ثقافة السرد

الهامات والشيخ “عقم “والأطفال

سفيان بن عون*

“كيف أشرح بكلمات تجيء من هذا العالم
ضوء يجيء مما وراءه”
أدونيس

أ
! كنت في كثير من الأحيان أوجه هذا السؤال لنفسي. كيف وقع ما وقع ثمّ كيف صرنا هكذا؟
قال أبي أنّه لمّا حدث ما حدث كنت ما أزال مجرّد فكرة في رأسه، لم تتبلور بعد أكثر من هذا لقد كنت بالنّسبة لأبي الذي لم يتزوّج بعد مجرّد حلم أو ربّما حتّى وهما.
هبّت من الجنوب في تلك الفترة رياح عاتية وحارّة، دامت هذه الرّياح طيلة أسبوع كامل في البداية كانت هذه الرّياح شديدة ومفزعة، ما فعله النّاس وقد تعوّدوا ومنذ القديم على رياح الشّهيلي، ما فعلوه هو أنّهم أغلقوا أبواب بيوتهم، جمّعوا زوائلهم في مخابئها. أدخلوا أطفالهم من الشّوارع وحذروهم من الخروج… الأطفال هذه الكائنات الصغيرة والمتمرّدة، إنّها ترفض أيّ أمر وتجد متعة كبيرة في اختراق الممنوعات وتجاوز أوامر الآباء والأمّهات كان ذلك يسعدهم كثيرا ولكنّه يسبّب للأمّهات خاصّة ألما دائما وحيرة يصعب الآن تحديد أو فهم ملامحها. الآباء توعدوا أطفالهم بضرب شديد ومبرح إن هم خالفوا أوامرهم، قالوا ذلك في يأس لقناعتهم الشّديدة، أنّ ذلك لا يعني شيئا لهذه الكائنات المقرفة فكثيرا ما تمرّد هؤلاء الأبناء وكثيرا ما هُدّدوا ولكن ذلك لم يكن يعني شيئا. بكاء الأطفال كل مرة كان يملأ أحياء هذه الثنايا الجاثمة في عمق الصحراء وأما النسوة وليقينهن بأن كائناتهم الصغيرة تتمرد مادام العقاب سيكون ما توعد به الآباء فإنّهن حملن أطفالهن إلى الداخل وأغلقن الأبواب وبدأن في سرد الحكايا المرعبة، والخرافات المخيفة التي كانت تجعل هؤلاء الصبية، ينكمشون على أنفسهم ويتوقفون في أحيان كثيرة حتى عن التنفس. خاطفة الأطفال “عزوزة القايلة”[1] صاحبة الشعر الأشعث والعيون النارية، “مدّاد إيده”[2] وحجمه الأسطوري وسطوته المرعبة… التهديد يأتي واضحا: من يخرج فسيجد “عزوزة القايلة” في انتظاره تحرقه بنار عينها أو سيكون “مداد إيده” واقفا هناك في أعلى التلة, المطلة على الديار منتظرا لحما طريا ولن يجد عناء من هناك من بعيد كي يمد يده الطويلة ليخطف بها أي طفل يعجبه…
الأطفال المساكين ما كانوا ليجرؤا لما سمعوا هذه الحكايا على الخروج من جديد إلا بعد أن تأذن أمهاتهم لهم… كانت هذه هي الحيلة الوحيدة الناجعة في ردع الأطفال.
إشاعة الخوف في النفوس وإرهاب العقول والأفكار تلك أنجع وسيلة للقضاء على تمرد هؤلاء الصبية. لقد اكتشف الآباء والأمهات معهم، أن إشاعة الخوف في نفوس أطفالهم له قدرة عجيبة وفاعلية لا تصدق في تكبيل حركتهم والقضاء على أي عصيان…
بقي الرجال والنساء والأطفال والحيوانات طيلة أسبوع كامل منحشرين في الديار لا يخرجون منها إلا ليلا ولساعات قليلة لأن تلك الرياح اللعينة والمجنونة كانت تستكين لساعات قلائل وهي إذ تفعل فإنها كانت تُجمّع قواها، تتراجع إلى ثنايا الصحراء. تعود إلى هناك، بعيدا إلى الأركان والزوايا الترابية، تبتلع الرمال، تعبئ رئتيها ترابا أصفر وشظايا من البلور الصغير الذي يمزق الوجوه ويخرّب الجدران ويعمي العيون. كانت تلك الرياح تتراجع ثم وعند ساعات الفجر الأولى تأتي بعنف لا يصدق تخرق الآذان وتُشِيعُ بدويها الهائل وطنينها المرعب جوا من الفزع والخوف يلامس قلوب الصغار والكبار على حدّ سواء فأما الصغار المساكين فقد كانوا يعتقدون أن “عزوزة القايلة” جاءتهم تطرق أبوابهم ليلا فكانوا يستيقظون -وهم غير مصدقين لما يسمعون على اعتبار أن أمهاتهم قد أخبرنهم أنها لا تأتي إلا عند الظهر وهاهي تأتيهم ليلا-والرعب يملأ أعينهم والصراخ يتفجر في حلوقهم وأما الكبار فكان رعبهم قادما من شيء آخر…
الرجال تجمعوا في الليلة السابقة في بيت الشيخ “عَقمْ” كانوا يعرفون أنه يجب عليهم أن يتداركوا الأمر في سرعة فائقة فساعات قليلة هي كل ما يملكون الريح لن تلبث أن تعاود صيحاتها المشؤومة والفزع سرعان ما سيدب في قلوب الجميع… هم على كبر سنهم وضخامة أجسادهم واشتداد أعوادهم وصلابتهم وجدوا أنفسهم في حالة خوف لا تبتعد كثيرا عن حالة أطفالهم. لقد كانوا وهم يستمعون إلى ذلك العويل والنحيب القادم من أطراف الصحراء، يشعرون برعب لا يوصف. البعض منهم كان ينكمش على نفسه، البعض الآخر كانت عظامه ترتعش وأما كثيرون فكانوا يلجؤون إلى صدور نسائهم يخفون فيها رعبهم وخوفهم يشتمّون في أثدائهن رائحة أمهاتهم اللواتي كنّ يفعلن معهم نفس الشيء لما كانوا أطفالا وحين يأتون إليهنّ هربا من فزع ما. هنا في بيت الشيخ “عقم” وفي الغرفة المقعّرة السقف ذات الجدران الملساء والرطبة والتي كانت تنبعث من أركانها رائحة بخور مكي وعطور قديمة تذكر بأجواء السحر والضياع، هنا جلس الرجال في شكل دائري في انتظار قدوم الشيخ. الوجوه… هل أحدثكم عنها؟
رعب الأطفال كان محفورا في عيونهم والتجاعيد على الجباه انعكاس فاضح لحيرة موجعة ساكنة في أعماق ذاكرة بائدة سببت بهتة أزلية وأرقا متواصلا.
دخل الشيخ فجأة. من أين دخل؟ كيف هبط عليهم؟ أحد منهم لم يشعر به. لقد كانوا جميعا غرقى. جاء ملتفا ببياض ناصع يذكر بإنبلاجة الفجر، وسرعان ما عاودهم الفجر حينما ذكروه بآلامهم التي لم تفارقهم طيلة أسبوع فأحسوا بحلوقهم تجف والريق تتجمد في أفواههم والشفاه يعلوها بياض الجفاف والجفاء.
قال الشيخ: السلام عليكم.
ردوا في صوت واحد: وعليك السلام يا شيخ.
تدافعوا وأفسحوا له مكانا بينهم.
قالوا له: إننا رأينا شيئا عجبا نحن لم نصدق في البداية، كان كل واحد منا تقريبا يشاهد نفس المشهد ويسمع نفس الأشياء، الأصوات يا شيخنا ألم تسمع تلك الأصوات كيف يمكن أن نصفها لك، هذه الريح الملعونة-قالوا هذه الكلمة وانتابهم خوف كبير. إنهم يخشون الانتقام، ماذا لو تسمع الريح شتائمهم؟ ربما يتضاعف غضبها وحينها لن يعرفوا ماذا سيكون مصيرهم-هذه الريح الملعونة يا شيخ تتكلم، إيه والله لقد صارت تتكلم وهي تهددنا. إنها تتوعد بالانتقام والقتل، ماذا فعلنا يا شيخ حتى يحدث لنا كل هذا.
قال الشيخ “وما الذي حدث؟”
بعد كل هذا وتسألنا ما الذي حدث، الرياح يا شيخ إنّها تتكلّم. ثمّ إنّ… في اختناق واضح قال أحدهم ثمّ أن “مدّاد إيده” قد ظهر في الأحياء والأزقة وأثار أقدامه كنا نجدها ليلا وحينما تسكن الريح واضحة, إن آثار رجله يا شيخ تدل على أننا أمام “هامة” لا يمكن مقاومتها, وإننا الآن نتساءل كيف لم يهاجمنا ولم يكسر ديارنا بعد, ثم إن حجم خطواته تدل على ضخامة جثته أقسم يا شيخ إنه بالتأكيد واحد من العماليق, أو هو ربما واحد من قوم ياجوج وماجوج نفر من أعماق الأرض.
قال رجل آخر وقد \كان شاحب الوجه خوفا, ما رأيته ليس ما تحكون عنه إنما”عزوز القايلة”… كان منظرها مرعبا, الرمال حجبت عني الكثير كنت مضطرا للخروج من البيت, الملعون ذلك الجدي الأسود لقد أفلت من “زريبة الماعز” وانطلق يعدو إلى خارج الدار, عدوت خلفه وقبل أن ألحق به, كانت قد فتحت يديها وحملته تحت إبطها وقد أحاطت ببطنه النحيفة بيدها من الأسفل وضمت جسده بذراعها في عنف, المسكين لقد عجز حتى عن الصياح.
عيناها أيها الرجال…
لا يمكن أن أنسى نظراتها. الموت فيهما. فضاعة الموت انكشفت لي، لست أدري ما منعها عنّي؟ هل هو القربان؟
صمت الرجل وصمت كل الرجال. حتى الشيخ دبّت في عينيه الصغيرتين حيرة موجعة وخوف خفي بدأ يرتسم على ملامح وجهه فحاول أن يغلبه بذكر الله والاستغفار والاستعواذ من شيطان رجيم…
الشيخ “عقم” كان يعرف منذ البداية، ما قاله الرجال لم يكن غريبا بالنسبة له أو مبهما بل على العكس إنّ ما قالوه لم يسبّب له أيّ خوف أو وجل إنّما الرّعب كان قادما من ذاكرة أخرى، سرت في جسده قشعريرة عنيفة هم اعتقدوا أنّ الشّيخ ينزل عليه وحي من عند الله، تبدّت على الوجوه البائدة فرحة مكبوتة… جاءت خيبة الأمل أسرع مما توقع الرجال تمتم الشيخ … أحد لم يفهم ما قاله. صارت العيون جاحظة، طلبوا منه أن يقول شيئا واضحا. رفض في البداية. ثم قال لهم بعد ذلك أن ما شهدوه ليس في الواقع إلا بداية كارثة ستحل على هذه الأرض الساكنة في جوف الصحراء قال لهم أنه ينصحهم بالرحيل إذا هم أرادوا النجاة بأرواحهم و أرواح نسائهم و خاصة أطفالهم.
… العالم لم يكن يعني بالنسبة لهم شيئا غير هذه الديار و هذه الأحجار المرصوفة. في كل ركن كان ثمة ذاكرة ما. في كل حجر رائحة أبدية تربط وجودهم بهذه الأرض، كل حبة رمل بالنسبة لهم في هذا المكان تمثل تاريخا، ثم إلى أين سيذهبونَ؟ كيف ينظر إليهم العالم؟ ملابسهم التي لم تتغير منذ مئات السنين. أهل المدينة حينما سيرونهم سيهزؤن بهم سيعتقدون أنهم مجاذيب قدموا من الصحراء أو هم ربما جاءوا ليزينوا أو يعمروا أحد المتاحف التاريخية المزيفة التي تملأ شوارع المدينة. و نساؤهم بهذه الملايات السوداء التي تحجب كل شيء، حتّى النّظرات كانت لا ترى فيهنّ. نساؤهم سيُستَعْبدن، نساء المدينة سيحوّلنهنّ إلى خادمات وأطفالهم… آه الأطفال… ذاكرة الماضي وحلم المستقبل.
صُدم الرجال، رفضهم للمدينة كان قطعيّا، لم يبق إلا الضّياع في كثبان الرّمال، يهربون من ديارهم من ذاكرتهم إلى أفق بلا أفق. ضياع جديد…
قال الشّيخ “لم يبق إلاّ أيام ثلاث ثمّ ستمتلئ الشوارع بالرعب أنتم تحدّثون أبناءكم عن هذه الكائنات المخيفة… ها هي الآن تتجسّد أمامكم. ماذا أنتم فاعلون؟ هل أخبركم بما هو أفدح؟” صمتوا.
هذا الشّيخ لقد أصبحوا يشعرون نحوه بكراهية هم لا يدرون لماذا قبلوه شيخا عليهم، كلّ ما يذكرونه أنّه وبعد نهاية الحرب جاءهم صندوق أخضر يتهادى على رمال الصحراء نزل منه ثلاثة رجال يرتدون لباس أهل المدن ويضعون على رؤوسهم قبّعات تختلف تماما عن شواشيهم وعماماتهم الرمادية الصغيرة قالوا لهم سنأخذ أسماءكم جميعا، كي نستخرج لكم بطاقات هويّة استخرجوا من صندوقهم أوراقا كثيرة نصبوا طاولة داخل خيمة، بُدأ العمل منذ الصّباح. اصطفّ الرّجال يمينا والنّسوة شمالا. وبدؤوا يأخذون كلّ البيانات اللازمة. إنّ أكثر شيء أمتع الرجال والنّساء على حدّ سواء هو ذلك السّائل الأسود الذي كانت تدهن به أصابعهم، لقد كانوا يستغربون من قدرة الله أولا وقدرة الشّياطين الخضر على طبع أصابعهم على الورق… سبحان الله!!
لمّا أتمّ هؤلاء أعمالهم قالوا لهم أنّه يجب أن يعيّن رجلا يكون شيخا عليهم، كان الشّيخ “عقم” عائدا من مصر وقد درس ب”الأزهر” بعد أن كان أصلا قد درس بجامع” الزيتونة” كان حينها كهلا وكان ذكيّا وفطنا إضافة إلى أنّه قد ساعد هؤلاء الرجال في عملهم وأبدى استعداد واضحا للتعاون. فما كان منهم إلا أن عيّنوه بتلك الرتبة وأطلقوا عليه لقب الشيخ الذي مازال يحمله إلى الآن وقد قارب التّسعين من عمره، هو إذا شيخ منذ البداية. الأهالي لم يعترضوا رغم كثرة الشّيوخ حينها، فهذه الأمور لم تكن تعني بالنّسبة لهم شيئا ذا بال. بقي النّاس ينتظرون بطاقات هوّيتهم طويلا… ثمّ شيئا فشيئا تناسوا الأمر والكثير منهم مات وشيء لم يأت. الزّيارة أصلا لم تتكرّر ولكنّ الشّيخ بقي شيخا… وهم الآن يعترفون بحكمته وهو الآن فعلا أكبرهم…
ردّد الشيخ بصوت متهدّج:” ارحلوا”.
قال أحدهم: “كيف يريدنا أن نرحل؟ الطّريق الوحيد التي كانت تربطنا بالدنيا قد اختفت، أحد منّا لم يغادر منذ سنوات كثيرة، كثيرون ولدوا وماتوا ولم يغادروا هذا المكان. أين تريدنا أن نذهب؟ “ازدادت حدّة الصّوت، وتعالت في الغرفة همهمات الموافقة…
في الخارج تحرّكت الأصوات وبدأت تقترب. تجمّد الرجال في أماكنهم، لقد فهموا أنّ الرّيح تعود. نهضوا دفعة واحدة. تدافعوا نحو الباب. قبل أن يخرجوا قال الشيخ موجها حديثه لهم جميعا إذا لم ترحلوا فستقدمون أطفالكم قرابينا لقد قَبلَتْ بداية قربانا حيوانيّا. هل تذكرون “جَدْي” عبد الرحيم، ذلك لم يكن إلا أمارة، رمزا، إشارة…
خرج الرّجال، عادوا إلى ديارهم… أغلقوا الأبواب. وأرجلهم بالكاد تحملهم، لقد وصل الأمر ببعضهم أن بال في سرواله وربما قد تغوّط البعض الآخر أمام زوجته وربّما حتى أمام أبنائه…
الخوف ذلك الشبح القادم، لقد استقرّ في أرواح الرجال وصار شيئا قميئا يقتلع ذاكرتهم الشّيخ ابتلع نصف الحقيقة تظاهر أمامهم بالحكمة والصبر والصمت لكنّه كان من الداخل يتبدّد… ذاكرة حزينة تنبعث في ظلال وجهه وأسف بعيد يحاول طيلة حياته أن يتناساه وحسرة موبوءة كامنة في أعماق القلب لم تمت تنامت من جديد. من كان سيصدّقه؟ يعرف هو أيضا أن الذّي راح لا يمكن أن يعود، خاصّة إذا كان الأمر متعلّقا بامرأة. ولكنّها ها هي تعود أمامه…
كان الوقت ليلا. الرّياح صارت شيئا مألوفا وأمّا حرارة الجحيم فما كانت تعني شيئا لهذا العجوز الذي ألف الصحراء وخبرها منذ أمد، ولكنّ أن تولد في هذه الأجواء تلك الذاكرة من جديد حيّة أمامه كأنّها لم تغرق في ثنايا النّسيان فذلك أمر مسبّب للرّعب.
بعد أن خرج كلّ الذّين حضروا وضع العجوز رأسه بين يديه وشرع يتذكّر المشهد بكلّ تفاصيله، قال في نفسه في حيرة موجعة وألم أكبر” الحمد لله الذي منحني هذه الأنفاس كي أحيا… الحمد لله الذي أعطاني روحي في نفسي حتى أشعر أني أحيا، الحمد لله الذي وهبني هذا الزّمن حتى أشعر أني رغم كل فساد أنا أحيا. هذه الدنيا. هذه الرّاء في رداءتكم لا تعني لي شيئا. هذا القمر هو كلّ شيء. الزّمن مرعب. الأشياء تتلاشى والنّور يغيب فيولد من جديد… كم هي غريبة هذه الدّنيا. هنا في غيبة شيعيّة جاءتني. كيف جاءتني؟! ربّاه أنا أحبّك لأني الآن أكتشف ضعفي… إني أحبّها…”
تلفّت الشّيخ من حوله، انسابت دموع على وجنتيه المتحجّرتين اشتعل قلبه حبّا من جديد. لقد جاءتني الآن. هو لم يحدّث أحدا بما شاهده ولكنّ تلك المرأة جاءته إلى هنا. لقد لاحقته صورتها. اشتمّ رائحة البحر التّي غابت عنه منذ سنين عديدة وهو يراها هنا في أحد الأزقّة ليلا. كانت صورتها واضحة. لم يداخله شكّ في أنّها هي. كانت تبتسم في وجهه. أرادت أن تحضنه. لكنّه لما فتح ذراعيه في انتظارها اخترقته. أدرك أنّه أمام شبح. ارتعشت ركبتاه وخرّ إلى الأرض. تصبّب العرق من إبطيه وسال على بطن ذراعه وفتح خطا مائيا انقسم تماما عند مرفقه وتقاطر العرق يبلل الأرض. أحس بدوار عنيف وشعر بحالة من الغثيان، كاد أن يتقيأ ولكن رائحة القيء والاهتزاز العنيف الذي يصحب تلك العملية هو ما جعله يمسك نفسه ويكبت عنفا قيأه في جوفه ولكنّه في البيت دخل بسرعة إلى المرحاض وأقعى وأفرغ ما في أحشائه من غائط، وخراء، وبول.
قال في يأس تامّ حين أدرك حقيقة ما رأى وفي تعزية واضحة لنفسه: أصنع تاريخي من وهج الكلمات، أولد من رحم التاريخ، من لحظة عابرة أنا أحيا، من وقفة على ضفاف البحر أنا أبتلع كلّ الدّنيا… وبات ليلته كالنائم.
ّّّّّّّّّّّّّّّّّ
* * *
“إنّ من يستذكر الشياطين يستحضرهم”
… كنت لا أزال صبيّا حينها.
الرعب ملأ كلّ شيء من حولي في تلك الليلة الأخيرة…
تعلّم النّاس هنا أشياء كثيرة مما وقع طيلة تلك الأيام السبعة… “الهامّات” ملأت الشوارع… الأطفال خرجوا من ديارهم وقد سئموا من خوفهم وأنكروه: إنهم يريدون أن يتعرفوا على “مدّاد إيده” و “عزوزة القايلة”…
الرجال ناموا في أحضان زوجاتهم والدموع تتقاطر من أعينهم خوفا…
“الهامات” تجوّلت في الأحياء والأزقة الصغيرة…
الريح صارت تغني…
وامرأة كالوهم كانت تخترق الجدران، كانت تبحث عن شيء ما… عن رجل ما…
الشيخ… وجدوه عودا متصلبا. لقد كان القربان.
حين سأل أحد الأطفال والده عن الشيخ “عقم” قال له والكلمات تخرج من فمه كحجر مدبّب لقد ابتلعته الريح هو و”مدّاد إيده” و “عزوزة القايلة”… وذاكرة امرأة جميلة…
ثمّ…
ومن جديد بدأت هناك في الأفق تولّد عاصفة جديدة.
تمت.

…………………………………………………………………………
-1-عزوزة القايلة: تروي الذاكرة الشعبية أنه في أيام الصيف القائظة والحارة تخرج امرأة شمطاء ومرعبة ومخيفة في ضباب الهجير,تتجول في الأروقة والأزقة والشوارع وأنها لا تخيفها شمس الزوال ولا حرارة الشمس في الجنوب ولا حرارة الرمال التي لا يمكن المشي فوقها… هذه العجوز كانت تتجول في ذلك الزمن, تبحث عن طريدتها والتي كانت عادة من الأطفال… وهي إذ تعثر عما تبحث تحمل الطفل تحت ذراعيها وتختفي دون رجعة. طبعا كانت الأمهات تستعملن هذه الخرافة لإرعاب أطفالهن حتى لا يقلقوا راحتهن أثناء القيلولة والتي كان يعتبرها الآباء خاصة مقدسة…أما الأطفال فقد كان يلذ لهم في عمق النّهار وسطوة حرارته أن يلعبوا في الحواري والأزقة، وفي أضعف الحالات داخل البيت… بالماء والطين.
[2] –-2- مدّاد إيده: تروي الحكاية أنّه في عمق الصحراء أو في أعالي الجبال هنا في الجنوب ولكن لا أحد يمكن أن يحدد أين بالضّبط خرج رجل للصيد تاركا زوجته وحيدة… وحين جنّ الليل ولم يعد الزوج شرعت المرأة ودفعا للسأم في رحي القمح… وإذا بهامّة سوداء تقف خلفها، كائن غريب ومخيف يغطّي الشعر كلّ جسمه ورائحة عنيفة كانت تنبثق منه. المرأة واصلت الرحي، هذه “الهامّة” صارت تتبع المرأة في كلّ حركاتها… يده كانت طويلة جدّا… خمنت المرأة… أكيد أنه بعد انتهاء عملية الرحي سيقتلها… لإنقاذ نفسها شرعت تغنّي بصوت مرتفع: “مدّاد إيده جاني يرحي معاي بالواقفة ما أطول إيده شارفه، يا صالح يا جاري…” انتبه الجار… جاء لإنقاذها، أطلق النار وقتله، لقد مات “مدّاد إيده” مقتولا برصاص البشر.

*قاص من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق