ثقافة المقال

ماريو دي أنداردي: جمالية الشر الأكبر في ماكونايما

بقلم / محمد عاطف بريكي*

أعتبر ماريو دي أندرادي بصمة وراثية  في شريان الأدب البرازيلي لا بل في عموم جسد الثقافة البرازيلية خلال القرن العشرين بسبب جرأة طرحه اللامهادن لمعنى التفكير الفني السائد ،كما عد ثائرا شرسا بسبب دفاعه المستميت عن أطروحاته الأدبية مما جعله يرتقى إلى مصاف رواد الحداثة مع بداية القرن المنصرم. ولد ماريو دي أندرادي وهو أحد المفكرين الذي افتتح بهم القرن الماضي تقويمه العددي. شاعر وموسيقي وباحث، كاتب روائي بمدينة ساو باولو سنة 1893 وسرعان ما فرض الرجل أسلوبه الحداثي وفرضه على أشكال الفن التقليدية السائدة آنذاك. شارك وهو ابن التاسعة والعشرين (29) في فعاليات أسبوع الفن الحديث الذي نظمته بلدية سابو باولو واحتضنه مسرحها و كان جنبا الى جنب مع فنانين كبار أمثال: مالفاتي أنيتا،دي كالالكانتي، هيطور فيلا لوبوس،وأوزوالد دي أنداردي. طريقته المختلفة في التفكير وإبداعه المتميز جعل منه في نظر الرأي العام رجلا”ثائرا” وبذلك وصم بدايات جيل الحداثة في البرازيل.

كان ماريو متفردا بين معاصريه من الكتاب والروائيين عندما طرح مشروعا ضخما استهدف إحياء الثقافة البرازيلية بكل محمولاتها وجذورها و ساعده في أخذ زمام المشروع على عاتقه فكرة وتجسيدا انضباطه و منهجيته المفرطة إذ كان يستغرق كل وقته في البحث والتمحيص في مجالات الأدب والفلكلور والنبش في الموروثات التي ضلت على سليقتها تتداول بين العامة وقد اكتسب الرجل حسه النقدي من رغبته اللامحدودة في إعادة إبراز خصوصيات الفن البرازيلي و جعله مستقل و محسوس.

وبقي كذلك الى غاية سنة 1928 حين إجتاحت الرجل رغبة متأصلة للكتابة دفعته لخلوة مستمرة دامت أسبوعا ظل خلاله يكتب بنهم منقطع النضير وكان يدرك حينها أن لهذا الزخم المفاجئ و الرغبة الملحة شيء ما جعله يخرج عن صمته المستغرق في البحث و التنقيب بل كان ذلك ربما هو الدافع والأثر الذي حرك فيه المقدرة على البوح، و لما تصرّم الأسبوع وجد كومة الأوراق التي كتبها تستقيم فوق مكتبه رواية كاملة المعالم تدور حكايتها حول مغامرات بطل رمز به الى وطنه البرازيل.

جمع فصول أولى روايات ماريو دي أندرادي الصادرة العام 1928 والتي أطلق عليها عنوان مثير هو” ماكونايما”Macaunaima شخصية رئيسية واحدة عدت الرواية ذات النفس الحداثي من روائع ـ ليس الأدب ـ بل الثقافة البرازيلية ككل.

كتب ماريو رواياته في قالب من السخرية والنقد اللاذع و إعتمد في طرح وقائعها على المحمول الميثولوجي لبلاده البرازيل فلا غرو أن تدور أحداث روايته على ضفاف نهر الأمازون لكن الكاتب عاد بنا الى الوراء كثيرا عندما أوعز بطولة الرواية الى شخصية أطلق عليها إسم “ماكونايما والتي يعني تفسيرها “الشر الأكبر” ينتمي  بطل الرواية الى قبيلة هندية قديمة من منطقة الأمازون وكذلك تبدو البيئة البدائية للحكاية مستقاة من الفلكلور البرازيلي الصرف المتجذر في سكان الأرض الأصليين الذي نعني بهم الهنود الحمر وبذلك أسس ماريو من خلال روايته للغة أدبية برازيلية صرفة .

ومن خلال بطل الرواية المحرك الأساسي لأحداثها يستقرأ الكاتب على مدى صفحات الحكاية  ويوضح لنا في الأساس طريقة تفكير و سلوكيات شعب ما زال في طور البدائية تتمثل هويته في مزيج بين الثقافات المتوحشة في أصلها الكوني المتجذر في التاريخ القديم وكل ما يتعلق بالميثولوجيا والأساطير و تتخذ هذه المرجعيات الثقافية أوجه عدة على مدى التاريخ فهي جيدة  و سيئة، بريئة و كسولة، وأحيانا كاذبة.لكن إذا كانت شخصية ماريو دي أندرادي بصفة “البطل المضاد” فإن سيرورة بنيته المورفولوجية على النقيض تماما من ردود أفعاله فقد شهد نموا جسديا متسارعا وكانت هذه إرادة الكاتب و رغبته في عرض ثم تفجير الجانب الطفولي ـ البدائي اساسا الكامن في كل ذات متطورة وربما عنى بشخصيته تلك النزعة البدائية والشريرة- المتناقضة، حقيقة كل ذات متحضرة بالمفهوم الحضاري الحالي.

* شاعر و مترجم من الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق