ثقافة السرد

الضِفةُ الأخرى

عبدالرحمن سعد*

ثُمَّ رجعَ للبيت بعد تلك المحاولة الفاشلة، قرعَ الباب، فتحه أبوه. نظر إليه أبوه ، ثم قال : لماذا رجعت؟ ، أنا لا أريدك هنا ، ثم أغلقه . انتظر قليلا، حتى سمع خطوات أبيه تبتعد، ثم بعد فترة وجيزة قفز إلى المنزل. دلف إلى تلك الغرفة ، لم يكن بها غير لمبة واحدة تتوسط الحائط ، النوافذ دائما مغلقة حتى أنها استكانت لهذا الوضع وصدئتْ، مروحة السقف بنى عليها العنكبوت ممالكاً له، فراش الأسِرة تتقافز فيه الحشرات، وهنالك في أقصى الغرفة كوب معدني مقلوب وبجواره كوب زجاج مكسور . وقبل أن يستلقي على الفراش، دخل أبوه صائحا : كيف دخلت ؟ وبماذا عدت؟.

أجابه : هل يمكنني أن أستطعِّم يا أبتي؟…..نظر إليه طويلاً، ثم خرج يغسل يديه من آثار زيت اللحم الدسم الذي كان يتناوله. أخرجَ بلحاً من دولابه بعد أنْ أزاح النمل عنه، أكل ثلاث بلحات، ثم تجرع قليلاً من الماء وخرج. رجعَ إلى محاولته وقف بضفة النهر الغربية، مد يده، كانت هي بالضفة الأخرى، تمتدُ يداه إلى منتصف النهر ثم لا تقوى على الاستمرار، فتعود إليه. حاولتْ هي عدة مرات أيضا ولكن دون جدوى …! ،رأى صديقه قد أوشك أن يصل إلى الضفة الأخرى، نادى عليه ولكنه لم يلتفت إليه أبداً. صاح مخاطبا لها سوف أعود غداً، لن أيأسَ.

رجع إلى المنزل، لم يكن أبوه موجودا كان قد ذهب لدرس المساء الذي يتعلم فيه فقه المعاملة في الإسلام. دخَلَ الغرفة فتح دولابه المليء بالجرذان، أخرج أجمل ثياب له، ذهب إلى الحمام. خرج منه وهو في قمة أناقته ، طرد الحشرات من الفراش ، فرش عليها ثوب أمه المتوفية الأبيض، تعطَّر ثم لبس حذاءه الوحيد المهترئ ،لا. قالت له : منذ زمن طويل وأنا أنتظرك يا فادي، قال : وأنا منذ زمن أطول مشتاق أن أكون في حضنك يا عزيزتي… قالت: وأنا الآن أشتهيك أكثر

قال : ليس كشوقي كما تعلمين… ثم كان اللقاء المنتظر.

*كاتب من السودان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق