ثقافة المقال

كنتُ في بغداد (10) أريحيات أهل بغداد

عدنان الظاهر*

إستأجرتُ أول سيارة تاكسي صباح اليوم الثاني لوصولي بغداد. إتفقتُ والسائق الشاب على مبلغ أجرته. تحركت السيارة تتعثر بين حفر الشوارع ومصدات السرعة ثم السيطرات. رأيت بعض الجند حاملاً جهازاً أسودَ بحجم مسدس أطفال من البلاستك له أنف أو خرطوم بطول 6ـ7 سنتيمترات. فهمتُ أنه السونار كشّاف الألغام والمتفجرات والعبوات ثم … الغيوب! لا مشكلة لدى السيطرات والجند فيها مؤدّبون حرفيون يجيبون السائل برحابة صدر. كنت كالغائب عن وعيه لا أعرف أين أنا أجهل ما حولي وفي أي إتجاه تسير السيارة. لازمت الصمت حسب توصية أقاربي فلا سؤال ولا تعليق ولا لسان يتحرك ( صاموط لاموط … ). فجأة توقف سير السيارات في الشارع ، أي شارع ؟ لا أدري. علّق السائق بالقول إنها الفلكة تأتي بعدها مباشرةً نقطة سيطرة. تكررت هذه الظاهرة مراراً والوقت يجري سريعاً ولديَّ موعد مع قريب ينتظرني أمام بيته في ساعة حددناها وأنا أجهل أوضاع السير والمرور في شوارع بغداد. أكثرتُ وأطلت النظر في ساعة يدي خوف أنْ لا أصل المكان في الوقت المحدد والوعد المضروب. لم يتوقف المُسجّل من قراءة المقتل وبعض الآيات القرآنية ودعاء لا أعرف عنوانه. جلست في المقعد الأمامي كالجرذ الخائف من أفعى تتربصُ به الدوائر. بل الجرذ أفضل حالاً مني لأنه يستطيع تحريك أذنيه أو بوزه أما المسكين أنا عدنان فأذنايَ ليستا معي أما البوز فجامد ساكن ميّت. وصلت بالطبع متأخراً كثيراً لكنَّي وجدتُ صاحبي مُسمّراً على الرصيف المترب ما زال في إنتظاري. مددتُ يدي في جيبي لأعطي سائق التاكسي حقه فبادرني بالقول : لا واللهِ ما يصير … خليها على حسابي. أعرف أنه كاذب لكنها حميّة المجاملة الكاذبة. لا واللهِ ما يصير … خليها على حسابي تكررت وكنتُ أسمعها عدة مراتٍ في اليوم الواحد في التاكسيات وفي المقهى وفي المطعم وفي بعض المحلات. أضحكني رجلٌ ذات يوم يسمونه ” المُعتَمد ” أي الرجل الذي يحمل البريد من دائرة لأخرى. أعطيته بعض النقود ليعجّل في نقل معاملتي من دائرة لأخرى. وجد عطيتي كبيرة فمسكني من رسغ يدي بقوة ثم قال : هيّا نأكل كباب! كان مطعم الكباب قريباً منا. ضحكتُ وضحكتُ . يدعوني على كباب من نقودي. على أية حال إنها أريحية وكانت دعوة هذا المُعتمَد دعوةً صادقة خرجت من لبِّ قلبه. هل كنتُ سأدعه يدفع حساب الكباب فيما لو جاملته وقبلت دعوته؟ مستحيل. أحببتُ سائقي التاكسيات أحببت فيهم البساطة والوضوح ثم الصراحة في التعبير عن شكاواهم مما يعانون. كانت نسبة كبيرة منهم من خريجي الجامعات العراقية ولا أملَ لهم في وظيفة لأنهم بلا سَنَد من أحدٍ ذي نفوذ والغالبية الكبيرة منهم متزوجون مع عدد من الأطفال. كنتُ أتضامن معهم قلبياً فهم بمثابة طلبتي في الجامعات وهم عائلون ومسؤولون عن أزواج وأطفال.

كبدة وطنية أم كبدة مستوردة ؟

أنهكتني ذات يوم مراجعات الدوائر الحكومية فقررتُ أنْ أرتاحَ وأنْ أتناول شيئاً من الطعام البغدادي. تمشيتُ قليلاً وحقيبتي الجلدية في يدي أتداولها يمنةً ويَسرةً فقد غدت عبئاً ثقيلاً عليَّ لكنْ لا بُدَّ منها ففيها كافة الوثائق والمستندات والصور والكتب الرسمية القديمة التي تعود لحقبة سبعينيات القرن الماضي. رأيت مطعماً تغطي واجهته الزجاجية الأمامية صورٌ لما يقدّم من أطباق الطعام. كانت الكبدة المشوية [ معلاك ] من بين المعروض من أكلات. إستقبلني رجلٌ ملتحٍ مُتّشحٍ بالسواد من يافوخه حتى أخمص قدميه. سألته هل تقدمون كبدة مشوية قال أجلْ. سألته أهي كبدة غنم أم بقر ؟ قال كما تحب : لدينا كبدة عجل عراقية ولدينا كبدة خراف مستوردة لكنها غالية. جاءتني الكبدة فأكلتها ولا أدري أهي كبدة بقر أم غنم؟ شربتُ الشاي واتجهتُ نحو الرجل المتشح بالسواد لأعطيه ثمن ما أكلتُ. رفع صوته : لا واللهِ ما يصير… خليها على حسابنا. شكرته بحرارة وصدق على دعوة منه كاذبة. خليها على حسابي! لا يشذُّ عن هذه القاعدة أو التقليد إلا باعة الخُضرة والفاكهة والقصابون من بين آخرين سواهم. لم أسمع من بائع فاكهة ( فكهاني بالمصرية ) جملة خليها على حسابي ولا من جزّار. خرجتُ مرةً من ديوان وزارة الصناعة والمعادن وقد هدّني التعبُ والجوع. سألت أحد العسكر من جماعة السيطرة وتفتيش المراجعين ألا من مطعم قريب فأنا جوعان؟ تبسّم الرجل الشهمُ وقال تفضّل معي وشاركني غدائي. شعرتُ حينئذٍ بنوع من الفخر والسمو الإنساني أنْ لم يزل في دنيانا رجالٌ خيّرون. وددتُ لو أعطي هذا العسكري البسيط والرشاشة على كتفه كل ما معي من نقود. تأسرني إنسانية الإنسان بل وتجعلني عبداً لمن يُحسنُ إليَّ. كانت تلك دعوة حقيقية أعرفها لدى رجال قبائل الفرات الأوسط وفقراء المزارعين والفلاحين. لا والله ما يصير … خليها على حسابي . لا تفارقني هذه الجملة وسوف لن تفارقني أجد فيها نكهة خاصة وأثراً خاصاً وبقايا تأريخ أفتقده بين حين وآخر ذاك لأنني أُضطررتُ على مغادرة بلدي وأهلي وبيتي ونبيل العادات وراسخ التقاليد.

درجَ بعض سوّاق التاكسيات على إعطائي أرقام تلفوناتهم لأناديهم في حال الحاجة لسيارة تاكسي فتراكمت عندي وريقات كثيرة لم أفدْ من أيٍّ منها لأسباب أمنية حسب إشارة الأقارب. أضحكني مرةُ سائق تاكسي شاب وسيم أنيق حملني من بوابة مجمع الجادرية حيث رئاسة جامعة بغداد وعدد من الكليات ثم وزارة العلوم والتكنولوجيا. حدس أن لي صلة أو علاقة ببعض هذه المؤسسات فسألني هل أنا مغترب وجئتُ أطالب بحقوق ضاعت مني أو ضُيّعت عليَّ ؟ راوغتُ وناورت ولم أقلْ الحقيقة. لم ييأس هذا الشاب فعاد يسأل ويطيل ويقترب شيئاً فشيئاً من واقع وضعي وكان حاد الذكاء. أذعنت أخيراً واعترفت له أنْ نعمْ، أنا متغرّب ولي حقوق. فاجأني بقوله إنه مستعد لمساعدتي في أي أمر أشاء. سألته بتحفظ ومن تكون حضرتك حتى تعرض مساعدتك عليَّ؟ جاءت المفاجأة عالية الصوت. قال إنه عسكري يخدم في حمايات كبار المسؤولين في الدولة العراقية وإنه بهذا قادر على الوصول لأيِّ مسؤول في الحكومة. هل أصدّق ما قال أم أشكره وألوذ بالصمت؟ زاد فقدّم لي إسمه ورقم تلفونه المحمول. جندي حماية يعرض خدماته على رجل مثلي لم يسبق وأنْ تعارفا ثم هل كان عرضه لوجه الله أم مقابل هبة أو أعطية أو رشوة ؟ لم أسأله لأني أساساً ما كنت معنيّا بما قال ولا مُصدّقاً لما قال. أي زمان هذا يا بغداد هرون الرشيد ومنارة المجد التليد؟ لا واللهِ ما يصير… خليها على حسابي ! قالها ، أجل قالها هذا السائق العسكري الوسيم وقد بلغ بي باب بيت أقاربي لحظة أعطيته الأجر المتفق عليه. تتوقع هذه الفئة من الناس الطيبين أنَّ مَنْ تعرض عليه هذا العرض المجاني السخي سيزيد من مقدار الأجر المتفق عليه بل ويبالغ في الدفع وهذا ما يقع في حالات غير قليلة معي ومع غيري.

نقلني من باب الصُدفة المطلقة صاحب تاكسي مرتين قال إنه من طويريج [ قضاء الهندية ] آنسني بحلو أحاديثه وكان متحدثاً بارعاً ذا ثقافة واضحة ظل طوال الطريق الطويل يتحدث طارقاً شتى أشكال المواضيع كانت السياسة على رأسها وكان شديد التذمر من واقع الحال في العراق. بقيت حذراً سواء في ردودي أو تعليقاتي وأسئلتي. تنبّهتُ أنه ينبش ليعرف هدفاً معيناً فحواه مّنْ أنا ولماذا أنا في تلك المنطقة ؟ قال إنه لم يَرَني قبلاً والحيُّ حيّه. زاد من فضوله السرطاني رؤيته لحقيبتي اليدوية المنتفخة بالأوراق وربما أناقتي وما أرتدي من ملابس غريبة عليه وعلى بغداد. آنستني أحاديثه في البداية لكنها غدت مُملّة ثقيلة سمجة فيها الكثير من الفضول ومع تزايد وتائر فضوله كنتُ أزدادُ تحفظاً منه وانكماشاً بناءً على ما نصحني به الأقارب بالحذر فبعض سائقي التاكسيات أرهابيون وقتلة وسماسرة للإرهابيين وزمر الخطف إبتغاء الفدية وإلاّ القتل والتمثيل بجثة الضحية وتقطيعها إرباً إربا. حتى هذا الرجل الثرثارعالي الثقافة قالها بحرارة : لا واللهِ ما يصير … خليها عليَّ . معروف أنَّ في الدولة مخبرون رسميون مدرّبون فهل في أوساط سائقي التاكسيات عناصر منهم ؟ لِمَ لا يا رجل، الحكم هو الحكمُ والحكومات هي الحكومات منذ القِدم وقد كانت للسفاح الحجّاج بن يوسف الثقفي شرطة علنية وأخرى سريّة. مضى الحجّاجُ لكنَّ السريّة والأجهزة السريّة والعادات السرية والمنظومات السرية والدول المبنية على عناصر الأمن والشرطة السرية ظلت بعده باقية كأنها تُخلّد ذِكره الخبيث وتقيمُ النُصب العالية لتمجيد وتقديس سريّة الدول فبقاؤها في سريّتها وسريّتها حبلها السرّي الذي يضمن لها البقاء والديمومة . كان هذا شأن ثلاثة أنظمة عربية للحكم وثلاثة رؤساء عرب هم صدام حسين وزين العابدين بن علي ثم حسني مبارك . ما كان صدّام حُسيناً ولا كان التونسيُّ عابداً ولا زينةً للعابدين وأخيراً هل كان الرئيس المصري السابق مُباركاً وهل كان حَسِن السيرة والوطنية والسلوك ؟ ستقرر المحاكم المصرية مصيره قريباً وربما ستنكشف بعد ذلك سرقاته وفضائحه المالية للملأ .

*كاتب وناقد عراقي مقيم في ألمانيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق