قراءات ودراسات

قراءة في فصول المشهد الثقافي الجزائري

د.أحمد عيساوي

تميزت الحركة الوطنية الجزائرية غداة سنين الاحتلال الفرنسي الأولى 1245هـ 1830م، ببروز نخبة جزائرية أصيلة ومثقفة وواعية، تفكر وتعبر باللغتين العربية والفرنسية أمثال: حمدان خوجة، وأحمد بوضربة، ومحمد الكبابطي، ومحمد بن العنابي، وقد تمحورت جل قراءاتها ونشاطاتها حول هدف رئيس، تمثل في محاولة اقناع الساسة والقادة الفرنسيين بضرورة منح الجزائريين حكم انفسهم بأنفسهم، بعد ان حررتهم من سلطة وهيمنة الانكشارية التركية كما كانت تدعي. وقد استطاعت هذه النخبة المثقفة -رغم محيطها وظروف القهر الاستعمارية القاسية، وعدم إدراكها لأبعاد السياسة الاستعمارية الفرنسية الرامية الى الاستيطان الأدبي في الجزائر – ان تحافظ على التواجد الثقافي والادبي والديني واللغوي العربي الإسلامي المحتشم في الجزائر، ضامنة له الجرعة الكافية لبعث الحياة في الخارطة الثقافية والفكرية الجزائرية متى توفرت أسبابها ودوافعها القادمة. وفي الوقت الذي عملت فيه هذه النخبة الأصيلة على الاتصال بالفرنسيين بهدف منح الجزائريين حكم أنفسهم، نجدها قد تحركت باتجاه آخر لتقدم ما في وسعها لإبقاء المشهد الثقافي والفكري العربي الإسلامي قائما في الجزائر، عبر تحركها الحثيث نحو الطبقات الشعبية، حاثة إياها على مواصلة تعليم أبنائها الدين واللغة، وعلى ضرورة تمسكها بأرضهم ودينهم وعاداتهم وتقاليدهم وفنونهم وآدابهم وأعيادهم، وعلى ضرورة الحفاظ على تمايزهم الفكري والأدبي واللغوي والثقافي الذي يميزهم ويحفظهم من الذوبان في ثقافة المحتلين.
وقد سعت النخبة المثقفة يومها بكل ما أوتيت من طاقة واقعية وعملية لتحقيق المطلبين معا، ومحاولة تجسيدهما في واقع القضاء الثقافي الجزائري بسائر مشاهده الأصيلة والدخيلة، ولكن سرعان ما تبين لهم نية الفرنسيين في البقاء الأبدي في الجزائر، وجعلها مستعمرة فرنسية إلى الأبد، الأمر الذي جعلهم يتواضعون في مطالبهم ويتنازلون عن هدفهم الرئيس مقتصرين على مطلبهم الثقافي الثاني، المتمثل أساسا في الحفاظ على المقومات الفكرية والثقافية والدينية للشعب الجزائري تحت سلطة الفرنسيين.
ومع واقعيتهم ومنطقيتهم في تقدير قدراتهم وامكاناتهم المحدودة من جهة، وفي تقدير نية وهدف وقوة الفرنسيين من جهة ثانية، فإنهم قد عملوا ما في وسعهم لبقاء الأجيال الجزائرية اللاحقة موصولة الشعور والوجدان بينبوع الثقافة العربية الإسلامية، وبدا ذلك واضحا في حصون الممانعة العربية الإسلامية في الجزائر البشرية والمؤسساتية التي حاولوا تحصينها ومدها بالمنشطات الحيوية لتضمن استمرارية الوجود العربي والإسلامي حيا في أبنائها لحين تواتي الفرصة المناسبة للاستقلال.
تسليم الرسالة للوارثين
وظلت تلك النخب تعمل وتحاول إحياء قيم الشعب الجزائري العربية والإسلامية، متحدية كل الظروف القاسية التي أحاطتهم بها القوانين والسلطة الاستعمارية الجائرة، وفي الوقت الذي ظن الفرنسيون فيه بداية الأفول الحضاري العربي الإسلامي من الجزائر سنة 1903م تحت سلسلة الضربات الاستعمارية القوية العسكرية والسياسية والقانونية والإدارية والثقافية والدينية واللغوية، تحركت كوكبة من العلماء والفقهاء والشيوخ وطلبة العلم في أحد المساجد الخمسة المتبقية في الجزائر العاصمة، وليجلسوا متحلقين ومعجبين إلى جوار حلقة علمية صغيرة للشيخ محمد عبده (ت 1905م) القادم لزيارة الجزائر ونشر الدعوة والوعي الإسلامي فيها، وبث دعوته الإصلاحية والتربوية الاجتماعية البعيدة عن العمل السياسي – يستمعون الى تفسيره العصري لسورة العصر ولجزء عم، وعلى رأسهم الشيخ المصلح عبدالحليم بن سماية (ت 1933م) ومصطفى بن الخوجة (ت 1932م) وغيرهم.. وليقدم لهم تجربة مدرسة المنار في تجاوز الحاجز الاستعماري والنفوذ الى روح الشعوب ومدها بالقيم الدينية والتوعوية الصالحة، وبعد ثمانين عاماً من الاستذلال ومحاربة الإسلام والعربية في الجزائر 1830 – 1903م بدأ بعث الروح الفاعلة في تعاليم الدين الإسلامي التي جمدتها ضربات الاستعمار الفرنسي، وكذلك تجديد الأمل في المشهد الثقافي العربي الإسلامي في الجزائر. وقد سعت هذه النخبة المثقفة التي تباينت مشاربها واتجاهاتها وأدواتها الثقافية لتعيد بارقة الأمل الى الينبوع الثقافي الجاف الذي يربط الجزائر بالعمق العربي الإسلامي بعد ان أعفت عليه سنون القهر والقمع الاستكباري، وما عاد أحد يستطيع القول ببقاء أية علاقة بين الشعب الجزائري وقيمه العربية الإسلامية، واستيقن غلاة الاستعمار أن الجزائر العربية الإسلامية قد انمحت ولم يبق لها وجود، وغدت كأنها أندلس ثانية، وها هي جزائر فرنسية أمامهم، ولعل وصف الزعيم المصري الأستاذ محمد فريد وجدي الذي زار الجزائر سنة 1901م، ووصف لنا حال أهلها المستضعفين، وحالة التربية والتعليم ومؤسساتهما التعليمية والثقافية خير وصف، وأرخ لها خير تأريخ، إذ يقول في مقال كتبه عن التعليم والمدارس في الجزائر في جريدة اللواء المصرية عدد 612 المنشور يوم 31/01/1091م: «.. فالتعليم الديني لا وجود له تقريبا، ولولا من يتكبد مشقة طلب العلم من جامعنا الأزهر لأصبح نسيا منسيا، أما ما أتفق على تسميته بالتعليم العصري فلا وجود له بالنسبة للمسلمين بالمرة، نعم يوجد بالقطر الجزائري مئات من المدارس الابتدائية الفرنساوية على طراز مدارس فرنسا لكنها كلها مخصصة لأولاد الفرنساويين، ولا تفيد من يدخلها من العرب لعدم تعليم اللغة العربية بها، وباختصار فحالة التعليم في القطر الجزائري سيئة جدا، ولو استمر الحال على هذا المنوال لحلت اللغة الفرنساوية محل اللغة العربية في جميع المعاملات، بل ربما تندرس اللغة العربية بالمرة، فلا الحكومة الفرنسية تسعى في حفظها، ولا تدع الأهالي يؤلفون الجمعيات لفتح المدارس، لأن الاجتماع ممنوع خوفا من أن تشتغل جمعياتهم بالأمور السياسية». إذ تبين لنا هذه الشهادة الحية واقع التربية والتعليم في الجزائر مع مطلع القرن العشرين، ذلك الواقع التربوي المنهار، الذي استمر على وضعه المزري الى بعيد استقلال الجزائر لأكثر من عقد. واندفعت هذه النخبة المخلصة نحو القواعد تبنيها وتؤسسها، وتبعث فيها روح العروبة والإسلامية الغائبتين عن سماء الجزائر، وبفضل التضحيات الجسام لهذه النخبة الأصيلة الوارثة صار المشهد الثقافي واللغوي والأدبي والديني الجزائري حافلا بعناصر الصمود والممانعة الفكرية والثقافية الجزائرية الأصيلة، لينتقل بعدها بفاعلية الى تطوير ادواته الدفاعية من التحصين والمغالبة والرد، ومنها الى صياغة الذات الاصيلة، وتأكيد قدرتها على المواجهة، وتفعيل محاولات الصمود والشهود الحضاري لديها. وعندما قررت آلة التكفير الاستكباري اعلان نهاية الوجود العربي الإسلامي في الجزائر بعد قرن من الاستكبار السياسي، وقرن من الاستخراب الروحي والوجداني والثقافي، قررت – بمقابل ذلك – أقدار معالم التنزيل الحافظة بحفظ {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} نسخ ما قررته يد الوثنية الصليبية في الجزائر مؤذنة – على يد ثلة من العلماء الباديسيين الأصليين – بدأ بعث الحياة في المشهد الثقافي العربي الإسلامي في الجزائر بالرغم من أنف قوى الاستكبار.
هذا الزخم الروحي والثقافي واللغوي الذي بدا حيا في إعادة بعث الروح في الجسد الثقافي الجزائري الميت، فانبعث الشعر الجزائري الوطني الثائر مع الشاعر (رمضان حمود ت 1925م) والشاعر (مفدي زكريا ت 1977م)، والشاعر (محمد العيد آل خليفة ت 1979م)، والشاعر (الربيع بوشامة ت 1958م)، والشاعر (أحمد سحنون ت 2004م)، والصحافي الأديب الشاعر (محمد أبو اليقظان ت 1973م) وغيرهم، عبر قصائدهم الحية، التي استطاعت بث روح الحياة والنهضة في الأمة الجزائرية الميتة. فيما تدفق النثر الجزائري الهادر عبر الصحف الحرة المستقلة كالبصائر والشريعة والسنة والصراط والشهاب، مع كتابات الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (ت 1965م)، والأديب الصحافي الكاتب الشهيد أحمد رضا حوحو (ت 1956م)، والأديب الخطيب الكاتب الفضيل الورتلاني (ت 1959م)، والصحافي الأديب الكاتب الشهيد حمزة بوكوشة (ت 1961م)، وتحرك الفقه والعلم الشرعي مع رجال الجمعية المخلصين لينقي العقيدة والدين من خرافات الطرقيين، وسموم المستعمرين واعوانهم، مع رائد النهضة الاصلاحية الإسلامية في الجزائر الشيخ (عبدالحميد بن باديس ت 1940م)، والشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ (مبارك الميلي ت 1945م)، والشيخ الشهيد (العربي التبسي ت 1957م)، والشيخ (محمد خير الدين ت 1988م)، والشيخ (الطيب العقبي ت 1960م)… وغيرهم، ليرتقي وليهذب وليعلم وليحل وليجيب على سائر مشكلات وتطلعات الأمة الجزائرية التي بدأت تتطلع للانعتاق والاستقلال.
رسالة المثقف الثوري الأصيل
وكانت الثورة الجزائرية العربية الإسلامية (1374 -1383هـ) (1954 – 1962م) التي زرع بذورها في الشعب الجزائري مثقفو معالم التنزيل، الذين اندفعوا إليها بروحهم، وفدوها بدمائهم الغالية، فكانوا شهداء الفكر والقلم والعلم، بدءا من الشهيد الأديب الكاتب أحمد رضا حوحو، والشهيد الشيخ العربي التبسي، والشهيد (الأمين العمودي ت 1957م)، وغيرهم، من تلامذة وشيوخ ومعلمي مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وطلاب المعهد الباديسي الذين شكلوا وقودا معتبرا للثورة التحريرية. ومع أولئك المخلصين من رجال الجمعية وحماة العربية والإسلام في الجزائر اندفع ايضا متسولو نفايات الفكر الشيوعي، ومتسولو نفايات الفكر الليبرالي، ليشكلوا خلسة المشهد الثقافي للثورة الجزائرية، التي تحولت عن مسيرتها العربية الإسلامية الأولى بعد أن سرقها خلسة مثقفو اليسار المحترفون. اندفع هذا الطابور الثقافي اليساري، ومعه الطابور الثقافي الاستعماري ممن تدرب وتكون وتأدب في المدارس الاستعمارية الفرنسية، وتخرج من دفعتي (ديغول ولاكوست) الاستعماريتين، ليصنعا معا وقائع المشهد الثقافي في الجزائر الى اليوم، فكان بأيديهم وبتدميرهم الداخلي أن تحولت الثورة عن خط سيرها الأول، وكان بأيديهم وبتآمرهم أن خرج التيار العربي الإسلامي منها متراجعا الى الصفوف الدنيا، وكان بأيديهم وبكيدهم أن وقعت القطيعة بين رجال الثورة وعلماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان بأيديهم أن مزقت الحركة الإسلامية كل ممزق وأجهض معها مشروع النهضة الباديسي العربي الإسلامي في الجزائر بعيد الاستقلال وإلى اليوم. وانطلقوا بعيد الاستقلال (1383هـ 1962م) معشعشين في دواليب التأثير الثقافي والفكري والفني، مسخرين كل ما يملكون من أقلام لتضليل الأمة الجزائرية المنهكة ثقافيا، وذلك بترويجهم لنفايات الفكر الشيوعي الضال، وفي محاربة المشروع النهضوي العربي الإسلامي تحت شعارات أدبيات الفكر الشيوعي كالتقدمية والرجعية والثورية والتحررية، التي دأب عليها مثقفو نفايات فكر اليسار، ولفيفهم من تيار العلمنة والفرنسة في الجزائر، وبفعل حملاتهم التضليلية فقد الشعب الجزائري توازنه الثقافي، ووحدته اللغوية، بعد ان كاد يستعيد بعضه مع جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الخمسينيات والستينيات. وقد دفعت الثورة الجزائرية الى واجهة المشهد الثقافي مجموعة من الواجهات الثقافية بهدف تعميق البعد الثوري لها في المجال الفكري والثقافي والأدبي والفني، فكان أن تسرب إليها غلاة اليساريين ليحكموا سيطرتهم على مؤسستي الاذاعة والتلفزيون، تحت زعامة اليساري المتعصب «الهاشمي الشريف»، وصناعة السينما تحت زعامة غلاة الفرنكوفونيين أمثال «لخضر حامينا، وعمار العسكري»، وصناعة الأدب والفكر تحت زعامة اليساري المتلون «عبدالحميد بن هدوقة»، واليساري الثوري المتعصب «الطاهر وطار»، مستخدمين أبشع وسائل التدمير اللغوي والعقدي والقيمي والأخلاقي، ضد مقومات الأمة الجزائرية العربية المسلمة.
وظل مثقفوا التيار اليساري بمعية مثقفي التيار اليميني المتطرف يسيطرون على الحدث الثقافي في الجزائر طيلة العقود الأربعة التالية للاستقلال، وكان أدب التوقح والفجور (اللاز . عرس بغل – الذي أهداه الى احسان طبري الزعيم الشيوعي الايراني لحزب تودة اليساري – العشق والموت في الزمن الحراشي) الذي تزعمه الطاهر وطار المتخفي تحت شعار الثورية والتقدمية والتحررية يشكل الواجهة الثقافية للجزائر عموما وللمثقف الجزائري خصوصا. وكان أدب التحلل الذي دشنه «عبدالحميد بن هدوقة ت 1988م» بروايته «ريح الجنوب» مثالا على التحرر والتقدمية في وجه الرجعية الدينية.
وتحت شعارات الأدبيات الشيوعية تربى أدباء جيل الستينيات والسبعينيات، الذين احتلوا الجرائد الناطقة باللغة العربية في الجزائر (الشعب، النصر، المجاهد، الجمهورية)، فكان أن ظهر منهم من سيطر على الساحة الأدبية مثل: حمري بحري، وأحمد حمدي، ومرزاق بقطاش، وعبدالعالي رزاقي، وسليمان جوادي، ومحمد زتيلي، وأحمد شريبط، والأخضر عيكوس، وبين أحضانهم نشأ النقد الأدبي الشيوعي الجزائري، الذي برز فيه جروة علاوة وهبي، وعمار بلحسن، والأمين الزاوي. وبالفعل فقد استبعدت السلطة الجزائرية أثناء إعدادها لأهم مشروعين سياسيين وثقافيين وحضاريين الإسلام والعربية من أن يكونا إطارين مرجعيين رئيسين لتوجيه المشهد الحضاري الجزائري ككل في العشريات القادمة، وقد برز ذلك واضحا في مناقشات ميثاق الجزائر الصادر في شهر أبريل 1964م، وفي ميثاق الجزائر 1976م، ذي الاتجاه اليساري. وعلى الرغم من بروز بعض الاسماء والعناوين الفكرية العربية الإسلامية على الساحة الإعلامية والثقافية الجزائرية كمجلة الفكر والقبس الصادرتين عن وزارة الشؤون الدينية ثم مجلة الأصالة، ثم بروز المفكر الجزائري مالك بن نبي (ت 1973م) وتنظيمه لملتقى الفكر الإسلامي السنوي بدءا من سنة 1986م، ثم البداية الفعلية لانطلاق الحركة الإسلامية في الجزائر، إلا أن الاتجاه العربي الإسلامي ظل محتشما ومتواريا ومحاربا من قبل العديد من الجهات الخفية في السلطة، ومن قبل الجهات البارزة على الساحتين الثقافية والإعلامية. ودلف هؤلاء وأولئك الى التموقع ضمن هيكلة ما يسمى باتحاد الكتاب الجزائريين، الذي تحول الى مؤسسة يعشعش فيها مثقفو النظام التبريريين، والتسويغيين، والانتفاعيين، وصار الانتماء الى اتحاد الكتاب بقصيدتين هزيلتين من خواطر الشعر الحر، الذي ظن الكثير القدرة على التعبير والابداع به، الى أن تحول في أخريات أيامه الى مجرد هيكل يضم في أحشائه سبعمائة شاعر وقصاص وروائي جزائري؟ لا أدري متى؟ وأين؟ وكيف؟ وبم؟ تمهروا عالم الإبداع الرحب، وصاروا من المبدعين؟ وتطور هذا المشهد الثقافي بعيد بروز بعض الأسماء الأدبية الأصيلة على الساحة الثقافية والفكرية والأدبية في الثمانينيات، في مجال الكتابة والابداع والنقد، وبروز بعض المنابر الاعلامية والثقافية كمجلة العصر والرسالة والعقيدة والنور والبيان، وصار مشهدا ثنائيا تعزز بسقوط جدار برلين وزوال الخلفية الإيديولوجية لتيار اليسار المتعصب، ولتيار العلمنة المفلس، اللذين اضطرا تحت نورانية الحق الى التلون بشتى الألوان، والتواري تحت الكثير من الشعارات البراقة، أو حتى إلى تغيير الجلدة كما هو حال ممثلي الثقافة الجزائرية الرسميين على الساحة العربية والإسلامية. وفي ظل هذه الوضعية السياسيوية التي أحكمت القبضة على الحركة الثقافية والأدبية والفنية الجزائرية الأصيلة، كان نتاج الثقافة الجزائرية هزيلا وهشاً، إذا ما قورن بغيره من نتاج ونوعية ومستوى إنتاج جيراننا الثقافي والفكري والإبداعي والفني في المغرب وتونس فقط، وبمثل هذه المممارسات التشويهية التي جسدها مثقفوا الزيف والانتفاع في العقود الثالثة الماضية فقد المثقف الجزائري الأصيل مصداقيته ومكانته بين غيره من المثقفين العرب والمسلمين.
وبمثل ممارسات هؤلاء وأولئك يكون المشهد الثقافي الجزائري قد أطال أمد غيبوبته التوعوية، وأطال أمد ضياعه، منذ أن شكل قادة الاحتلال دوره المسرحي الشكلاني الهزيل، وأقصوا رجاله، وطاردوا مؤسساته، وحاربوا مواطن المقاومة فيه.
والحالة الابداعية الهزيلة تلك، التي عليها المشهد الثقافي والفكري والأدبي والفني والإبداعي الجزائري اليوم، والتي سببها تمكين غلاة اليمين الاستعماري وغلاة اليسار الانتفاعي في التحكم بعناصر ومقومات ومؤسسات العمل الثقافي والفكري يتحتم على المثقف الجزائري الأصيل، المثقف الجزائري الحقيقي، أن يحسم الأمر أولاً في مسألة الأطر المرجعية المشكلة للخلفية العقدية للإبداع الثقافي عموماً، وفي ضبط محدداته الثقافية والفكرية والفنية العامة، وفي رسم خططه المنهجية والمرحلية لمعالجة فساد وخواء السنين العجاف ثقافيا وأدبياً وفنيا وفكريا، ثم المبادرة الفعلية للنزول الى الساحة الثقافية الجزائرية الفارغة، في ظل هامش التسامح والحرية والديموقراطية الذي يناسب اختيار الجزائر عاصمة للثقافة العربية سنة 2007م. واعتقادي أنه بمجرد أن يلملم المثقف الجزائري الأصيل أدواته ويعيد ترتيبها ونقدها وبرمجتها.. فإنه حتماً سيجد نفسه أمام حشد من المسائل والقضايا التي تنتظر قلمه وفكره وابداعه، كما سيجد نفسه وطرحه قادرا وقويا بمحدداته وأطره المقدمة أمام هشاشة طروحات وأدبيات مثقفي اليسار المتهاون بعد سقوط جدار برلين، وصعود المارد العلولمي، وبمقدار قوته ومبادرته وسرعته وأصالته في تهشيم وإزالة ما تبقى من صمود أدباء اليسار الصرعى، فإنه سيكون قويا وفاعلا في الرد على أدباء ومفكري التيار العلماني المفلسين، المعترفين بفشلهم عن إيجاد الحلول لمعضلات الإنسانية عامة والفرد الغربي المفلس خاصة. ولعله من المفيد يومئذ للساحة الثقافية الجزائرية التخلص من دوائر الصراع الذاتية بين حدودي الأصالة والمعاصرة، لدى المبدعين الحقيقيين أنفسهم، وعلى مستوى مؤسسات الإبداع الرسمية التي دلف إليها خلسة لفيف من أصحاب التوجهات الثقافية المشبوهة، ممن يريد إبقاءها فسحة رطبة للانتفاع الرخيص والدس المسموم، وفسح مجالها لمثقفي الظل من أصحاب معالم التنزيل ليصنعوا بصدق أحداث المشهد الثقافي الجزائري الأصيل، بعيدا عن كل مستورد ودخيل.
وفي اعتقادي أن النخب المثقفة لن تستطيع وصول ذلك المستوى الراقي من التنافس والإبداع، الا بدخول جميع المبدعين في تنافس ثقافي وفكري شريف وعادل، تشهده مؤسسات الابداع المختلفة لعقد قام على أقل تقدير، وساعتها سيتبوأ المبدع الحقيقي مكانته في المشهد الثقافي، وتلفظ الساحة أشباه المبدعين والمزيفين ممن دلفوا وقت الزحف العمي، وستكون أمام النخب الأصيلة مهمة عظيمة جدا، لن يتمكنوا من الوصول إليها، إلا من بعد أن يصلحوا أذواق المجتمع التي أفسدت بغثائيات أدبيات غلاة اليسار واليمين الوثني طيلة أكثر من قرن ونصف القرن من العبث الأدبي والفني والتربوي والتعليمي والتثقيفي واللغوي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق