الموقع

العربانه ج1 الفصل الثاني

المعلم

عند الفجر امتزجت أبخرة ورائحة (اللبلبي) (1) المنبعثة من القدر المثبت في بطن ألعربانه مع عطر وشذى (غنوده)  في يومه المشهود وقد ازدحمت المشاهد والصور في خياله المحموم بين عذوبة لا تنسى ومرارة لا تطاق. دفع عربانته أمامه لترتقي بصعوبة مرتفعا يتوسط الشارع المتموج الذي يقوده صوب مستقره قرب احد مدارس الأطفال في المدينة كمن يدفع خيالاته ليجلوها عن صدره المهموم متحملا هذا العناء في دفع ألعربانه ليتجنب المرور في شارع (غندوه) شارع المتعة والألم شارع الشهد والحنظل، وما ان تعتلي ألعربانه قمة المرتفع حتى تأخذ بالانزلاق مما يتطلب منه جهدا غير قليل ليشدها إليه خشية ان تتدحرج سارحة في منحدر الشارع المتعرج والملتوي، يعيش (مظلوم) حالة الدفع والجذب بشكل متوالي طيلة الشارع حتى وصوله المدرسة. كعادته أشتري رغيفين خبز (بربر) حار من الخباز(هاشمي)، يجلس في مقهى (شدهان) وهو من أخوال والدته، يزدرد الرغيفين ألخشنين بدفعات من الشاي الحار كوجبة إفطار مقابل كاسة من (اللبلبي) يناولها للخال شدهان، ثم يقف خلف العربان لتمشية طلبات العمال المبكرين للعمل بعد تناولهم كاسات من اللبلبي الحار مصطبحين بوجه مظلوم قبل طلوع الشمس كعادتهم يوميا في مثل هذا الوقت وبعد ان ينصرف العمال والكسبة الى إعمالهم يتوجه مظلوم بعربته لتلبية طلبات الأطفال وباعة الخضروات والمتسوقين من (اللبلبي) الحار منجذبين لصوت مظلوم الشجي وهو ينادي(لبلبي يلبلوب لبلبينه يداوي الكًلوب).
السلام عليكم.. الله يساعدك (مظلوم).
صباح الخير… هاي شنو انته هنا تبيع لبلبي.
تفاجأ مظلوم برؤيته أستاذ(منير) الأفندي الذي يمر به يوميا راكبا دراجته الهوائية يشتري منه (كيسا من اللبلبي) ويعامله بمحبة وعطف مميز.
صباح الخير والصحة والسلامة إستاد(منير) ..وياهله بهل الصباح هذا مارد به (مظلوم) على تحية (معميله)(2) وصديقه الأفندي منير سائلا إياه:-
ها إستاد شنهو انته جاي إلهاي المدرسة؟؟
نعم مظلوم انه جاي نقل جديد للمدرسة ومنا وهيجي أشوفك الصبح والعصر واستمتع بأكل اللبلبي الطيب من أيدك الحلوه.
– الله يطيب خاطرك إستاد والله انته طبيت كًلبي الله يطول عمرك ويسعدك بالدنيه ولاخره.
– تشكر منه أستاذ منير بعد ان أعطاه ثمن كاسة (اللبلبي) واستمع منه الى بيت من الابوذية والدرامي العراقي، الابوذية التي كان أستاذ منير يحبها كثيرا ومظلوم يحفظ ويؤلف منها الكثير، ثم دخل المدرسة عند سماعه رنين الجرس.
لا يعود مظلوم الى داره إلا عند الغروب وبعد ان يسلم أستاذ منير وجبته المسائية من اللبلبي ثم يذهب لتسليم ما حصل عليه خلال اليوم من النقود الى مالك ألعربانه الذي يسلمه فلسان لا تكاد تسد رمقه وأطفاله من خبز البربر ومركًة(جتال حاجم)(3) الخالية من اللحم كالعادة وكما تتندر والدته لترد عمن يسألها عن اللحم، يمه اللحم (ماكله البزون)(4)
هذا (الجتال حاﭽم) الذي ترحم عليه (مظلوم) حاسدا إياه لتطليقه الحياة وتخلصه من المركًه اللعينه التي ابتلي بها (مظلوم) من بعد حاﭽم.
هاولك شنهي المصيبه هاي الوادم عليمن فازعه عله هذا البيت، يا ساتر يارب(شنهو حريج غريج) اللهم سترك يارب.
هذا ماقاله مظلوم عند عودته مساءا الى داره مدحرجا (عربا نته) أمامه ولمح جمع من الناس صغارا وكبارا شيوخا وشبابا وأطفالا وهم يحاولون اقتحام احد البيوت فاستل (حدرته) بيد و(سطل) الماء المخصص لغسل كاسات اللبلبي الذي أنتزعه من يدة ألعربانه وهو يصيح :-
حيهم..حيهم ..أخوتي أولاد علي الحكًولهم..الحكًولهم أهل ألغيره، قال له احد المتدافعين عند باب الدار:-
عمي شنهو انته مسودن اشبيك جاي هاد بحدرتك تريد تترس السطل (تمن وقيمه) والناس ماتعول اتحصلله ماعون تتبرك بيه.!!!
شلون ..شلون… شنهي ولك تمن ومركًة قيمه؟؟، شنهو ماعون ؟؟ماتكًلي انتم عليمن ملتمين وتدافعون وتريدون تكسرون الباب؟؟..هذوله الوادم مو محترجين وتريدون اتطفونهم .. متعارجين وتريدون أتفكونهم؟؟ .. شو توخروا عني وخل أدفر الباب ألعاصيه عليكم وشوف شنهو ألقصه ؟؟!!!
ولك عمي لا متعاركين ولا محتركًين هذوله عدهم عزيمه (تمن ومركًه قيمه”5″) ثواب لباعبدالله الحسين(ع) وحنه جايين ناكل ونتبرك. افتهمت لو أتظل معيدي كًلبك ثخين؟؟
فغر مظلوم فمه وبحلق عينيه متعجبا وهازا يده مستغربا لا يكاد يصدق ما يسمع!!
ولكم انتم واحد راﭽب عله الثاني ونعلكم امكًطعه وباطكم امشلعه وتريدون اتشلعون باب الوادم علمود لكًمة تمن ومركًه.. من سود الله وجوهكم وطيح الحسين حظكم..ولكم هذا ياثواب..ياحساب.. ولكم هاي هرفله وجلة حيَه، الرجال الحترمكم وعزمكم هﭽي تسوون بيه.. ولكم الحسين بعد عيني ضحه بدمه بسبيل الناس وانتم واحد يسحك بطن الثاني ويدوس بطن أخوه وأبوه حتى ياكله لكًمة زقنبوت يلكًفه من أيده حتى يحطه ابحلكًه !!!
كل هذا وتسمونه ثواب..والله يعمي هاي علامات طلوع (الصاحب)”6″؟؟
قال هذا ثم قفل راجعا الى عربته دون ان يسمع كلامه او يهتم به احد، استمر مظلوم على هذا الحال وهو يبيع (اللبلبي) وقد توثقت علاقته بأستاذ (منير) معلم المدرسة كثيرا واخذ يسمع منه كلاما لم يسمع بمثله من قبل وكأنه وجد بين يديه وفي مضامين كلامه مفاتيح مغاليق كل اشكالياته ومشاكله وجوابا للعديد من أسئلة (دوخة راسه) عبر معاناته اليومية في الريف والمدينة قائلا مع نفسه (ولك هذا عبالك عِليَّ آل صويح)(7).
تلقى منير حزمة من هذه الأسئلة وحل الغاز الصور والإشكاليات التي يتعرض لها، استغرب مظلوم ان تظهر أمامه صورة المرأة أم ( البوشيه)”8″
أحاه يل مهبول ولك هاي شلون ضاعت عليك وشلون ما عرفت هاي المره المبوشه التﭽي كل يوم تشتري منك كًدر (100 فلس) لبلبي وهي مبوشه، وكل يوم ذابتله حﭽايه عليك وتصﭽمك وﭽنه تعرفك وتعرف ماجره عليك، ولك شلون ما فهمته من كًالتك ها ابو( المعيد) يظهر تفليس الباكًله ما عجبك حولت عللبلبي أو نزول حتى نزول
(اليدري يدري والمايدري -لا هل مره حفنة لبلبي مو- كَضبة عدس)”9″
!! ولك هاي غندوه ألف نعله عله والديك لحكًتك لهنا بعد شتريد منك؟؟؟.
في غروب احد الأيام وقبل ان يأتي أستاذ منير لأخذ حصته من (اللبلبي) مثل كل يوم، قبل ان يذهب لتسليم الدخل للحجي كالعادة كان مستغرقا في دوامة أفكار يحس خلالها بالظلم والغبن الكبير الذي يلحق به فهو الذي يدفع ويطبخ ويبيع ويجول في الشوارع ويتحمل الأذى ولكنه لا يستلم إلا فلسات لا تغني ولا تشبع من جوع ولا تكسو من عري، ولكنه يكتم استياءه وإحساسه بالظلم لأنه لا يجد بدا من هذا العمل ثم للحاج فضل عليه فهو صاحب (الصايه) وال(صرمايه)”10 ” مثل ما يكًولون. وحينما كان منهمكا ومستغرقا في هذا الهم لفت نظره عند زاوية الشارع قبالته مجموعة من الشباب يلعبون (اللكَو)”11″ وقد شاهد ان بعضهم يحصل مالا كثيرا دون متاعب وعندما وقف يراقبهم دعوه للمشاركة فقد اغتنى الكثيرين من هذه اللعبة مقابل مبالغ تافهة(من يركبه الحظ ويجي وياه أللنص) وبعد تردد ونعله للشيطان قرر ان يشترك على ان لا يعود للعب بعد ان يحصل على المال الكافي لشراء عربانه وكمية من اللبلبي والمواعين ليتخلص من استغلال (ألحجي) ابو ألعربانه ويعمل لنفسه. باشر باللعب حيث تبرع احدهم ليضع خبرته تحت تصرفه ويوجهه في اللعب مدعيا انه من ابناء قريته ومن ابناء عشيرته وانه متأكد بأنه سيكسب لأنه إنسان بسيط وعله نياته وسيحالفه الحظ، فربح في المرة الأولى والثانية ثم تبعتها خسارة بسيطة ومن بعدها ربح ثم توالت الخسارة وهو يضع بتشجيع من ابن عمه للاستمرار بالعب، آملا في الربح وتعويض خسارته مما استنزف الدخل بكامله…فساوم على المواعين ثم على القدر و(البريمز) ثم على العربة بكاملها دون جدوى واخذ يردد مع نفسه بألم مرددا المثل القائل ( جزنه من العنب ونريد سلتنه)”12″ فقد خسر كل شيء.
لمس مظلوم غمز ولمز وعلامات نصب وتآمر عليه من قبل هؤلاء بمن فيهم نصيره(ابن عمه) المزعوم، وشاهدهم يقتسمون المال فيما بينهم وقد دحرج (ابن عمه) ألعربه أمامه فقد صارت من حصته، عندها فارت دمائه وبلغ به الحنق أشده والغضب منتهاه لمدى وضاعة وقردنة وثعلبة (ابن عمه) وزمرته فاستل (حدرته) من حزامه التي لم يعد يمللك غيرها لأنه من المعيب ان يبيع او يقامر المرء بعرضه وسلاحه، فانقض عليهم وهو يقول:-
انه ابو مطشر ولكم مخانيث أهل الثريد (سياب) هﭽي تريدون تاخذون غلبي وتفرهدوني بهاي لعبتكم تقشمرون الوادم وتاخذون فلوسه.
أشهروا بوجهه سكاكينهم وقاماتهم المخبئة تحت دشاديشهم، فاشتبك معهم في معركة غير متكافئة ورغم ذلك اثبت بسالة وشجاعة فائقة وأثخنهم ضربا وسالت دماء بعضهم وخصوصا (ابن عمه)، أصابوه بساعده ورأسه ثم هربوا بما غنموا من المال تاركين العربة تشتعل فيها النار فقد حطموها وأولعوا فيها النار بعد ان افرغوا عليها نفط (البريمز) قبل ان يتمكن المارة من زجرهم وطردهم وحمايته من بطشهم فقد كان اغلبهم من مدمني الخمر والحشيش.
وكم كان أستاذ منير قلقا عندما لم يجد مظلوم في مكانه وشاهد بقايا ألعربانه المحترق!! فاستفسر ممن كان في موقع الحادث ومن احد البقالين فأجابه:-
هاي وين انته إستاد صاحبك أتعارك ويه (القمرجيه)”13″ وضربوه سجين وحركًوا عربا نته وهل تشوف رماده كًدامك، وهو أخذوه أهل المنطقه للمستشفى!!
تلقى منير الخبر بحيرة وألم وغضب شديد متأسفا ومتأسيا على مثل هؤلاء الناس اللذين يقتتلون فيما بينهم ويتركون عدوهم الرئيس ومصدر تشردهم وشقائهم يستنزف قواهم بهذه الطريقة ولكن…؟؟؟
فما كان من أستاذ (منير) إلا ان أدار وجهة دراجته الهوائية صوب المستشفى في مركز المدينة وحينما وصل وجد (مظلوم) في شعبة الضماد وقد لف ساعده بالقطن واللفاف وشاهد بعض الشدوخ في وجهه ورقبته وآثار دم متخثر في فروة راسه
الحمد لله على سلامتك ابو (مطشر) هاي شورطك ويه هل السفله وشجابك عليهم؟؟
-هاي هيه استاد صارت، و مثل ماكًال ابو المثل:-
( رادله كًرون كًصوا أذانه)”14″؟؟
ابو مطشر ما تعرف احد منهم؟؟
إستاد شعرف منهم أهم هذوله الهم أصل فصل حتى ينعرفون اشو (خضير ابن معجونه، وفرهود ابن الدلاله، وصبر ابو دكَه وابو الركًع…) ماتكًلي اشيلزم الواحد منهم.
والله صدقت يا ابو مطشر هذوله يطب واحدهم للسجن مظلوم يطلع ظالم، يطلع ضيمه وحيفه من اهله ويعوف من ظلمه، صدق من وصفهم ب(حثالة البرولتاريا)!!!
إستاد آني هم ما قصرت وياهم ونعلتلك سلفه سلفاهم بس آني شنهو ماعرف هذي اليسمونه (كلات)”15″ مثل مناطح الصخول آني اعرف أعارچ بالخنﭽر والحد ره و(المكًوار)”16″ و(التوثيه)”17″!!
المصيبه إستاد هسه شكَل لبو ا لعربانه، (مظلوم) ضيع الصايه والصرمايه بالقمار!
شنهي هلحظ ياربي اطلع من مصيبه اطب بالثانيه والوادم ابتلت بيه وهو يردد بيت الدرامي ( ﭽبتيني للظيم اشمالچ ييمه اشبيچ ﭽبتيني للضيم شو بس علي دنياي تمطر بلا غيم) ثم تلا ذلك بحسرة قائلا :-ولكم هاي ولاية بشر يو ولاية حيايه وعجارب ومخانيث، والله انعل ابو هيچ اولايه من حشى الامام والطيبين…
ابو مطشر لا تظل أتلوم بنفسك ألصار صار والولايه بيه الزين والشين وهاي تجارب يمر بيه الإنسان ويتعلم منها، هسه أهم شي صحتك وسلامتك، ولعربانه و(الصرمايه) والمواعين خليه عليه.
اصطحب منير (مظلوم) الى دار الحاج مالك ألعربانه ملخصا له ما جرى مع مظلوم واعدا إياه ان يسدد له ثمن ألعربانه والغراض واللبلبي كاملة يوم غد.
فتألم الحاج لما حل بمظلوم متأسيا له وشاكرا للأستاذ نخوته وجهوده ومناصرته ل(مظلوم) وأمثاله مخاطبا إياه:-
أستاذ (منير) هاي ألفزعه والغيره على (مظلوم) وأمثاله موجديده عليك وانته من أهل المعروف وآني من ناحيتي ذاب ربع الفلوس لخاطرك وخاطر مظلوم وجهاله.
تشكر الأستاذ ومظلوم للحاج تفهمه لوضع مظلوم وتنازله عن قسم من المبلغ، ثم اصطحب أستاذ منير مظلوم الى داره واضعا بيده شيئا من المال وكيسا من الفواكه له ولأطفاله قبل توديعه.
إستاد ما تكَلي انته شمشكل نفسك وياي، ومنين راح أجيب الفلوس للحجي، والله ما ادري شلون راح اكًدر أوافيك وبيمن أﭽازيك هذا ماقاله (مظلوم) لأستاذ منير.
ابو مطشر لتشيل هم احنه عدنه جمعية وآني حاﭽيلهم عن وضعك او واعدوني يساعدونك، خله عليه وروح هساه ارتاح وريح اهلك وعمامك، وكًللهم خل يردون لهلهلم والشغله ما تحتاج فزعة عشاير وبعد ما تصير زين آني أمر عليك بلكن نشوفلك غير شغله .
شكر مظلوم أستاذ منير مرددا كعادته بيتا من الدار مي:-
(مايلحك عله الطاح فزع الكًرابه بعد الفزع شيفيد للمضه أصواب)
صدك ألدنيه بعده بخير مودع بلله إستاد .
هكذا ودع (مظلوم) أستاذ (منير) محتضنا إياه ودموعه تترقرق في عينيه.وبعد ان مرت ثلاثة أيام طرق ألباب أستاذ (منير) على (مظلوم) ومعه كيسا من الفواكه والحلويات ولأطفاله مطشر وإخوانه، مطمئنا عليه ومطمئنا إياه بتسديد المبلغ للحاج مع تحيات أصدقائه في الجمعية وأمنياتهم له بالشفاء العاجل.
واستدرك أستاذ منير قائلا:-
– بالمناسبة (ابو مطشر) لكًيتلك شغله مريحه ومابيه دوخة راس
اي والله إستاد رحم الله والديك، بس شنهو هاي ألشغله؟؟
شوف مظلوم اكو واحد طيب من ربعنه (حايچ عبي)”18″ يريدله واحد يساعده بالشغل، وآني كًلت هم تعيش وهم تتعلم مهنه تفيدك ويمكن تكًدر تتعلم القراءة والكتابة عن طريق الاخ الحايچ لأنه عدوا لدودا للامية.
– فز مظلوم مذعورا كمن لدغه عقرب قائلا:-
لالا إستاد كلشي ولا حايچ، إستاد بس يسمعون أعمامي يطلجون مرتي ويفصلوني من العشيرة يا بويه أدور حايچ، ورحمه من الله يتباهون عمامي (بشوتهم)”19″ حياﭽة مظلوم ابو (مطشر) والله نعمه!!!.
– تبسم أستاذ (منير) وبدا كمن يراجع بعض الثوابت لديه متفهما ردود فعل (مظلوم) على مقترحه باعتبار مهنة الحياكة مهنة معيبة وفق الثقافة الإقطاعية السائدة وخصوصا في الريف العراقي.
-خلص..خلص ابو مطشر لا تغث نفسك، ايبين انته أصبحت مدمن على بيع اللبلبي يلبلوب وازدياد المعجبات والمعجبين بصوتك الحلو وانته تصيح لبلبي يلبلوب، واني هم ماكًدر استغني عن لبلبيك الطيب فقد أصبح (مزتي)”20″ المفضلة، العفو عشاي المفضل، وراح اوصيلك على عربانه ممتازة (عروسه) من (فورميكه)”21″ ايسويه مخصوص إلك اخوي النجار “ابو ماهر” فهو من محبي لبلبيك أيضا.
وهكذا كان، عاد (ابو مطشر) مغردا وراء عربانته الفورميكا الجديده، مسطر على سطحها كاسات الفرفوري الملونة وبطالة الخل والليمون المرصوفة رصفا جميلا عل صدر ألعربانه، وأخذت شهرة لبلبي مظلوم تزداد يوما بعد يوم حيث اخذ يطعمها حسب نصيحة أستاذ منير ب(الكسور)”22″ والدجاج ليكون طعمها أطيب وتكون بقايا الكسور والدجاجة وجبة عشاء دسمة له ولعائلته عند عودته للبيت ليلا بعد ان تنفذ كمية (اللبلبي) المعدة للبيع كل يوم.
ولكن الذي حدث في فجر احد الأيام وعلى حين غرة طوقت زمرة من الشرطة (مظلوم) وعربته وطردت المشترين وطلبت منه ان يتنحى جانبا بعد تفتيشه تفتيشا دقيقا ثم فتحوا أبواب ألعربانه واخرجوا كل محتوياتها من اللبلبي والبريمز والقدر والنفط والخل والملح والحامض، وثقبوا صفائحها الجانبية بحراب بنادقهم ومظلوم ينظر إليهم متألما مستغربا يكاد يفقد أعصابه ولا يعرف ماذا يفعل وبأي شيء متهم هو وعربانته وهل أصبح بيع (اللبلبي) ممنوعا وهو لايعلم؟؟
ولكن احد أفراد الشرطة همس في إذنه (ابن عمي عدنه إخباريه اكو بعربانتك مناشير معاديه للحكومة) هذا بعد أن عرف انه من ابناء عمومته (آل هلكان)
ولك خويه آني وين والمناشير وين شنهو آني أبيع لبلبي يو اشتغل نﭽار، ظل شنهي السوته المناشير وصارت تعادي الحكومه، انشالله باﭽر تطلع المساحي والﭽواكيچج والكراكه معاديه للحكومه.
ولك هاي شلون مصيبه وين ما تحطه يمظلوم سوده امصخمه.
هز ابو( إسماعيل)”23″ يده مستهزاءا ومستغربا بسبب عدم فهم مظلوم لما اسر به له:-
– (عرب وين طنبوره وين) ( اليحﭽي هندي وليسمعون أهل الﭽر يبات)”24″، ولك عمي يا نجاره ياطياره ياجواكيج مناشير يعني ورق مكتوب بيه حﭽي موزين عله الحكومه افتهمت، من طاحظ اللوكًي إلي جاب هذي الاخباريه البايخه.
– ( محضر ضبط ..تم تفتيش المشتبه به مظلوم وعربانته وجه وكًفه ولم يتم العثور إلا على بريمز عدد واحد متروس نفط وجدر لبلبي حار وعشر مناﭽيس فرفوري وخمس بطاله خل وكيلو نومي حامض
توقيع
العريف مزعل راضي
ريس المفر زه
توقيع
المشتبه بيه
مظلوم دايخ
أنقفل المحضر.
قرأ العريف المحضر على مظلوم طالبا توقيعه على المحضر وإقراره بنتائج التفتيش والمواد المضبوطة في ألعربانه ولكن مظلوم رفض التوقيع قائلا:-
جناب العريف اشو ما جبت ذﭽر للدﭽاﭽه الﭽانت بجدر اللبلبي شنهو الدﭽاﭽه طارت يو ما مشموله بإلقاء الغبض؟؟؟
إيه الدجاجه طارت صارتله جناحات وطارت، ثم نادى على الشرطي (سعود) الذي يدعي انه من عمام (مظلوم) كًله لبن عمك شلون طارت الدجاجه!!!
– مظلوم (الحد ره والخنجر ) صارن اجناحات وطيرن الدجاجه من المحضر وإلا ﭽان كتب العريف انه ضبط في ألعربانه أسلحة جارحه وأسلحة راضه وﭽا رحت بيه (سبعه ماي)”25″!!! اسكت ابن عمي وقع وقع واسكت احسلك!!

………………….
معاني المفردات الشعبية الواردة في القصة:-
1- الحمص.
2- عميل او مشتري متكرر.
3- نوع من أنواع القرع يكون اصفر اللون عند النضج، يروى ان احدهم أكل منه كثيرا ظنا منه انه بطيخ مما أدى به الى الوفاة!!
4- أكله القط.
5- مرقه مشهورة في مدن جنوب العراق وخصوصا النجف وكربلاء تعمل من اللحم والحمص المهروس جيدا يقدم في الولائم في المناسبات الدينية وتقدم كوجبة عشاء في الأفراح كالختان والزواج.
6- المهدي المنتظر.
7- احد الشخصيات الشعبية الواقعية في جنوب العراق (مربي جاموس) اشتهر بحكمته ورجاحة عقله وفطنته وذكاءه، وقد كان من المقربين جدا من الشيخ (حمد آل حمود) أمير عشيرة الخز اعل ألمعروفه في العراق.
8- حجاب من القماش الأسود يغطي وجه المرأة.
9- مثل شعبي عراقي يدل على ماهو مستتر خلف الحدث الظاهر.
10- العراك عن طريق نطح الخصم بالرأس وهو عراك يبرع فيه بعض المشاكسين من سكنة المدن.
11- المال الموظف في العمل من قبل ألكسبه.
12- مثل شعبي عراقي يضرب في خسارة كل شيء الطموح وما قبله.
13- لاعبي القمار
14- مثل شعبي عراقي يراد به خسارة الإنسان ما كان حقا يملكه ناهيك عن عدم تحقيق طموحه.
15- الصدم بالرأس وهي طريقة عراك يجيدها ابن المدينة فقط.
16- آلة راضه(قضيب من الخشب او الخيزران الصلب توضع في احد نهايته كرة من القير)
17- عمود من الخشب الصلد يستخدم في العراك.
18- حائك العباءة العربية.
19- عباءة لا يكتمل بدونها الزي العربي في العراق.
20- أكل خفيف يصاحب شرب الخمر.
21- نوع من الخشب الصقيل الملون.
22- عظام خاليه من اللحم تطبخ مع الحمص.
23- لقب الشرطي في العراق في حين يسمى (ابو خليل) الجندي العراقي.
24- أمثال شعبيه عراقيه يراد بها عدم فهم المخاطب لما يقال له.
25- أمر محقق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق