قراءات ودراسات

وطن من زجاج: تراجيديا السياسة والحب والإرهاب

سمير أحمد الشريف*

إذا سلمّنا أن الرواية محاولة لاكتشاف أسرار الألم الذي تعيشه المجتمعات وأنها واحدة من الأساليب الجديدة التي نطرح من خلالها الأسئلة، فإننا في رواية (وطن من زجاج) نسمح لأنفسنا بالدخول لفضاء هذا النص من خلال جملة الافتتاح الرئيسة ( كيف نحب وطنا يكرهنا ). هذا الجهد السردي الواضح في رسالته  السياسية الفنية حد الغموض ، يجسد تجربة إنسانية بعيدا عن التشخيص والأنسنة،  نص مشذب بلا ترهلات ينضح بحرارة التجربة ويرصد اللحظات بجمالية ملونة بفلسفة لها مذاق خاص . نص ، يمكّننا بجلاء  من رصد الإيقاع الداخلي الرصين الذي يتكئ على تدفق شعوري داخلي ومعادلة لغوية توصل أغراضها . تشتبك في طرح مضامين هذا النص وتتضافر وسائل عديدة كلغة العين واللمس والسماع ، بارتقاء لغوي يطرح رسالته الفكرية مغمسة باستنارة تصل حد الاندماج ،ليظل الكثير مما لا تقوله الكلمات تتعمق في ثنايا السطور وتنادي المتلقي لقراءتها وتشربها من جديد.

 

يدخل بنا النص في متاهة الوطن الذي استقل و مزقته يد التخريب بالاغتيال والقمع والبيروقراطية. (عمي العربي) الشخصية المحورية التي تحيا على الحكايات في جلساتها في المقهى  ، بكل دلالاتها ورمزيتها ،والتي أخذ منها الوطن الكثير  وتركها مهمشة مقعدة لا يلتفت لها أحد غير تعويض تافه يأتيه شهريا والذي أصبح مستقبله في ذاكرته فقط .

( وطن من زجاج) مقاربات للإنسان في أحلامه وواقعه وتوحشه ورغبته بالقتل، وحكاية المواطن الذي ضحى بنفسه من أجل مبدأ مزيف، إلا يكفي القول (جاء الاستقلال ولم يأته أحد؟).

تتجول بنا الكاتبة عبر أرض ملغومة بالموت لنجد صوت الراوي (الرجل) يتعرف على نفسه من خلال الجد (الحاج عبد الله) شبه الإقطاعي وعلاقته المتواطئة مع رئيس البلدية  وهروب والد الطفل تحت تسليط الأضواء على الآخر بمرآة عاكسة من خلال شخصية المهدي زميل الدراسة ، مصورة ملامح الفساد  بتصرفات أبناء المسؤولين ومعّرية عجز السلطة  (ها أنتم تنقرضون في وطن تعتقدون أنكم تدافعون عنه عبر صحافة يعشش فيها الدود144).

(وطن من زجاج) رواية العنف السياسي و الحب بين أحضان الإرهاب ، شخصياتها مبدئية  مثقفة معزولة ، تطرح حاجة الإنسان للتخلص من الظلم ومأساة المثقف المنحدر من الطبقات الوسطى المتمسك بمبادئه (عشت أبحث عني في تفاصيل مدينة اكتشفت أنها لا تعنيني…ثلاثون عاما من الكذب والانكسار أمام تاريخ لا يقول الحقيقة لأنه قابل للتزوير ولأن التاريخ الذي يكتبه الشهداء لا يمكن قراءته خارج الشهادة ).

وطن من زجاج، صرخة امرأة في واقع سلبي وإدانة للسلطة التي تقف وراء الجحيم لأنها ترى مصلحة السلطة في بقاء الإرهاب والفقر والجهل، رواية تغرق في الحزن والخوف والدموع والرحيل والغياب واليتم الذي يجمع بين جيلين، الثورة  والاستقلال (عمي العربي والنذير). رواية تفوح منها رائحة الوطن المغتال ونزيف الجرح وترسم بها الكاتبة مرحلة سوداء من مراحل الوطن الحديث( من يجرؤ على القول انه تعلم من الأوطان  شيئا غير الخوف؟) عندما يكون الموت برنامجا سياسيا!!

من يقرر حق المواطنة بين الموت قتلا أم الموت حزنا؟

يحتوي النص على بنية السرد الغنائي بما يمتاز به من انسيابية وتوظيف للتقنيات الجديدة وخروج على المألوف .

لا يمكن الجزم أن الرواية تقع في تماس مباشر مع (كولن ولسون) في (القفص الزجاجي ) وتظل مجرد فرضية تحتاج لبرهان غير أن المشترك بينهما ويؤكد اتصال الأولى بالثانية بروز عدة محاور كالقتل والجريمة والكراهية والصراع النفسي والإحساس بوجود خطأ في العالم ومحاولات لفهم  العالم المعاصر وطرح أزمة الإنسان في عالمين مختلفين.

تحمل الرواية على الصحافة  المأجورة التي تزيف الوعي والحقائق وتبيع الناس الوهم…( تعمل في صحافة تأخذ راتبك من مدح الحكومة؟ لم يكن يخرج منذ صارت مهنة الصحافة سببا مباشرا للموت127… جريدة مستقلة؟وافقت كي لا اقف على الهامش فارغ اليدين وكي اكتب شيئا حقيقيا لا يحذفه أحد67…استغلت الصحف القضية لتبيع الأزمة في أعدادها اليومية فالموت تجارة مربحة  والناس يهربون من رعبهم بالقراءة   74).

للموت واليأس في النص مكان كما لنقد الثورة  وفلسفة الخيانة وهجاء المدينة واجتراح الأسئلة المدفونة أبدا في قلب لن يتحرر من عقدة المدينة والمكان الهباء7.

وكما لجدوى الكتابة وعدمها حظ هناك فإن لرثاء الوطن أيضا حيز بارز، وكما للصراع النفسي في أعماق الشخصيات وجود فكذلك لفلسفة الزمن  ولدور المعلم الضائع والطفل المغامر  الفاقد للحنان إضافة للمحاكمات الجذرية  الكثيرة  التي يعقدها النص (كنت أتسائل عن قيمة الوطن الذي نعيش فيه ما الوطن؟ما الإنسان؟ما القيمة من يقدر على تحديد هذه المفاهيم؟

هل يكمن الإنسان في المبدأ ؟

وهل ثمة مبدأ لم يعد متورطا في مصلحة؟

ألم يعد الوطن نفسه مصلحة كبيرة؟ حين يلفني الوطن في هالة من الخوف فكرت أن الحلم أبقى من واقع يقتل الأحلام عمدا، وان عزائي في قدرتي على القول أن الذاكرة تحتفظ برائحة  الأماكن  بنفس الوفاء الذي تحتفظ فيه برائحة الاشخاص65.

(ياسمينة صالح) تعتبر من جيل الاستقلال الثاني بعد ( مستغانمي وواسيني الأعرج والطاهر وطار )، تكتب ضد الرداءة ، والدها وخالها وعمها  كانوا من رجال الثورة وهذه المحطة شكلت الكثير من الإرهاصات  التي مهدت لكتاباتها الوطنية، ترى أن الوطن ليست هي الوطن بل الأمل والإنسان، لهذا يسجل لكتاباتها  الغوص في أوجاع وانكسارات الوطن والإنسان والأرض والدولة والتاريخ بلغة شاعرية جميلة شفافة عبر رؤية شبابية تتوزع بين حب الوطن والإحساس بالضياع داخله، لهذا جاءت (وطن من زجاج) صراع حاد بين الأرض والحب والشتات والحزن بلمسة نقد لاذعة للثورة التي تأكل أولادها.

تستبطن ياسمينة صالح الذكورة في روايتها على لسان الرجل موظفة السارد المحايد في النص دون أن نلمس أثر الكاتبة الحياتي فتشكل بذلك حضورها الغائب.

للكاتبة قدرة على الإمساك باللحظات المدهشة في حيوات الأشخاص وتحولاتهم بأسلوبها السهل الممتع وطرحها المقنع وانتصارها للغة العربية بتوظيف لغتها الشاعرية الراقية.

رغم تناول المؤلفة لموضوعات الوطن بنظرة فيها من السوداوية القليل إلا أن نصها مشبع بالأمل الذي يعكس عمق تصالح الراوي مع الحياة…الوقت يمضي نحو ذلك الغد الذي لم أعد قادرا على الكفر به بعد اليوم….لم يكن ممكنا إلا أن أكون استثنائيا من جديد وأن اكتب افتتاحيتي هذا المساء حتى ينتصر الحب على سوداوية الكون والمدينة والأشياء، لكي ننتصر على القتلة –على الذين يتربصون بي أيضا دون أن يعرفوا أنني أبقى لإجلك ولإجل أن أعيش في وطن وجدته فيك.

وبعد ، فقد قلنا الكثير عن هذا النص الماتع وبقي الكثير الكثير الذي يستوقف المتلقي .

لنتذكر هنا أن أفضل تقدير للنص معاودة قراءته ومحاورته وتقليب وجوه الفكر في أبجدياته.





ـــــــــــــ

* كاتب و ناقد أردني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق