حوارات المجلة

حوار مع الأديبة الجزائرية جميلة طلباوي

ثمة عقلية غريبة تحارب النجاح في الجزائر

حاورها: كمال عبد الرشيد

  • جميلة طلباوي، واحدة من الأصوات الأدبية التي بدأت تفرض نفسها في الفترة الأخيرة، ليس على الصعيد المحلي الجزائري، بل وعلى الصعيد العربي لم تتميز به من خصوصية في التعبير، وامكانيات حقيقية ترشحها بأن تكون واحدة من بين الأديبات المرموقات في الجزائر الجديدة.. في هذا الحوار، حاول الزميل كمال عبد الرشيد الاقترب من عوالمها الأدبية.
  • أول سؤال يتبادر إلى ذهني هو أين تضع جميلة نفسها في منصة الإبداع الجزائري الراهن؟
  • لست أنا من تضع” نفسها أنا حيثما وضعتني كلماتي ” شظايا”،وردة الرمال، شاء القدر، أوجاع الذاكرة و تحت الطبع لدي “الفينيق” و”بوح أنثى” وأشتغل على عمل روائي فيه الكثير من أسئلة الإنسان حول نفسه و حول الآخر في مواجهة مع القدر.
  • ثمة من يقول أن المشهد الثقافي الجزائري مبنيا على الأسماء أكثر مما هو مبني على الأعمال.. ما رأيك؟
  • هذا حديث ذو شجون، دعني أتنهّد عميقا لأقول لك أنّ ما يحدث في الساحة الثقافية يجعلنا نطرح أسئلة كثيرة حول أسماء مبدعة جادة مغيّبة عن الساحة الثقافية وأسماء أخرى صنعها الإعلام و تواجدها في المركز أي الجزائر العاصمة و أسماء أخرى شرّفت الجزائر ووجودها جميل في المشهد الثقافي الجزائري، بل وتعدّته إلى العربية والعالمية. هنالك أسماء روادنا الذين نعتز بهم: مالك حداد، مولود فرعون ، مولود معمري، هنالك عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار وغيرها من الأسماء الكبيرة بأعمالها الخالدة و هاهي أحلام مستغانمي اسم كبير يثبت بأنّ الأعمال الجزائرية كبيرة وجميلة وإضافة مميّزة للأدب العالمي.
  • لعل هذا السؤال يقودني إلى سؤالك عن الرواية، كيف تصنع جميلة عوالمها الروائية، وماذا تضع نصب عينيها، القارئ أم الناقد أم ذاتيتها؟
  • الكتابة هي لحظة احتراق لنُبعث من رماد آلامنا وأوجاعنا و همومنا كطائر الفينيق تماما، هي لحظة تصالح مع الذات وهي أقرب إلى حالة المتعبّد في المحراب ، هي الزاوية التي نجلس فيها  إلى أفكارنا ونسمع صوتنا في صفاء تام متحدا مع أصوات الآخرين، حين نعود إلى الرواية الشهيرة العجوز و البحر للروائي الكبير الحائز على جائزة نوبل أرنست همنجواي تستوقفنا مقولة هامة وردت على لسان العجوز وهو يحدث الطائر : خذ نصيبك أيّها الطائر الصغير ثمّ اذهب إلى موعدك مع القدر كأيّ إنسان أو أيّ طائر أو أيّة سمكة. إنّها فكرة تبنى عليها رواية والرواية بناء متماسك، هذا العالم الكبير والجميل لروايات أرنست همنجواي وغيره من العمالقة الذين نطمح لأن نقدّم شيئا يذكر مثلما فعلوا جعلني أكون في كتاباتي أنا وليس شخصا آخر، أنا بالفكرة التي أبني عليها عالمي القصصي أو الروائي وأنا أنحت الطريق إليها بجملة من الأحداث تحرّك أبطالا يصارعون الطبيعة والظروف القاسية ويواجهون القدر لأخلص إلى الرسالة التي أردت أن أوصلها للقارئ منطلقة من مقولة أرنست همنجواي على لسان العجوز: الإنسان يمكن هزيمته، لكن لا يمكن قهره..
  • وأنا أقرأ روايتك “أوجاع الذاكرة” بدا لي عالمك متقاطعا بين الزمان والمكان ضمن ما يسمى بزمكانية النص، هل “الزمكانية” بالنسبة إليك تمثل جسد النص أم روحه؟
  • غالبا المكان في نصوصي هو الصحراء بكلّ ما يحويه فضاؤها من أسئلة مفتوحة على المجهول على الأسطورة على الألغاز  و قسوة الطبيعة والمناخ، الصحراء بكل خصوصياتها التي تنعكس على سلوك الإنسان و تتدخل أحيانا في قراراته و اختياراته، بل و تحديد مصيره وهو يواجه القدر من خلال الأحداث المرسومة في النص، و الزمن عندي ماض يؤسس للحاضر من أجل الانطلاق إلى المستقبل، وبالتالي هذه المعالم الزمكانية تساعد القارئ على التعايش مع الشخوص والدخول إلى عوالمها.
  • روايتك تحمل الكثير من الأسئلة التي تصب في سياق الذات الإنسانية وما تحمله من متناقضات التي تبدو كأنها نتاج عن بيئة الإنسان أكثر من كونها نتاج ثقافي. ما رأيك؟
  • الثقافة نتاج الإنسان وعقله المفكر المبدع و ذاته التي تتحسس الجمال وتعايش الأحداث وترسم المعالم للمستقبل فلا يمكن بأية حال من الأحوال أن نفصل في الكتابة بين الذات الإنسانية وبين النتاج الثقافي، الدكتور ناصر  بطل أوجاع الذاكرة استحضر جزئيات الثقافة الشعبية في بيئته متمثلة في لعنة الشجرة الغريبة بمدينة تابلبالة، واستحضر القصر العتيق لمدينة القنادسة بكلّ ما يمثله من بعد روحي لاحتوائه على زاوية الشيخ سيدي محمد بن بوزيان إلى  خصوصيات هندسته المعمارية التي تعكس ثقافة أهالي المنطقة والأسئلة التي طرحتها الرواية كانت تصبّ في هذا الصراع الثقافي بين التمسك بالأصالة والاستفادة من المعاصرة أو الانسلاخ كلية عن الجذور بدعوى التقدّم والتحضّر وما يتطلبه التمدّن.
  • هل ترين أن البيئة الجزائرية منغلقة على نفسها، لهذا يحدث الصدام بينها وبين (الآخر) التجديد والاختلاف؟
  • عكس ذلك تماما، ولا أرى اصطداما مع الآخر، الجزائري له الاستعداد للتعامل مع كلّ الأجناس والأفكار الجديدة لأنّه بطبعه اجتماعي متفتح على الآخر والدليل  على هذا التعايش الجميل بين العرب و الأمازيغ  في هذا الوطن الجميل في حين نسمع عن صراعات بين الأقليات و القوميات حتى في الدول الأكثر تحضّرا، الجزائري يقرأ للآخر و يتعلّم لغة الآخر ويتقنها وخصوصية الجزائري أنّه حين يتحدث بلغة أخرى تعتقد أنّه من ذلك البلد لا تفكر بأنّه جزائري إذا لم يخبرك و إذا تحدث بلهجة عربية أخرى نفس الشيء وهذه ميزة لا نجدها في شعوب أخرى كلّ هذا يجعل من البيئة الجزائرية بيئة متفتحة متصالحة مع ذاتها ومع الآخر رغم محاولات بعض وسائل الإعلام في دول ما لتشويه صورة الجزائر لا سيما في فترة المحنة التي مرّت بها الجزائر لكنّ الشعب الجزائري الأبيّ بدّد هذه الأوهام وفنّد هذه الأكاذيب بطيبته وتطلعه للتعرّف على الآخر والتواصل معه وبالانفتاح على الجديد والسعي الدائم للتجديد دون الانسلاخ عن الأصل.
  • دعيني أسألك عن خارطة الأدب الجزائري، كيف تنظرين إلى هذه الخارطة في ظل الواقع الثقافي الراهن؟
  • الجميل في بلادي هو هذا التنوع وهذه الفسيفساء التي تثري ثقافتنا فخارطة الأدب في الجزائر ثلاثية الأبعاد : أدب مكتوب باللغة العربية و أدب مكتوب باللغة الفرنسية و أدب مكتوب باللغة الأمازيغية.
  • لاحظنا ظاهرة الجزائريين الذين يتألقون في الخارج أكثر مما يتألقون في الداخل، كيف تفسرين ذلك؟
  • أفسّر هذا بالاستعداد الكبير لدى الجزائري للنجاح عندما تتوفر لديه الإمكانيات ويتوفر له المناخ الملائم للإبداع فإنّه يحقق السبق و التميّز.
  • لماذا يعجز الجزائري على فرض نفسه في الداخل، ويقدر على فعل ذلك في الخارج؟ أين الخلل في نظرك؟
  • أستسمحك فقط في تغيير الكلمة، هو لا يعجز و إنّما يُعرقل أي هنالك من يعرقل مسيرته وقد يقصيه تماما، و تقف العديد من الحواجز أمامه لتقول له: ممنوع أن تبدع، ممنوع أن تتميّز، غير مسموح لك بالتألّق لأنّك إذا حققت كلّ هذا أصبحت خطرا. هذه العقلية الغريبة التي تحارب النجاح هي التي تقف عائقا أمام الجزائري للأسف في بلده، لكن بمجرّد أن يخرج للخارج ويجد الفرصة متاحة فإنّه يُظهر كلّ إمكانياته وقدراته التي لا يملك الآخر إلا الاعتراف بها والغريب جدا أنّه بعد أن تعترف بالجزائري دول أخرى حينها فقط يُعترف به في بلده فلا نبيّ في قومه.
  • نتذكر أن رواية “ذاكرة الجسد” للروائية أحلام مستغانمي ظهرت للنور أول مرة في الجزائر في التسعينات، ولكنها مرت مرور الكرام، وعندما نشرت طبعتها الثانية في بيروت، تحولت الرواية إلى ظاهرة بعينها.. لماذا عجزت الجزائر عن التنبؤ بالظاهرة المسماة “أحلام مستغانمي” قبل أن تتنبأ بها بيروت وعواصم عربية أخرى؟
  • لأنّنا للأسف الشديد لا نملك آليات لصناعة النجوم في مختلف المجالات كالأدب والسينما والمسرح وغيرها من المجالات، نحن نصنع نجوما في كرة القدم فقط و لست ضدّ هذه الرياضة التي نحبّها جميعا، لكن من المؤسف حقا أن نعيش هذا الوضع الذي تغيب فيه استيراتيجية واضحة لصناعة الكتاب فالناشر يكتفي بالطبع فقط وينسى مهمّته  في الوقوف وراء صاحب الكتاب للتعريف به و توزيع كتابه و تلميع اسمه.
  • هنالك من يقول أن الجزائر تصنع الرواية، وتونس تصنع الشعر، والمغرب يصنع القصة، إلى أي مدى هذا الكلام صحيحا؟
  • المقولات كثيرة، المقولة التي تفرّق بين المشرق و المغرب و المقولة التي تحاول اختصار جهود المبدعين في جنس أدبي واحد، أعتقد بأنّ دول المغرب العربي قدّمت للعالم العربي والعالم ككل أسماء لها وزنها وإضافاتها في الشعر والقصة والرواية.
  • ثمة من يحاول إعادة مصطلح الأدب النسائي إلى السطح، هل ثمة حقا شيء اسمه أدب نسائي وأدب رجالي؟
  • الأدب إنساني وعندما ألقت الخنساء أشعارها في سوق عكاظ و نافست الرجال الشعراء، لم يقل أحد هذا أدب نسائي، بل قال أحدهم أنا أشعر الناس لولا الخنساء هذه ثقافتنا نحن العرب، أمّا مصطلح أدب نسائي فقد ارتبط بمطالبة المرأة الغربية بحقها في المساواة في الأجور مع الرجل و سمّيت الكتابات التي دعّمت هذا المطلب للمرأة الغربية بالأدب النسائي، إذن الخلفية هي اقتصادية بالدرجة الأولى وفي الحالة العادية الأدب هو إنساني  لا نفرّق فيه بين رجل و امرأة إلا على أساس جودة العمل الأدبي.
  • ظهرت روائيات جزائريات بقوة في الفترة الأخيرة خارج الجزائر وداخلها، هل لجوء المرأة إلى الرواية جزء من تعويض عن أشياء كثيرة بالنسبة إليها؟
  • أنا سأقول شيئا وهو بأنّ الرواية أصبحت جنسا أدبيا يُكتب بشكل واسع حتى أنّة يقول البعض عنها  الديوان الجديد للعرب الذين عُرف عنهم بأنّ الشعر هو ديوانهم، الظاهرة لا تخص المرأة فقط بل هنالك ظهور للعديد من الروايات يكتبها روائيون وروائيات و للظاهرة أسبابها قد يطول الحديث عنها لنقل بأنّ أهمّ هذه الأسباب في اعتقادي تعود إلى  التحوّلات الكبيرة في هذا العالم و على عدّة مستويات ممّا أثّر على الإنسان، على حياته، نمط معيشته، تغيّرت همومه و اتسعت دائرة تطلّعاته فأصبح بحاجة إلى فضاء يقول فيه أكبر قدر ممكن من المعاناة و لطرح أكثر الأسئلة إلحاحا، فضاء أكثر رحابة كان هو الرواية وهذا طبعا لا ينقص من شأن باقي الأجناس الأدبية الأخرى فلا يمكن مقارنة الشعر بالرواية الرواية جنس أدبي والشعر جنس أدبي آخر لا يمكن أن نضعهما محل مقارنة، لكن مثلما عدد الشعراء في تزايد ومثلما عرف الشعر تطورا في الشكل كظهور قصيدة التفعيلة والقصيدة النثرية أيضا الرواية كجنس أدبي تأخذ مكانة جيّدة  بين الأجناس الأدبية الأخرى.
  • ماذا تقول جميلة لقرائها؟
  • أقول في النهاية كم جميل أن نبوح للورق وأن يجد هذا البوح صداه لدى الآخر، هذه الكلمات تقتات من قلوبنا وأرواحنا فشكرا لكلّ من قرأ لكاتب حرفا، شكرا أخي كمال على هذه النافذة التي من خلالها أصافح الجميع بكل محبّة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق