا تنتهي، والوقائع والأحداث التي تخلقها شخصيات متعددة ومختلفة، تعيدنا إلى أزمنة متباينة ومتداخلة، ضمن إطار مكاني ممتد، يرسم السارد أبعاده ويفصّل معالمه بفنية متقنة، وبذلك تكون رواية “سيدات القمر”، بمثابة ذاكرة مفتوحة -بتعبير م.برادة- على تاريخ وطن وثقافة مجتمع.
تعيد حكايات رواية “سيدات القمر” رسم قرية/وطن وما طرأ عليه من تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، يتجسد ذلك من خلال شخصيات متعددة ورؤى مختلفة، تمنح الرواية طابعها البوليفوني، تمتلك هذه الشخصيات استقلالها النسبي، فصوت ميا يختلف عن صوت ولغة أسماء، وهذه الأخيرة تختلف عن صوت ولغة خولة، إننا أمام حكايات ووجهات نظر متباينة، تمنح السرد طابعه المتشعب والمتناقض أحيانا، وهو ما يقودنا إلى الحديث عن جيل الآباء ونظرتهم المختلفة عن جيل الأبناء، مثل، رفض شخصية عبد الله لاستمرار والده باتخاذ العبيد، بعد صدور قانون منع الرق والاتجار به، تجسد ذلك في حواراته المستعادة عبر تقنية المونولوج، ثم ننتقل إلى جيل الأحفاد أين نجد شخصية”لندن”ابنة ميا وعبدالله، وكيف استقلت برأيها، وفرضت نمط حياتها الذي ينقل وجه “عُمان” الجديد بعد التحولات الكبرى التي طرأت على تفاصيل الحياة.

تتسلم شخصيات الرواية، زمام السرد كل على حدة، فتسرد تفاصيل حكايتها وذكرياتها الممتدة في الزمن البعيد، فنتعرف على حيز مكاني هو “العوافي”، وتاريخ وطن هو”عمان”، وما مر به منذ 1920 من حروب أهلية (حرب الجبل الأخضر )، ثم التنقيب عن النفط، والتحولات الاقتصادية الضخمة التي أعقبت ذلك، ومن أبرز الشخصيات التي تتجلى من خلالها التحولات الاقتصادية؛ شخصية عبد الله، وهو الشخصية الرجالية الأبرز الذي أخذ حيزا مكانيا في السرد، ومن خلال رحلة عبدالله في الطائرة، وفي لحظات غفوته يأخذ القارئ معه ليعايش أحلامه التي تتجلى في تنقله بين أحداث الرواية، منتقيا بعضا منها بطريقة تسرع زمن السرد، وتدفع الأحداث إلى الأمام، فيسترجع ذكريات بعيدة وقريبة، ويكون ذلك بمثابة خطة فنية متقنة يتبعها السرد في نقل الأحداث بطريقة غير منتظمة، ليظهر من خلالها مرور الزمن وتداخله، عن طريق النقلات الزمنية السريعة والبعيدة.
يمنح صوت عبد الله للسرد طابعه الذاتي، فيروي بضمير المتكلم الذي يقرب القارئ أكثر من السرد، ويضفي عليه طابعا حميميا. كما تأخذ باقي الشخصيات حقها في التعبير عما يجيش في داخلها، وعن همومها وتطلعاتها، فنسمع صوت ميا وأسماء وأمهما سالمة وتفاصيل حياتها المؤلمة مع الجوع واليتم .. في مقابل ذلك يهيمن صوت السارد الخارجي عن الحكاية التي يرويها، رغم ذلك يسرد الأحداث من الداخل، ويحلل دواخل الشخصيات ويقدمها، وله معرفة سابقة لما يجري، لأنه عليم بكل شيء، يسرد بضمير الغائب، وفي الغالب هو صوت المؤلف الذي نجده هنا، يتعثر أحيانا، فيتداخل مع أصوات الشخصيات، وهي من المآخذ القليلة التي لمسناها في ثنايا السرد، ما قد يؤثر في فنيته وجماليته، بالإضافة إلى تأثير ذلك على مقروئية النص لدى القارئ المنتبه لسير اللعبة السردية.
استطاعت رواية “سيدات القمر” أن تعبر عما سماه “م.برادة” بالمتخيل الاجتماعي لثقافة ما، فمن خلال تفاصيل محكيات الرواية، ورمزية شخصياتها وقيمها، جسدت الهوية الجمعية “لعمان” في صيرورتها وتحولاتها ا ، وعبرت الكاتبة عن ذلك بلغة شاعرية مكثفة، منحتها، وبجدارة، وسام التميز والاستحقاق.

*باحثة من الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق