قراءات ودراسات

القصة والرواية في مخيالنا الثقافي

بقلم: قلولي بن ساعد*

أسئلة الإختلاف و الإئتلاف: إن قراءة تتسم بالكثير من الشمول و التروي والمتابعة المتأنية لعدد واسع من المجاميع القصصية و لعدد آخر من المحاولات الروائية ستفرض علينا حتما التأمل في عناصرها وخصائصها التشكيلية و البنائية و أسسها و علائقها و من ثم و بسبب من فسحة التأمل هذه إختبار ما إذا كانت عملية الانتقال إن لم أقل هجرة القصة القصيرة الى الرواية مؤسسة وواعية أم أن الأمر لا يعدوا أن يكون مجرد إلتماس طريق لاكتساب صفة و لقب جديد هو لقب “الروائي” ضمن متاهة إبداعية غير مضمونة النتائج وليس وليد تشبع ابداعي وأمتلاء ثقافي ووجداني يستمد عمقه وثراءه من شمول وإتساع رؤية الكاتب والمبدع إلى عديد الأسئلة والتيمات الكبرى بمحمولاتها المتعددة المشارب والإتجاهات والتي تفترض القصة لديه منذ البدء محدودية المجال الذي يتحرك فيه..

وبالتالي تعطل أفق السؤال بسبب ما تفرضه على كاتبها من شروط و قواعد و معالم تلوذ بالتقييد السردي إلى حد طمس الوقائع والأبنية النصية الأمر الذي ساقه إلى خوض غمار فن الرواية كون القصة لم تعد تكفي للإحاطة بكافة همومه وإنشغالاته وأسئلته الوجودية والثقافية والتاريخية والحضارية وأن المتاح لديه هنا هو “الاهتداء” وليس الإقتداء…” الاهتداء” إلى جنس أدبي آخر يسع كل هذه الهموم والأسئلة التي يود المبدع سفح تفاعلاتها على بياض الورق و لن يكون بالطبع إلاّفن الرواية و حتى فلسفة “الاهتداء” هذه لن تكون طيعة و في متناول الجميع بل يتعين على المبدع أن لا يكون متعجلا و أن يمر ذلك عبر دراسة متنأنية للموضوع الذي يود الإشتغال عليه كمادة روائية و تمثل عميق غير منفعل لمعطيات موضوعه مع دراسة جادة لتفاعلات أسئلته مع الواقع والتاريخ والذات والمخيال و الوجود بعد ذلك تأتي مرحلة إختيار الشخوص و الفضاء الروائي و لملمة كل ذلك ضمن أحداث و وقائع لصهرها داخل بوتقة واحدة و خلق “مجتمع تخييلي روائي ” مختلف تماما عن المجتمع الخارجي الذي لا يعني الروائي أبدا في هدفه و لن يتم هذا بالطبع الاّ إذ كان الكاتب المبدع ملما بكل عناصر التشكيل الروائي من وصف و سرد و لغة و حوار فضاء و مخيال و غير ذلك و إجمالا أن يكون على دراية واسعة بما يسمى “البنية الروائية ” لرسم طبائع الشخوص بكل حيثياتها و تعارضاتها … هذا بإختصار شديد و بصورة واضحة أردتها أن تكون أقرب الى التلقين المدرسي منها الى الخصائص الأخرى المحتكمة الى نظريات الرواية في الغرب لدى عدد من النقاد و المفكرين بلغاتهم و مرجعياتهم و من هنا كانت المعطيات متضاربة و محتدمة بشأن تعريف القصة القصيرة ثم الرواية لاحقا من حيث الحجم و عناصر التشكيل لدى كل منهما فلقد ساد إعتقاد ساذج لدى عدد من كتابنا في ظل غياب معرفة نقدية و مفاهيمية لديهم بخصائص الأجناس الادبية ليس فقط على صعيد الشكل و إنما أيضا على مستوى ممكنات الوجود التخييلي في هذا الجنس الأدبي أو ذاك من حيث سيرورة الأحداث و الوقائع النصية و تعقدها و تشابكها و الانتقال من مشهد لآخر و من فترة زمنية الى أخرى و ساد إعتقاد آخر أكثر سذاجة تمثل في إقامة الحدود والفواصل بينهما على مستوى الحجم و عدد الصفحات كما لو أن الأمر يتعلق ببضاعة تخضع للوزن أو الكيل دون الأخذ بعين الإعتبار أن الرواية في طبيعتها مجموعة من الاستعارات و الشخص فيها مجموعة من الأشخاص بل هي الدنيا في عمومها حيث يتحرك أناس كثيرون و تتداخل طبائع كثيرة ذالك أن “التناغم لا يكمن قي طول النفس بل في إنتظامه وإذ حدث وإن إنقطع النفس في لحظة ما وتوقف فصل أو مقطع قبل النهاية التامة للنفس فإن هذا سيلعب دورا هاما في الإقتصاد العام للمحكي وهو قد يشكل نقطة أو قطيعة أو قلبا مفاجئا للأحداث وهذا ما يقوم به المؤلفون الكبار “(01) إن الرواية مثلما يقول أمبيرتو إيكو “هي تلك التي يعرف مؤلفها متى يسرع ومتى يتوقف وكيف يقدر درجة الوقفات والإسراع ضمن إيقاع أصلي ثابت دون المغالاة في ذالك وإلا كنا أمام حالة هؤلاء العازفين السييئين الذين يعتقدون أنه من أجل عزف مقاطع من شوبان ينبغي أن نوسع من دائرة الريباتو ” (02) صحيح أن فن الرواية أصبح يشكل الآن سلطة رمزية وأنها إغراء كبير وأنه ليس من حقنا أن نحدد لغيرنا ماذا يكتبون بالضبط وأن الطموح حق مشروع لكن كل هذا غير كاف وإذ حدث وإن إختل بناءها أو رامت خصائصا غير خصائصها الشكلية والبنائية فستصطدم العملية الإبداعية برمتها أمام ما تسميه ” روبين سيليمان ” ” ثأر الكتابة ” في ظل تواتر عدد من النصوص التي حملت إسم الرواية رغم أنهاكتبت بروح ونفس القصة القصيرة وأعمال أخرى توقفت فيها الرواية ذاتها كبنية وكخطاب روائي له حدوده وأسئلته المضمونية والبنائية عند حد معين من صفحاتها دون أن تنتهي من الناحية الشكلية في مخيال مؤلفها ومعنى هذا أن الرواية إنتهت فعليا عند ذالك الحد رغم أن كاتبها راح يعمل على تمطيطها بمزيد من الصفحات ومزيد من فائض الكلام لا فائض المعنى فكانت النتيجة أن تحولت العملية الإبداعية برمتها إلى ” صناعة ظرفية لمتخيل بسودو- روائي ” بتعبير الدكتورة آمنة بالعلى أوعمل هجين لا هو بالقصة ولا هو بالرواية عمل أشبه بما يسميه الروائي الحبيب السائح ” النفايات السردية ” بينما القصة “تصور حدثا أو مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب تتعلق بحياة. شخص أو عدد محدد من الشخوص و يكون نصيب القصة فيها واضحا من حيث التأثير و التأثر) (03) و لهذا السبب سادت فوضى نجمت عنها صيغ كتابية حملت إسم القصة القصيرة دون أن تكون ملمة بشروطها و مستوفية لخصائصها الفنية و البناءية و أخذت حيزا واسعا من النشر و الذيوع و الانتشار و لو في صورها و تمظهراتها المتناسخة المكرورة غير أنها لم تأخذ نفس الاهتمام والتداول النقدي و الإعلامي الذي أستحوذت عليه الرواية و الشعر و على الرغم من عسر التحديد هذا و الخلط المفاهيمي السائد إلا أني أعتقد شخصيا بوجود منجز قصصي جزائري تخلص كلية أولا من بقايا الخطاب الوعظي الأرثوذسكي الذي ساد مرحلة ما قبل نشوء وتبلور فن القصة الجزائرية أو إن شئنا الدقة الجزء التأسيسي للقصة الجزائرية الذي إرتبط بالخطاب الديني الإصلاحي على أيام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ثم تخلص لاحقا أيضا من المحمول الفني الملتمس بالأيديولوجيا الاشتراكية التي كانت سائدة بل مهيمنة خلال السبعينيات من القرن المنصرم أو بعبارة أخرى شكل قطيعة معرفية وفنية مع كل أشكال الكتابة القصصية التسجيلية أو الوثائقية أو الواقعية في محاكاتها الساذجة لليوتوبيا الثورية والإيديولوجيا الإشتراكية تلك التي كانت في سبيعينيات القرن المنصرم تتخذ من قضايا الكفاح المسلح والتحرير والتحرر والإلتزام السارتري والصراع الطبقي مرجعا لها دون أن تتجرأ على نقد أدوات هذا النضال وآلياته المركزية وإخفاقاته الممارساتية شكلا ومضمونا عمقا وسطحا أو التعامل معه كمعطى إبداعي قابل للنقد والمساءلة الجذرية داخل طوق عام سيج هذا المنجز القصصي وأقعده طريح الأدبيات السياسية لمرحلة معينة من تاريخ الجزائر تمت فيها “دولنة المجتمع ” حسب الإصطلاح الذي صاغه الباحث السوسيولوجي عبد الباقي الهرماسي في كتابه المهم ” المجتمع والدولة في المغرب العربي ” رغم أنه في واقع الأمر لا يخلوا أبدا أي نص من أي ملمح إيديولوجي كيفما كان شكل هذه الإيديولوجيا كون الإيديولوجيا هي المعنى المعاش والإنعكاس الممارس لمختلف العلاقات التي يقيمها الإنسان مع سائرالناس ومع الطبيعة إنها العنصر الذي يؤطر وينتج ويفرز كل الممارسات التاريخية للبشر سواء كانت في الأشكال الأدبية أم القانونية أم السياسية ” (04) وهي موجودة موجودة شئنا أم أبينا ” كممارسة سميائية مباشرة ومتجلية من خلال سند لساني أو أي سند آخر تسنينا سابقا على التجلي النصي ” (05) وعليه لا يمكن أن يخلوا أي نص من أي تجل ما قبل نصي أو أو أدوار عرضية سابقة على النص تعمل على حث القارئ أعني هنا القارئ العليم أو المتخصص الذي يقرأ من أجل المتابعة وأستكمال ملف الكتابة الإبداعية على ما يسميه أمبيرتوإيكو ” النشاط التعاضدي التأويلي “أي أن يستخرج من النص القصصي المضمر فيه والمغيب من أجل قراءة البياض أو مساحات التشفير الرمزي في تناصها مع مواقف القاص أي مع المكون الإيديولوجي في إرتباطه بالنص القصصي الذي يشكله إرتباط العلة بالمعلول دون أن يعمل على تكلس الأبنية الذهنية والشعورية و”تشيؤ” تاريخ وأطوار الكائن بالمعنى الغولدماني – نسبة إلى الناقد السوسيولوجي لوسيان غولدمان – أو أن يمس مساسا مباشرا بجماليات النص القصصي وخصوصيته الفنية وبالتالي مبررات بقاءه ووجوده الفني ..إننا نتحدث هنا بالطبع عن إيديولوجيا أخرى بوصفها ” المضمون الخاضع للصياغات المتعددة ” بتعبير الناقد المغربي سعيد بن كراد و”النشاط السردي أي ” أدوات عرض المادة المضمونية ” الذي يعود إلى التسنين الإيديولوجي كما يبدوا من خلال إنتاج النص أي كمكون من مكونات النص القصصي ” (06) وهذا النوع من “الإيديولوجيا الضمنية ” الغير مصرح بها والتي لاتمس مساسا مباشرا بجماليات النص القصصي وأبنيته الفنية وسر بقاءه عبر إحالاتها ووقائعها الظرفية فيما يشبه “التمأسس الخارج نصي ” غالبا لا يلتفت إليها النقاد بل إنها تتملص من أجهزة النقد والمساءلة كونها لا تتمظهر إلا عبر ” الطريقة التي تشتغل من خلالها وعبر إشتغالها ” (07) وهي تنبثق من اللاوعي النفسي والثقافي للساردأو القاص تحديدا
وبالتالي لاوعي النص أيضا ولاوعي النص ” يتجلى من خطاب القاص أو السارد ” الذات الكلية لعالم النص ” كما يتجلى من خلال خطاب الشخصيات … الخطاب السلوكي …. الخطاب اللغوي … الخطاب الخاص بالكينونة ..” (08) خلافا للإيديولوجيا المهيمنة المضرة بالنص الإبداعي كمعرفة ما قبلية تمتلك مثلما يقول ألتوسير “وجودا ماديا ” يتحول هذا الوجود إلى ” إخراج سردي لمقولة أو جهاز إيديولوجي سابق في الوجود على النص القصصي سواء تعلق الأمر بعقيدة دينية أو فلسفية أو تصور إيديولوجي ونكون حينها أمام ما يسمى بقصة الأطروحة بكل خصائصها في الإبداع ..خصائصها الشكلية والدلالية وخصائصها في التلقي ..كيفية خلق المتلقي وكيفية التعامل معه وكذا الطريقة التي يتعامل معها المؤلف “(09) كتعبير عن نظرية الإنعكاس الإبداعي الشرطي في محاكاته الساذجة للواقع ضمن نصوص هي أصداء لتوجهات ظرفية آنية نصوص أفضل أن أسميها ” نصوص المديح الحزبية ” و هذا يعني ضمن ما يعنيه أن هناك طلاقا بائنا و نهائيا مع المفهوم الوظيفي ذي الطابع الالتزامي الفج للكتابة القصصية و لربما أمكن القول أن القصة الجزائرية لدى عدد من كتابها بعدما دشنت طلاقها مع المفهوم الوظيفي للكتابة بدأت تشهد بعض التحولات و إن لم تذهب في ذلك بعيدا على صعيد الإعتناء باللغة و المفردة و العودة إلى إستنطاق التراث الحكائي الموروث كمياه سفلية للنص عززت صلة مبدعينا بالموروث الحكائي و أعادت طرح علاقة الكاتب المعاصر بالماضي و الحاضر في إطار الرغبة الملحة لتجاوز السرد النمطي إلى شكل آخر من الكتابة السردية من خلال الإختراقات الشكلية و الأسلوبية التي تتم عبر بناء الفقرات و العبارات و الجمل ذات “الأداء البياني” كما تحدده البلاغة العربية الذي عرفه القص العربي في فن المقامات و الرسائل لدى الجاحظ وأبي حيان التوحيدي و غيرهما .. ليس هذا فقط بل إن البعض منهم توجه الى كتابة قصة هي القصة القصيرة جدا و النصوص المفتوحة التي تقع في خط التماس بين القصة و الشعر كما هو الشأن مثلا في ما كتبه الناص الجزائري عبد الرزاق بوكبة عبر كتابيه “من دس خف سيبويه في الرمل” و”أجنحة لمزاج الذئب الأبيض” و أحيانا تتحول الى شذرات وعناوين وأجزاء ومقاطع فرعية و قد سبق للدكتور يوسف وغليسي أن أشار أن الروائي أدوارد الخراط قدم تسميات متعددة لهذا النوع من الكتابة مثل “القصيدة السردية – القصة. / القصيدة – الكتابة عبر / النوعية” و هي كتابة تقع “على التخوم بين الأنواع الأدبية و تعبر الحدود و تسقطها بين الأجناس المألوفة المطروقة تتخطاها و تشتمل عليها و تستحدث لنفسها جدة تتجاوز مأثورات التاريخ الأدبي و تتحدى عقمها” (10) ثم حدد خصائصها في أربعة عناصر هي : “الكثافة و الترميز – الوجازة- ايقاعية الشكل و موسيقى الجملة – سيادة السردية” (11) و على النقيض من ذلك حملت بعض أغلفة الكتب و المنشورات نصوصا و إن أخذت تسمية القصة القصيرة بمافيه ما كتبته أنا شخصيا فهي لم تكن سوى لوحات قصصية أو محاولات على أكثر تقدير و قد كان الأجدى بنا لو وضعنا لها توصيفات أخرى كما فعل ذلك الدكتورالمرحوم أبوالعيد دودو حين قدم نصوصه و سماها “صور سلوكية ” و هي بالفعل كانت في زمنها تمثل “كتابة عبر /نوعية” بتعبير أدوارد الخراط أو لنقل أن ما قرأناه كان مجرد نثر إجتماعي أو إنشاء مدرسي تمت صياغته بأسلوب سردي لا بسبب عدم توفرها أي النصوص على خصائص القصة و شروطها أو خلوها من البناء الخصوصي لفن القصة القصيرة و انما أيضا بسبب تعامل المبدع مع شخصوصة كبشر يعرفهم حق المعرفة لا كأفكار وعناصر وصور لمتخيله السردي و مع الإنسان كأنسان دون أي إعتبار عن فكرة المجتمع عنه و مع المكان كعنصر فني لا كديكور أو إطار فقط للوصف و التزويق الخارجي و الاّ فإن أي طالب بالثانوية أو المتوسطة يملك القدرة على وصف الغابة و ما فيها من أشجار و طيور و زواحف و البحر و مافيه من أشرعة و أمواج و قوارب و مجاديف والواحة وما فيها من نخيل وسواقي وجريد و منزله و قريته و حيه و مدرسته و الشوارع التي يعرفها و هذا يعني أن القراء يعرفون تلك التفاصيل المكانية و لاحاجة لهم بها بل المهم بالنسبة للقاريء هو أن يحول القاص المكان الى جزء أساسي من البنية الفنية للنص داخل كتابة ابداعية تستقريء الأرض والسماء و الانسان و الذاكرة و الوجود و المخيال في تلازمها و تعايشها لتضع سؤال المكان أو بتعبير غاستون باشلار “جماليات المكان ” في دائرة البحث عن ممكنات إرتباط وعي الكتابة بالإهتزازات العميقة المبكرة أو الراهنة للمجتمع التي يود القاص تفكيك أبنيتها الزمانية و المكانية و أستقراء آثار الانسان فيها و أن يتعامل مع اللغة كلغة سردية ينبغي أن لا تتطابق وحداتها السردية و المعجمية و النحوية و التركيبية مع اللغة الخبرية الابلاغية لغة الصحافة و النثر اليومي و التقارير الإعلامية و الأمنية والروبورتاجات الصحفية و ثرثرة الجارات في شرفات المنازل و العمارات و الا لفقدت القصة وهجها و خصوصياتها و بالتالي مبررات وجودها الفني فبناء نص قصصي “يقوم على أساس وجود أداة توسطية تجعل من المادة القصصية لاتدل من خلال مضمونها بل من خلال التشكيل الذي تخضع له وعندها فقط يمكن الحديث عن شكل فني “(12) بل عن قصة مستوفية لشروطها الفنية ” فالتحول من القصة إلى النص السردي يقتضي إستحضار سلسلة من العمليات التي تقوم بتكسير “الطابع المتصل ” للمادة القصصية وتقدمها وفق صياغة خاصة هي ما يشكل في نهاية الأمر الأثر الجمالي فقد يحدث أن لاتمتلك القصة على مستواها الحدثي أي تأثير إلا أن طريقة بناءها وطريقة توزيع أحداثها وزمانها وفضاءها وبناء شخصياتها يجعل منها نصا مولدا لسلسلة من الآثار الجمالية “(13) وإنطلاقا من هذا المعطى فإن ” الفعل السردي ” أداة التنصيص الأولى التي يفيض عنها الكون القيمي ” كتعبير مطلق عن الذاتية أو يبدوا كذالك على الأقل تعتبر في جوهرها ورغم مظهرها هذا أداة مسننة بشكل سابق فالسلسلة الدالة هي أساس تشكل الأنا ذالك أن اللغة سابقة عنا ومحددة لكياننا ” (14) ومن هنا فإن “إنتاج أثر دلالي ما لا يعود إلى المدلول ككيان مكتف بذاته بل يعود إلى الصياغة التي تعطى له وبعبارة أخرى فإن الملفوظ لا يستنفذ كامل إمكاناته إلا من خلال الآثار التي تتركها الذات المتلفظة لحظة إنتاجها لهذا الملفوظ ” (15) أني اتصور أن القصة في مفهومي الخاص و في حدود معرفتي المتواضعة المحدودة بها هي نص إبداعي سردي لا يقدم توصية أو معلومة أو دليلا سياحيا ولا يدعي النصح و الارشاد و لا الوهم بضرب من ضروب المعرفة بل غايتها هي إثارة الاسئلة عبر محاورة جميع عناصر الواقع و الوجود و الذاكرة و المخيال و الذات التي يرغب القاص في إستنطاقها و قراءتها إبداعيا طبعا و من هنا و جب نزع هالة العارف أو المرشد أو المختلف أو المحلل عن جهل أو عدم معرفة عن القاص في أول الطريق أو آخره لأن ذلك شرف لا يعنيه ولم يدعيه أحد من قبل ان لم أقل أنه من بقايا إنعكاس هيمنة شعر الفخر العربي على اللاوعي القرائي و التكوين النفسي لدينا بفعل ماترسب من مفاهيم مغلوطة لدى كتابنا أو بعضهم و أعتقد أن هذا ليس من مهمات القاص و ليس له أيضا لدينا أي مساحة أو إهتمام وعليه أعتقد أيها أننا في أمس الحاجة إلى جهود نقدية إضافية متعددة تعكف على دراسة مستويات الكتابة القصصية لدى كتابنا وقصاصينا بصرف النظر عن توجهاتهم والمشارب التي ينتمون إليها واللغة التي يكتبون بها العربية أو الفرنسية كما نحتاج في الوقت ذاته إلى أنطولوجيات تحدوها الجدية وتستمد عمقها المفهومي من معنى الأنطولوجيا التي تعني البحث عن الوجود وليست كمحاولات الجمع والتراكم التي أصبح يمارسها البعض لدواعي تجارية وإستعراضية تحت هذا المسمى لا غير ترتب فيها عناوين هذه المجاميع القصصية وتواريخ صدورها متبوعة بقراءات متأنية ومداخل نظرية تضع حدا للخلط المفاهيمي الذي قد ينشأبين القصة والرواية كتابة وإستحضارا لندرك الملابسات الحافة بفن القصة القصيرة وأهمية وجودها في شمولها وإتساع آفاقها وخصوصياتها وفرص التلاقي بينها وبين الرواية بما يتيح التعايش والتداخل ويصل بين الروائي والقصصي والنقدي والشعري بوعي منفتح على حقول وسجلات ثقافية متعددة إقرارا للتعدد المشروط الذي لايتعامل مع جنس أدبي مخصوص كالرواية والشعر مثلا إنطلاقا من قوانين العرض والطلب والتداول الإعلامي والنقدي السائد وفرارا من نفوذ أو التكريس لأجناس أدبية بعينها دون أخرى وهو عمل بالطبع لايمكن أن يقوم به فرد واحد مهما بلغ من الأهمية ومن الكفاءة النقدية والعلمية ومهما تيسر له من جهد ووقت وإمكانات إنه في حاجة إلى فريق بحث تعمل على تمويله ومتابعته مؤسسات ثقافية أو جامعية قادرة على الإحاطة بكافة التجارب القصصية بعيدا عن أي خلفية إيديولوجية أو جغرافية في المركز أو في الأطراف ردما لعواصف الإنتقاء والمزاجية والشللية التي حولت بعض التجارب القصصية إلى مجرد ملاحق تابعة لكتاب آخرين أو مكملة لهم بحكم جناية الجغرافيا على بعض القصاصين المتميزين والقرب أو البعد من وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية كمركز وهمي للإشعاع الثقافي والتداول الإعلامي للقضايا الزائفة والمغلوطة إلى حد طمس وعي الخصوصية والتفرد والإختلاف الناشئ عنها ضمن مناخ ” لا زال يرسخ لسلطة المرجع والمعيار وجعل الحقيقة تأسيسا نصيا لا بحثا في مفازة الوجود وإنبثاقا من التجربة الحية “(16) المنخرطة إنخراطا في زمنها ومعيوشها صوب كتابة قصصية لها مالها وعليها ضمن معطيات إتسمت بتلاشي بريق مختلف اليوتوبيات والأسس العائمة التي أساءت إلى النص القصصي الجزائري من حيث أرادت أن تأثث مفازاته ودروبه لواذا بإغناء شكلي وطارئ على العملية الإبداعية منفصل تماما عن خصوصية الكتابة القصصية وما تطرحه من أسئلة جمالية وفنية كجنس أدبي متحرر على الأقل شكليا من مختلف التجليات والمسبقات الخطابية والإيديولوجية
إحالات

نص الورقة التي قدمناها ضمن فعاليات ملتقى القصة القصيرة بأدرار يومي 24 – 52 ديسمبر 2011
1آليات الكتابة السردية نصوص حول تجربة خاصة – أمبيرتو إيكو- ترجمة وتقديم سعيد بن كراد –ص48 –دار الحوار اللاذقية – سوريا – الطبعة الأولى – 2009
02 )نفس المصدر – ص48
3) فن القصة – محمد يوسف نجم- دار صادر – بيروت -1996- ص10
04) الأدب والإيديولوجيا – عمار بلحسن – المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر – 1984 – ص19 – 20
05 ) النص السردي نحو سيميائيات للإديولوجيا – سعيد بن كراد – ص50 – دار الأمان الرباط – الطبعة الأولى – 1996
06) نفس المصدر – ص23
07نفس المصدر – ص42 نقلا عنGROSEDMONDE .PREDECATIONCARCERALEETSRUCTURESDESDETEXTE
08) نفس المصدر ص42
09)– النص السردي نحو سيميائيات للإيديولوجيا – مصدر مذكور – ص57
10) الشعريات والسرديات –قراءة إصطلاحية في المفاهيم – يوسف وغليسي – ص130- 131 – منشورات مخبر السرديات – جامعة قسنطينة – نقلا عن أدوارد الخراط – أشغال مؤتمر قضايا المصطلح الأدبي – مكتبة القاهرة – 1998 – ص84
11) نفس المصدر – ص131
12 النص السردي نحو سيمياءيات للإيديولوجيا – مصدر مذكور – ص26
13) نفس المصدر – ص 26
14) نفس المصر – ص26
15) نفس المصدر ص 27
16) متى ينتهي نشيد البجعة – أحمد دلباني – مجلة الآخر – ص107- منشورات دار التكوين – دمشق – دار الساقي – بيروت – صيف 2011
ملاحظة هذه الورقة سبق لنا أن نشرنا ملخصا عنها وحين عدنا إليها وجدنا أنه تحتاج إلى مراجعات عدة فأعدنا النظر في خطوطها العامة بما إعتبرناه ضرورة قصوى فجاءت على هذا النحو

*ناقد جزائري

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق