ثقافة المقال

صورة الطاغية وطغيان الصورة

بقلم: أحمد دعدوش

منذ أن اكتشف بنو آدم شهوة السلطة في الحياة الفانية على هذه الأرض بعد تبدد شهوتهم في الخلود بالجنة؛ لم يلبثوا أن انقسموا إلى طبقات، وتفتق ذهن أقواهم عن شتى الوسائل لاستعباد أضعفهم، ولم يكن للقوة وحدها أن تسوق رقاب العباد، بل كان للصورة أيضا سطوتها الأسطورية لاستعباد العقول أولاً قبل الرقاب. كانت هذه هي لحظة ولادة الوثنية، حيث يتداخل الدين بالسياسة مع الخرافة، ومع تشكل الحضارة المدينية بأرض العراق في الألف الرابعة قبل الميلاد؛ بدأت الوثنية باتخاذ طابعها المؤسسي المتواطئ مع السلطة، واتخذ كل ملك لشعبه معبوداً يتشكل في صورة مجسمة ويُقدس في المعابد برعاية الكهنة لتكريس النظام العبودي، ثم بلغ الأمر ذروته على يد ملوك مصر الذين زرعوا الرهبة في قلوب العباد بتماثيلهم العملاقة وأضرحتهم الهرمية التي تضاهي الجبال. الأمر ذاته يمكن أن يسحبه الباحث على كل الحضارات اللاحقة، من الصين والهند مرورا بالإغريق والرومان ووصولا إلى الأزتك والمايا في جبال الأنديز، وكان خطاب الأنبياء هو ذاته في كل دعواتهم إلى توحيد الإله المنزه عن التجسيد والتشبيه، غير أن النفس البشرية كانت تميل دائما لغواية الصورة وشهوة السلطة، ولم تلبث الرسالات السماوية في كل عصر أن حُرفت وبُدلت حتى طُمس بعضها، بل لم تسلم رسالة خاتم الأنبياء من تأثير ما جاورها من ملل ونحل لتتشعب عن الإسلام عشرات الفرق بالرغم من عجزها عن طمسه.

لم يختلف الأمر كثيرا في العصر الحديث، إذ استفاد رجال السياسة من ملاحظة أرسطو لانبهار عامة الناس بالمظهر الخارجي للخطباء المفوهين أكثر مما تعنيهم كلماتهم، فأصبحت صورة المرشحين في الانتخابات الديمقراطية هي الأهم، حتى قيل أن فوز “وارِن هاردنج” في حملة عام 1920 للرئاسة الأمريكية يعود بالأساس إلى مظهره الرئاسي أكثر من إمكاناته السياسية، أما الشيوعيون في الشرق فلم يضطروا لتلميع الصورة بهدف كسب قلوب الناخبين لانعدام الديمقراطية أصلا، بل تابعوا سياسة تأليه الدكتاتور وخاصة مع النفي المسبق لوجود الإله ! ولم يكن شرقنا العربي والإسلامي في معزل، فلديه من تراث الاستبداد الممتد إلى نشأة الحضارة ذاتها ما يكفي العالم كله، إذ لم يتورع بعض الطغاة عن استحضار صورة أسلافهم لتمجيد ذواتهم المنتفخة، كما فعل شاه إيران الباحث عن أمجاد كسرى، وصدام حسين الذي كان مهووساً بالخلفاء العباسيين، وملوك مصر ورؤساؤها الذين حاولوا جاهدين استنساخ صورة الفراعنة. وعندما لم يستطع حافظ الأسد اقتباس صورته من أمويي دمشق بسبب خلفيته العلوية المعادية؛ لجأ إلى نموذج الجنرال الاشتراكي متمثلا في ستالين وتشاوشيسكو وإيل يونغ، وربما استحضر شيئا من هوس الحاكم بأمر الله الفاطمي الأقرب إليه طائفيا الذي اعتزل الناس ووصل به جنون العظمة إلى ادعاء الألوهية.
أما القذافي فكان مبدعاً في ابتكار صورته الخاصة، إذ جمع عنجهية رموز الاستبداد في المعسكر الاشتراكي إلى فحولة شيخ القبيلة البدوي، ثم أضاف لاحقا مسحة أسطورية ليرضي غروره بامتلاك لقب ملك ملوك أفريقيا بالرغم من بشرته البيضاء.  ومن الطريف أن يجمع الطاغية في صورته بين طرفي نقيض، فهو الأب الرحيم بأبنائه الذين يمثلون الشعب كله، كما أنه الجبار الذي لا يُقهر في وجه الأعداء الذين يجرؤون على معارضته ولو اتسعت دائرتهم لتشمل الشعب كله أيضا. وقد نجح الطغاة في تدجين الشعوب وفقا لهذه الازدواجية، فالمواطن يحب سيده بوصفه أباً ومعيلاً ومسؤولاً عن رزقه وأمنه ومستقبل أولاده، كما يهاب بطشه وزبانيته الغلاظ الشداد في الوقت ذاته، وعلى المواطن الصالح أن يُظهر إيمانه برحمة القائد وحاجته إليه، ويبقي في قلبه سر بطشه وجبروته مع أن الجميع يعلم بذلك بل ويعلم أنه يخفي ما لا يعلن. ووفقا لهذه الازدواجية كانت صورة القائدالإله تتنوع وفقا للظروف، فالتماثيل والصور العملاقة لكل من صدام وحافظ والقذافي على سبيل المثال كانت تبرز ابتسامته الحنونة حينا ونظرته الصارمة حينا آخر، كما تتنوع الشخصيات مع بقاء الذات لخلودها المفترض فالقائد رياضي ومفكر وعسكري ومؤمن تقي ورب أسرة حنون وسياسي محنك وداهية عصره الأوحد، بل هو المعلم الحكيم كلما اجتمع بأشقائه العرب، والثابت على مبادئه في عصر تسابق فيه الآخرون إلى الانهزام، ولا شك في أن القوى الغربية قد أتقنت فن الضرب على أوتار جنون العظمة عند هؤلاء المرضى لتحقيق مصالحها. ويبدو أن هوس الصورة لم يفارق الطغاة حتى في نهايتهم، فحاشية حافظ الأسد ظلت تردد لثلاثين سنة شعار “قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد”، وعندما خضع الرجل لحتمية الموت سارعوا إلى إطلاق لقب “الخالد” على سيدهم، فلا يكاد يُذكر اسمه إلا مسبوقا بكلمتي “القائد الخالد”، ثم جعلوا له ضريحا كالأولياء الصالحين، وابتدعوا بدعة الزيارة ووضع أكاليل الزهور على قبره في كل مناسبة ليثبت مسؤولو الدولة الولاء ووضع عصا الطاعة، وانتهى الحال أخيراً بصورته التي رافقت جيلا بأكمله بأن تم قصرها على الملامح الملائكية مع استبعاد تلك التي اتسمت بالقسوة.
وفي المقابل، لاحقت لعنة الصورة طغاة آخرين عند مماتهم حتى كادت لبلاغتها أن تعجز الكلمات عن مجاراتها، وإذا كانت صورة صدام وهو يخرج من حفرة حقيرة ثم يشنق على يد طاغية طائفي متشفّ لم تحمل سمات العدالة الكافية؛ فإن محاكمة مبارك في قفص الاتهام مع ولديه على يد شعبه كانت أكثر بلاغة، أما صور إخراج القذافي كالجرذ من أنبوب صرف صحي ثم إهانته وقتله على يد من وصفهم بالجرذان من شعبه فقد قطعت قول كل خطيب، وهي تحمل من الرسائل ما يغني عن قراءة آلاف الصفحات من التاريخ والفلسفة.
ومن عجائب القدر أن حافظ الأسد الذي أفلت لوحده –من بين طغاة العصر من سوء الخاتمة واحتفظ له مؤيدوه بصورة “خالدة” لأحد عشر سنة قد بدأ الآن بخسارة كل ما بناه طيلة عقود، فما أن اندلعت ثورة الربيع العربي في سوريا التي حكمها بالحديد والنار حتى انقض الشباب على تماثيله وصوره وأحالوها رماداً ومزقاً، فهل يفهم الحكام الذين سيقومون على أنقاضهم سنة العدالة الإلهية في هذا الكون؟ أم أن سلسلة الطغيان ستبقى ملازمة للجنس البشري حتى نهايته؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق