قراءات ودراسات

جمالية أسلوب صبحي فحماوي في روايته ” سروال بلقيس “

أ. د. بشرى تاكفراست

رواية ” سروال بلقيس” هي الرواية الثامنة لصبحي فحماوي، وقد كتب حتى الآن عشر روايات. يتشكل هيكلها الخارجي من تمهيد يقدم فيه الروائي شخوصه، لتلحم بسبعة فصول تنأى عن العناوين وتكتفي بالأرقام، يترجم الروائي عبر شخوصها، وأحداثها، وأمكنتها بشكل مصغر لمسيرة الشعب الفلسطيني منذ 1948 إلى اليوم، مقدما مشهدا مختزلا للموقف السلبي العربي والأممي.
تؤرخ الرواية لمدة أربعة وعشرين ساعة بمخيم للاجئين مجهول العنوان مما جعل الرواية مفتوحة على كل مخيمات اللاجئين في الوطن العربي (فلسطينيين- سوريين- سودانيين – صوماليين – ليبيين.) لكن القارئ الذكي المتتبع لأعمال صبحي فحماوي يدرك لعبته السردية في شد انتباه متلقيه وحمله على إعمال ذهنه، فينتبه مباشرة إلى أن المعاناة الفلسطينية، تصور بصدق ومرارة وواقعية طرد وتهجير وتشريد الشعب الفلسطيني من وطنه الأم على يد عصابات صهيونية مدعمة بقوى استعمارية ولوبيات عالمية سنة 1948.
إن مخيمات اللجوء حاضرة بشكل كبير في العديد من أعمال الروائي وإن تفاوت حضورها بين:

• المحورية، التي تصور معاناة الشعب الفلسطيني من التهجير والتشريد وتشبثهم بأمل العودة إلى الأرض المغصوبة… كما هو الحال في رواية ” عذبة” و”حرمتان ومحرم” و” قصة عشق كنعانية” …
• والثانوية، كما هو الحال في رواية ” الاسكندرية 2050، و”على باب الهوى” ويجمعها هم واحد يؤرق الكاتب ويعمق ألمه ويدمي جرحه ويسيل قلمه كلما استحضره هو ما آل إليه الشعب الفلسطيني بعد اغتصاب أرضه من شتات، وسبل وتمظهرات حلم العودة إليها.
عنوان ” سروال بلقيس”ظاهرة جمالية مشحونة ومثقلة بكثافة دلالية. يتكون العنوان من جملة خبرية تفتح اشتهاء المتلقي نحو مشاهد الجنس وملابسات الإثارة، لكنه يقع في مفارقة كبيرة تكسر أفق انتظاره، إذ يُصدم بمواصفات صاحبة السروال، بلقيس: صاحبة السروال المرأة المعتدلة السيرة والسلوك، وهي تعيش أحداثا مثيرة، مثال المرأة الفلسطينية القوية المرابطة المتحدية المقاومة تفخر وتتماهى بسروالها في نهاية الرواية لأنه أبعد شبح الجوع عنها وعن أبنائها.

أ. د. بشرى تاكفراست

الشخوص في الرواية:
ل فحماوي قدرة على استيلاب مشاعر القارئ في الولوج مع شخصياته واقناعه أنها حقيقية. . . فقد أجاد اختيار شخوص روايته المحورية والثانوية، فكانت لحمة الرواية ووسيلة لترابط عناصرها الخاصة، إذ أحاط بالجوانب النفسية والسمات الاجتماعية لكل شخصية مما يتيح لها المشاركة الفعالة في صنع الأحداث، وتوالي الزمن، وإثارة تشويق المتلقي عبر تطور السرد. لقد نجح الروائي في أن يلائم بل يزاوج بين الشخصية والحدث بإضافة مواصفات خاصةتجعل وجودها حقيقيا متمثلا على أرض الواقع. وتنقسم شخوص الرواية من حيث الظهور إلى قسمين:
• الذكور: زوج بلقيس + أبو رزق + أبو خضر البغل، يعكسون معاناة اللاجئين في مخيم بدون ماء ولا مرافق ولا فرص عمل فيه إلا الأعمال الشاقة في الكسارات. يقبلون امتهانها دون النظر إلى صعابها ” يسير الرجل منقبضا على نفسه في هذا الفجر التثقيل، وكأن نفسيته التعيسة تضخ الألم بالتساوي على سائر أعضائه . . . مبتعدا في الطريق غربا مسافة كيلومترين، نحو كسارات أبو الزنديق الواقعة بين المخيم والمدينة. هذا هو الغوث والتشغيل . . . ” أو بعض ما تتصدق به عليهم الأمم المتحدة. هؤلاء الذكور هم صورة ناطقة لمعاناة أبناء المخيمات من استغلال ومهادنة وخطر الموت، بعدما فقدوا أبسط أمور العيش الكريم وفي مقدمة ذلك هويتهم، إذ كان ” اللاجئ – يا حرام – موقوف حتى عن اسم وطنه، ولا يعترف له بوطن، أو أنه ليس وطنيا مخلصا بالمرة، ما دام تشرد بهذه الطريقة البشعة. . . فهل هو خائن مثلا إذ يستثنى مناسم وطني؟”
• أما نساء الرواية فقد أضفن إيقاعا خاصا على السرد بما يحملنه من شحنة البقاء والتصالح مع الواقع والنفس، وما عقدنه من ميثاق شرف مع المتلقي من بداية الرواية إلى نهايتها عبر كلماتها وجملها . فهي تشارك الرجل في عبء الحياة دون كلل ولا ملل، تجمع الأعشاب البرية وبقايا حبات الزيتون وتبيعها لتعيل أسرتها … مثالية مناضلة قائدة صامدة، تتحمل المسؤولية لتحدي الصعاب وتقاوم حتى العودة.
أول امرأة تصافحك في الرواية بطلتها “بلقيس” المرأة المنسجمة مع نفسها الحاضرة المتمثلة لواقعها ” ومن وسط هذا الجوع قامت امرأة شجاعة اسمها بلقيس . . . منبثقة من روح حطمتها الأحداث، ولكن لم تهزمها… جادة التصرفات، دائمة المبادرة لعمل شيء من أجل إنقاد ما يمكن إنقاذه، في هذه الهجرة المرعبة والتي لم تكن على بال أحد ولو في الخيال. “
وتلقاك بعدها صالحة السمراء الثلاثية المتعلمة النازحة مع زوجها من صفورية وقد استيقظت من الحلم لتعيش واقع اللجوء في المخيم… ” هذه ليست عيشة، هذه ليست هي! لا بد من العودة رغم كلف الثمن، فالأرض أغلى من العرض! “
و يحضر بعدهما صوت حمدة المحمودية الأربعينية، أرملة الشهيد في سبيل وطنه فلسطين، التي تتكفل بثلاثة أيتام وتتحمل معاناة التهجير وتدبير قوت يوم أيتامها وحفظ أمنهم ومتابعة شؤونهم لوحدها حتى تحقق لهم أبسط ظروف العيش.

• الزمن السردي:
في رواية “سروال بلقيس” يحضر الزمن إما في استباق الأحداث أو عملية استرجاعها وأحيانا يتسم بالحذف والتوقف، وكل ذلك يجعل القارئ في ترقب مستمر للأحداث ونهايتها…
فالكاتب يسرد حدثا ماضياً يبقى ماثلاً أبدا له صفة الحضور الدائم هو حدث تهجير الفلسطينيين من أرضهم، يتخطى صرامة الزمن وحدود المكان؛ ما كان وما هو كائن، فيربط بين حالتين متناقضتين متغايرتين للعذاب والفرح، ويبدأ منهما الاستمرارية والسيرورة في حركة جدلية.
الزمن الجميل في أرض فلسطين المغتصبة مشهد مؤرق لكل المهجرين من أبناء المخيم في الرواية، منهم: بلقيس التي تستحضر الأيام الجميلة في وطنها المحتل، ” دعنا نعيد عقارب الساعة إلى الوراء لنشاهد اللاجئة بلقيس” وقد أرضعت ولدها حليب الاخلاص للأرض والإيمان بالعودة إليها، مما عرضه للاحتجاز والمساءلة من قبل شرطة المخيم، إلى جانبها صالحة السمراء التي تسترجع أيامها الحلوة في صفورية… وحمدة المحمودية تسترجع ذكرى زوجها البطل الشهيد تاج رأسها المقطوع وتتأسف للنكران الذي طاله…
ويكسي صبحي فحماوي لغة حواراته بطابع البساطة المعبرة بغير تكلف، ودقة غير مصطنعة تميل إلى استعمال العامية التي تعطي للرواية روحا شعبية ممتعة…
الوصف:
ككل المتخيلات السردية الجديدة لما بعد الحداثة، نلحظ أن صبحي فحماوي سعى إلى وصف الحقائق وصفا دقيقا لأجل تأكيد مصداقيتها وحقيقتها. ولم يهمل الوصف الوجداني الذي يوقظ قوى الإدراك الحسي عند المتلقي، متجاوزا الشعور باللذة والألم والانفعال، إلى إدراك الصورة والمعاني الحسية المتخيلة للمشاهد، التي تجسد الأحداث والحوارات والشخصيات والأمكنة والأزمنة في انتقاء واختزال وتدرج وفق مقصدية حددها هو. وقد سخّر لذلك مجموعة من التقنيات منها:

• السخرية:
من السمات الفنية للكتابة الفحماوية السخرية، إذ جند النكتة والأمثال الشعبية والفكاهة واللهجة العامية بأسلوب مازج بين اللفظ المباشر والإيحاء والتلميح، فيه من الضحك بقدر ما فيه من البكاء. وهو يكشف الواقع المشوه، وأشكال معاناة الشعب الفلسطيني في المخيمات، بدء من نصب الخيام إلى تضخم الأمل في العودة، مرورا بالعنف الاقتصادي والقهر الاجتماعي والفساد الاخلاقي والتسلط السياسي.
في عدول لغوي مقبول مضحك اتخذ من الألقاب بأوصاف الحيوانات أو النباتات أداة له من ذلك: أبو خضر البغل الذي كان لديه بغلان، أحدهما شق نصفين في حرب 1948، والثاني بقي على قيد الحياة وهو المرافق له في الهجرة. هذه الكنية تعتبر في أول قراءة سبة في حق صاحبها لكن بتتبع واقعها في مقامها السردي ينتابك الألم والحسرة والوجع على ما حصل… وتتضاعف السخرية في وصف الحارس “أبو الفيلة” الرجل الذي يحرس بئر الوطني أبو عبد النور، فهو مصاب بشلل نصفي من جراء صدمة عصبية أصيب بها أيام الهجرة، ووظيفته تطرح أكثر من سؤال في ذهن المتلقي منها: كيف يقوى على حراسة بئر وهو لا يمتلك القوة لحراسة نفسه؟ إلى غير ذلك من النعوت التي ألصقها بشخوص روايته منها:– حمدة المدملجة- المبططة -سلافة الطرماء- شفصانة العرجاء…
وانشطرت السخرية في الرواية إلى شطرين ؛ سخرية عامة: اتخذت من الواقع السياسي العربي وموقفه ما بعد الهزيمة موضوعا لها. إذ يوجه نقدا مريرا لعصبة الامم المتحدة في قوله :” كان معظمها ملكا للشؤون العسكرية الانجليزية، المنتدبة من عصابة الأمم المتحدة ضد فلسطين.. أقصد عصبة الأمم المتحدة. “
وسخرية خاصة: انصبت على تشريح الواقع المعيش للمهجرين في المخيمات من ذلك سخريته المرة على لسان بلقيس :” ما دمنا صرنا لاجئين، لا حول لنا ولا قوة، ولا نملك حتى خبز أولادنا، فنحن مضطرات لرعي أعشاب الزعتر واللسينة، مثل الماعز التي ترعى في الجبال. “وتقول ساخرة من سروالها الفضفاض الذي أعد خصيصا على هذا الشكل ليستوعب أكبر قدر من حبات الزيتون :” هذا السروال يجب أن يرفعه أولادي مثل العلم، ويمشوا تحته لأنه هو الذي يطعمهم ويبعد عنهم شبح الجوع. “
اقتبس فحماوي من القرآن الكريم في مواطن كثيرة من الرواية، فعلى سبيل المثال لا الحصر: اقتباسه لاسم بلقيس ملكة سبأ، فيعطيه لبطلة روايته ” سروال بلقيس”، مسجلا بذلك مفارقة سياقية تثير رغبة المتلقي وتوقظ فضوله القرائي.
– اقتباسه لقصة ناقة صالح: ” ستبقون لاجئين إلى أن تقوم ناقة صالح” وما دامت ناقة صالح قد عقرت وماتت ولن تعود إلى الدنيا إلا بمعجزة إلاهية كذلك حال اللاجئين ينتظرون فرج الله سبحانه وتعالى بعدما عجزت القوى البشرية عن ايجاد حلول لهم.
– التناص مع قصة يوسف عليه السلام في قوله:” إحدى المدنيات… تأخذ معها فتى لاجئا مرافقا لبائعة في الساحة… أو شابا فلاحا واقفا برسم أجرة لمن يطلب عملا… لكن الذي حصل مع هؤلاء الشباب اللاجئين اليافعين… أن راودته إحداهن على نفسه وذلك للقيام بخدمات إضافية غير معلن عنها… وذلك من غير أن تقد قميصه من قبل أو من ذبر… “
– اقتباسه لقصة سفينة نوح في قوله:” لا يستبعد الرجل قدوم سفينة في يوم ما، لتنقذ من لم يغرقه الطوفان من هذا الشعب الفلسطيني المشرد، وتعيده إلى موطنه، بعد نزول حمامة على سطح اليابسة… “ومن مظاهر التناص الديني “الصبر مفتاح الفرج “، “إن مع العسر يسرا” على لسان كل من أم رزق وصالحة السمراء…
وتعج الرواية بالتناص الشعري وفي مقدمته شعر الشاعر الفلسطيني عبد اللطيف عقل الذي صدّر رواية “سروال بلقيس” بمقطف من قصيدته ” ينام المخيم “، وقد يكون هذا الشعر ملهمه لكتابة هذه الرواية لأنه يراوده ويستحضره في متنها، فقد عاد إليه وهو يصور حال بلقيس وزميلاتها وهن يبحثن عن نحو لقمة العيش : أعيشك في المحل تينا وزيتا وألبس عريك ثوبا معطرا
وأبني خرائب عينيك بيتا وإن جعت أقتات زعتر
وإلى جانبه شعر إبراهيم طوقان الذي كانت تردده صالحة السمراء والذي تعلمته من معلمتها بسمة المسيحية… ولقصيدة “بيروت صغيرة بحجم راحة اليد” للشاعر محمود درويش ومعين بسيسو حضور قوي في متن الرواية، من ذلك قولهما: “حصارنا طويل ….سنخبز الحجر….ونعجن القمر ونكمل السفر”
كتب فحماوي روايته بلغة بسيطة عربية فصيحة معبرة، مفعمة بالانزياحات، مدعمة باللغة العامية الفلسطينية (التبعر- متفشخرة– متقمزة – مطعوَجَة – مدملجة- اخضرانية- المبططة- وعْوَعة)
واستعان بالتشبيه بشكل لافت لانتباه المتلقي، وما ذلك إلا رغبة منه في تبيان أحوال اللاجئين وانكساراتهم وبؤسهم والتي مع مرارتها لم تستطع أن تطفئ شمعة الأمل في قلوبهم من ذلك: ” مع نجمة الصباح البراقة الصغيرة كاللؤلؤة تتقلب في سماء عتمة الليل… تبدو الخيام كبقايا مهاجع لواء عسكري منكسر… فتجد لاجئة تقف بجسدها النحيل مثل قرن خروب استطال وتمدد… ” ** ” فتصفع وجهها المدور مثل كرة قدم منفّسة… وكأنها تلطم حظها…
• ” … على شكل ساحة واسعة معبدة حديثا بخلطة زفتة الشوارع… “
وما يضفي جمالية فنية على الرواية أنها بنيت بشكل دائري، إذ انتهت من حيث بدأت؛ * برحلة النسوة ورحلة كل صباح لجمع الأعشاب البرية وانتهت بهن بعد أن تزايد عددهن بقدوم فصل الربيع خاصة وأنها أصبحت مصدر أقوات الجياع وطابع حياة كثير من نساء المخيم….* وبدأت برحلة الشقاء والعذاب لشعب ظل ينشد الهوية نضالا وجهادا، وانتهت بالأمل والحلم بحياة مستقرة في وطن حر. جسد ذلك قرار مقاومة الذل والإهانة الذي اتخذه زوج بلقيس وابنها بوضع القدم على طريق عودة المهجرين إلى عكا ويافا واللد والرملة، ” ترى كم شهر باقي لعودتنا يا با؟ فيقول الأب: كم شهر؟ كم سنة؟ هذه علمها عند الله، ولكن الله يقول: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم. . . يجب أن نعمل يا ولدي لنحقق العودة. “
“أحبك يا وطني الغالي…..أحبك يا فلسطين المعتقلة خلف أشواك الحدود.
وأنا مستعد للتضحية بروحي في سبيل العودة إليك أنا وأهلي كلهم”
أ. د. بشرى تاكفراست …جامعة القاضي عياض/ كلية اللغة العربية/ مراكش

*جامعة القاضي عياض/ كلية اللغة العربية/ مراكش

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “جمالية أسلوب صبحي فحماوي في روايته ” سروال بلقيس “”

  1. مقالة قيمة وتحليل رائع يلقي الضوء على ملامح فنية هامة في هذه الرواية المميزة.
    تحياتي للصديقة الأكاديمية البارزة ابنة المدينة الحمراء د. بشرى تاكفراست وللصديق الروائي المتميز صبحي الفحماوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق