ثقافة المقال

جاحظ الأندلس ابن حزم الأندلسي

بقلم: د- سعيد موزون

حياته وشخصيته: هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان(أو صفيان) بن يزيد الفارسي، وتعيد المصادر نسبه إلى أصول مشرقية، فتذكر أن يزيد هذا ى كان من موالي يزيد بن أبي سفيان، وأن جده “خلف” كان ممن نزحوا إلى الأندلس، ولعل هذا ما يفسر النزعة الأموية الواضحة في شخصية ابن حزم وفكره وأدبه. ولد ابن حزم سنة 384هـ/ 994م، في قرطبة، إذ كان آباؤه قد انتقلوا إليها وحققوا فيها مكانة مرموقة، فقد كان أبوه أحمد بن حزم من وزراء الدولة العامرية في عهدي المنصور محمد بن أبي عامر وابنه المظفر، ثم ولي ابن حزم نفسه الوزارة عن أبيه في عهد عبد الرحمن بن هشام، ولكن القلاقل والاضطرابات التي شهدها عصره قادته إلى نبذ الوزارة والمناصب، والتفرغ لقراءة العلوم المختلفة: الفلسفة والمنطق والفقه والآثار والحديث والآداب واللغات والملل والنحل والأنساب ..
عرف ابن حزم بآرائه الفقهية الخاصة ومناقشاته أصحاب الملل والنحل الإسلامية وغيرها، وعرف كذلك باهتمامه الكبير بالمنطق والأخلاق والشعر والأدب والسياسة والخطابة والنحو والبلاغة، وكانت شهرته قد بزغت في مجال الأصول والحديث، وكان واحدا من رموز المذهب الظاهري في الفقه وهو عصره وبيئته فأوغر عليه صدور الأعداء والخصوم الذين ألبوا ضده العامة.فمُزّقت كتبه وأحرقت وهو يتحسر على ذلك ويقول مدافعا:
وإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي  ***   تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يـسير معي  حـيث   استقلت  ركائبي   ***   ويـنزل إن أنزل ويـدفن  فـي  قـبري
دعــوني مـــن إحراق   رق  وكـاغد   ***   وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
وإلا  فــعودوا  فـــي   المكاتب  بــدأة   ***   فكم   دون   مــا  تـبغون   لله  ســـتر
بذلك عرف ابن حزم فقيها أديبا شاعرا وفيلسوفا ومؤرخا لأحوال الأندلس عالما بالسياسة والأخلاق، وكثرت أعماله وتآلفه في مختلف العلوم الانسانية حتى أربت على الأربعمائة كتاب ورسالة، وفق ما ذكره ياقوت في معجم الأدباء.وقد أطلق عليه جاحظ الأندلس لغزارة علمه وتبحره الواسع في مجالات الثقافة والفكر والفنون.[1]

مؤلفاته وآثاره:
لقد ترك ابن حزم آثارا ومؤلفات كثيرة في موضوعات عديدة ومختلفة، ومن بينها كتاب” الفصل في الملل والأهواء والنحل”، الذي يعرض فيه الآراء الدينية في عصره الإسلامية وغير الإسلامية، رادّا بشكل عنيف على الفرق الكلامية التي ذاع صيتها آنذاك كالمعتزلة والمتصوفة والمرجئة، وله في الفقه “المحلى بالآثار في شرح المجلى بالاختصار”، وكذا “الاحكام في أصول الأحكام”، و”مسائل أصول الفقه” الذي يناقش فيه آراءه الظاهرية، وله في القرآن والحديث كتاب” الناسخ والمنسوخ”، وفي المنطق كتاب “التقريب لحدود المنطق”.  
يناقش ابن حزم في كتاب الفصل في الملل والنحل –وهو كتاب في الدين المقارن- اعتقادات الأمم وأديانهم فيقسم الناس إلى ملحدين ومؤمنين، ثم يقسم كل صنف منهما إلى اثنين وكل دين منهما إلى فريقين. وابن حزم ينتهي في كتابه هذا إلى القول بأن أهل الكتاب منهم من حافظ على النص دون تبديل أو تعديل أو تحوير، ومنهم من بدل فيه وحوّر. ويقوم التصديق بحقيقة الدين –بحسب ابن حزم- على أساس : الإقرار بوحدانية الله، والاحتفاظ بالنص المنزل على الأنبياء والرسل دون تعديل أو تبديل، فيصان الوحي المنزّل نصا وحرفا حتى يحتفظ بتأثيره المستمر خلال العصور المتتالية، إذ هو بداية الطريق الذي يوصل المؤمن إلى السر الإلهي.[2] ولابن حزم في الأدب والشعر كتاب “طوق الحمامة” الذي ذاعت شهرته فلقي إقبالا كبيرا لدى الأوروبيين الذين تلقوه بالنقد والتحليل، وتُرجم إلى لغات مختلفة (الإنجليزية والروسية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية..) فلقي هذا الكتاب اهتمام الباحثين والدارسين نظرا لموضوعه الإنساني الذي يمسّ خبايا النفس في الحب والعاطفة، ونزعات النفس وميولاتها العاطفية.

موضوع كتاب طوق الحمامة:
يعد هذا الكتاب من نوادر كتب التراث التي لامست موضوع الحب في القرن الرابع الهجري، وقد عرض فيه ابن حزم فلسفته في الحب وفهمه له، ثم تحدث عن صفات الحب وأعراضه وأحواله وآلامه، وما يقاسيه العاشق من اللوم والهجر والبعد والفراق وكذا النشوة باللقاء والنظر إلى الحبيب بعد طول فراق. ونتلمس في هذا الكتاب الشخصية الفقهية لابن حزم الذي يتحدث في الحب دون حرج متأثرا بنزعته العقلية التي تفرضها موسوعيته وسِعة اطلاعه وعلمه. ولعل أهم تصوراته ورؤاه في موضوع الحب تكمن في تحليلاته النفسية الدقيقة لواقعه، ومعرفته بطبيعة العلاقة بين الرجال والنساء وأثرها في أحاسيس وعواطف كلا الطرفين، وما يتغلغل في الأعماق من حب ووجد، مشيرا إلى ضرورة الالتزام الأخلاقي القائم على مراقبة الله والفضيلة، والبعد عن الفاحشة والمعصية. قال ابن حزم في هذا:”وكثير من الناس يطيعون أنفسهم ويعصون عقولهم ويتبعون أهواءهم، ويرفضون أديانهم، ويتجنبون ما حض الله تعالى عليه، ورتبه في الألباب السليمة من العفة وترك المعاصي ومقارعة الهوى ويخالفون الله ربهم ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطبة، فيواقعون المعصية في حبهم وقد علمنا إن الله عز وجل ركب في الإنسان طبيعتين متضادتين: إحداهما لا تشير إلا إلى خير ولا تحض إلا على حسن،ولا يتصور فيها إلا كل أمر مرضي وهي العقل وقائده العدل.والثانية ضد لا تشير إلى الشهوات، ولا تقود إلا إلى الردى وهي النفس وقائدها الشهوة والله تعالى يقول:” إن النفس لأمارة بالسوء(يوسف: 53) وكنى بالقلب عن العقل فقال:”   إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”(ق:37)، وقال تعالى:”وحبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم”(الحجرات:7) وخاطب أولي الألباب”[3].

الحب وأساس الفضيلة عند ابن حزم :
تتبدى شخصية ابن حزم الاجتماعية من خلال ثقافة فكره وإرهاف حسه ودقة ملاحظته لعادات وعلاقات مجتمعه المبنية على العواطف والأشواق التي يكنها كل من الرجل والمرأة وما يخالج القلوب من وجد وولع، ويربط ذلك كله بالصلاح والعفة والتزام تعاليم الإسلام بما فيها من فضيلة وتقوى وحياء ووقار، وفي هذا الصدد يقول:” والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب.والفاسق من يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى الوجوه البديعة الصنعة، ويتصدى للمشاهد المؤذية ويحب الخلوات المهلكات، والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تُحرّك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء، وإما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا وتلفا، ولهذا حرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية، وقد جعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك.وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حجم عظامها فقد فطر”.وإن ما ورد من النهي عن الهوى بنص التنزيل لشيئا مقنعا وفي إيقاع هذه الكلمات أعني”الهوى” إسما على معان وفي اشتقاقها عند العرب دليل على ميل النفوس وهويها إلى هذه المقامات وإن التمسك عنها مقارع لنفسه محارب لها”[4] .
آراء ابن حزم الفقهية:
كان ابن حزم في حديث عهده بالفقه شافعيا، لكنه سرعان ما أصبح ظاهريا لا يقبل التأويل، فصار يواجه المذاهب الأخرى بصرامة وحزم حتى قيل فيه:” كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين”، فتعرض للاضطهاد والتعنيف من طرف خصومه، فأقاموا عليه حصارا فكريا ومضايقات وأعاصير جدل أثاروها ضده، فأحرقوا كتبه ومجلداته وألّبوا ضده السوقة والرعاع وضيقوا عليه الخناق. لقد  لمع نجم ابن حزم في الفقه والحديث والأصول، وكان ظاهري المذهب ترتكز أهم تصوراته الفقهية في آراء هي:
1.  كمال الشريعة:  بدليل الآية :”اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”[5]، مما يطرد إمكانية إضافة شرع جديد إلى الشرع المنزل الذي قد تم فلا يزاد فيه ولا ينقص، هذه صفة الدين الحق الذي كل ما عداه فباطل وليس من الدين، إذ ما لم يكن من عند الله تعالى فليس من دين الله أصلا، وما لم يبينه رسول الله فليس في الدين أصلا، وما لم يبلغه إلينا أولو الأمر منا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس من الدين أصلا[6].
2.  رفض القياس والرأي:  فالمدلول الحقيقي لرفض القياس والتعليل، ولتأسيس الفقه على القطع ممثلا هنا في القياس المنطقي والمنطق الأرسطي عامة، هو الدفاع عن الشرع ضد التحريفات التي تعرض لها بمختلف أنواعها وأشكالها والتأكيد على أن الشريعة الإسلامية كاملة وليست في حاجة إلى إضافات كيفما كانت أشكالها وصورها وأساميها، ما لم يكن لها أساس  في النص نفسه.وهذا ما قاده إلى إبطال مجموعة من الوجوه “شرع ما قبلنا” يبطل ابن حزم التعبد به لأن الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع كما أن تكليفها يشمل جميع البشر الذين بلغتهم الدعوة، ولو كانوا مؤمنين كتابيين.يضاف إلى هذا أن الدين اكتمل بخاتم النبيين، ولا يمكن اتخاذ الناقص حجة أو دليلا على الكامل[7].

اعتماد ابن حزم التأويل في بعض الأحيان:
يلجأ ابن حزم أحيانا إلى التأويل برغم تمسكه بمنهج المدرسة الظاهرية الفقهية، فنجده”ذكر في المحلى “سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة” وهما صحيحان ثابتان، ثم قال ابن حزم: هذان الحديثان ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن الروضة مقتطعة من الجنة، وأن هذه الانهار مهبطة من الجنة، هذا باطل وكاذب.ثم ذكر ابن حزم أن معنى كون الروضة من الجنة إنما هو لفضلها، وإن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وان تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة كما تقول في اليوم الطيب هذا من أيام الجنة وكما قيل في الضأن: “أنها من دواب الجنة”.وكما قال عليه السلام:” الجنة تحت ظلال السيوف”، ومثل ذلك حديث:”الحجر الأسود من الجنة” ثم حمل ابن حزم بشدة على من حملوا هذه الأخبار على ظاهرها، قائلا قد صح البرهان من القرآن، ومن ضرورة الحس على أنها ليست على ظاهرها”[8].

تركيب:
يعد ابن حزم من أهم أعمدة المدرسة الظاهرية، يأخذ بظاهر النصوص ويرفض القياس والتأويل ويرد على المتصوفة والمعتزلة والمؤمنين بالتنجيم والفرق الأخرى السائدة في عصره.دعا إلى الأخذ بالعلم التجريبي والنظري، فوضع لذلك قواعد منطقية وعلمية، ويعتبر الفلسفة والشريعة مجالا خصبا لإصلاح النفس وتزكيتها من الرذائل وإرشادها إلى الفضيلة.
[1]  – انظر: طوق الحمامة في الألفة والألاف، ابن حزم الاندلسي، تع: نزار وجيه فلوح، مراجعة: ياسين الأيوبي، ط 2002، المكتبة العصرية للطباعة والنشر،صيدا، بيروت، ص: 9.
[2]  – انظر : تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، محمد علي أبو ريان، ط 1970، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص:440.
[3]  – طوق الحمامة في الألفة والألاف، ابن حزم الاندلسي، مرجع سابق، ص:206.
[4]  – طوق الحمامة في الألفة والألاف، نفسه، ص: 208-209.
[5]  – سورة المائدة، الآية: 4.
[6]  – انظر: ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس، سالم يفوت، الطبعة الأولى، 1986، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ص: 116.
[7]  – انظر: ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس، نفسه، ص: 155.
[8] – كيف نتعامل مع القرآن الكريم، يوسف القرضاوي، الطبعة الأولى، 2001، مؤسسة الرسالة، ص:334،335.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق