ثقافة السرد

يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائهًا (الجزء 3)

نبيل عودة

حوار

-اريد ان اقول لك شيئًا ولكن بشرط ان لا يضايقك؟!
-ابدًا. قل.
-لا تربطني بك علاقة خاصة.. كل ما هنالك صداقة جيران واحترام متبادل؟!
-تمامًا!
-ولكني اتضايق عندما تتحدثين مع غيري!؟
مبتسمة:
-هذا تطور خطير لم اتوقعه.
-لا اريد ان تفهمي كلماتي الا كما هي فقط ، وبدون زوائد.
صمتت وقامت تحضر شايًا، وصلني صوتها من الداخل:
-انا اعرف ان الشرقيين ذوو تفكير حار كمزاجهم الحار ولذلك اصارحك باني في الفترة الاولى كنت اخاف ان تحاول الوصول اليّ، لكنك لم تفعل.
-لا اريد ان تفهميني خطأ.. انا احترمك جدا.
-ولو… الاحترام لا ينفي تبادل الحب!
-اني اصارحك اكثر.. إذا قلت لك أنى لا ارغب بك اكون كاذبًا.
-لا ضرورة لقول ذلك! اعرفه….

الحديث الجنسي دائمًا يربكني. يكشفني ويجعلني اقول كل ما لدي دون تغطية. قدمت لي فنجان شاي، ووضعت بعض الكعكات امامي.
-تفضل.
-شكرًا..!

أمور يجب ان توضح عن فترة ماضية

أنا عازب.
في الخامسة والثلاثين من عمري.
فشلت في حبي الاول.
وصدمت في عربي.
فشلي في الحب جعلني أنسى نفسي لعقد كامل.
جعلني اضيع في متاهات المدن الكبيرة.
حيث دخان المصانع يتساوى مع الناس.
وازداد ضياعي بصدمتي في عربي.
فانتهيت وانا موجود.
وعلى ضفة النهر استقر بي الضياع.
وكانت السنوات تمر.
والماء يجري.
والوجوه تنعكس.
والدنيا تتغير.
وانا كما كنت.
ولا أزال.
اعيش حياتي بلا معني.
واقطع العمر بلا هدف.
النهر يجري لهدف.
هدف واضح محدد.
لا يحيد عنه ابدًا
يجرف في طريقه كل العوائق.
وانا على ضفته جامد.
لا ارى نهاية لحالتي.
ولا ارى بداية لشيء جديد.
اجل.
كان النهر يجري.
والحياة كانت تجري ايضًا.
وبقيت أنا…

**
منذ وقت طويل لم اذهب الى النهر ولا اشعر بشوق اليه. في ايام السبت ارافق “شولا” وامها الى البحر. بعض الجيران يثيرون حولنا الشبهات. ولكن لم نلتفت لذلك. فنحن مقتنعان بسلامة علاقتنا. كانت “شولا” تعاملني كما لو كنت ابًا لها. وقد أطربني شعور الابوة، ولو انه غير أصيل. وفي تلك الفترة بدأت أنسي حبي الاول، أصبح ذكرى تبعث على الابتسام. عشر سنوات عشتها في ظل ذلك الحب والآن في اقل من نصف سنة أنسي كل شيء. فترة شبابي الاولى فقدتها تحت تأثير صدمتي بحبي. عشتها وحيدًا ضائعًا معقدًا لا اعرف ما اريد من وجودي.

حوار

-حالنا اصبحت مضحكة.
-هكذا نحن مرتاحون، الا اذا كان هناك ما يضايقك.
-لو كنت اختي، هل كنت اقبل تصرفك هذا؟
-انا في الخامسة والعشرين ولا سلطة لاحد علي…
-ولو…
-المتحرر يتحول الى رجعي. اين نقاشاتك السابقة؟
-عقليًا اقبل ذلك، وعاطفيًا ارفضه.
-نجنا يا ربي من العواطف الشرقية.
-بدأنا بمعالجة شولا، فعالجنا انفسنا.
-كان ذلك من متطلبات العلاج لها، الا اذا ندمت.
-ابدًا، ولكنا لم نتهور… ليس من طبيعتنا.
-ولكن عواطفنا تحن اليه.
-انت غريب، لا اعهدك تتحدث بهذا الشكل؟.
-الرغبة مجرمة!!
-هل تعني ما تقول؟
-أعنيه قولاً فقط، لا فعلاً.
-تعتريني نفس الحالة، ولكني احافظ على حبي لزوجي . لذلك ارتاح معك كثيرا. فأنت تقدر ذلك وتحترمه.
-لا تنسى اني عربي لا يؤمن له جانب كما يقول كباركم؟!
-هذا لا يعنيني اطلاق.
-واذا صارحتك باني اتمنى ان يحرر العرب اراضيهم المحتلة!
-لا ارى غضاضة ان ننهزم نحن لينال الآخرون حقهم.
-عشر سنوات حتى سمعت منك هذه الجملة.
-هل تريدني ان افقد شولا ايضًا بسبب ارض لا اعرف ما يربطني بها، أحن الى فرنسا، هناك وطني الحقيقي.
فاجأتني بجوابها، فآثرت الصمت، وجملتها تضج في دماغي.
***
قمت بزيارة الى مدينتي. شعرت نفسي كالسائح. لمحت حبيبتي السابقة ولم اكترث كثيرًا لذلك. كعادتها ستتجاهلني. ولكن هذه المرة تنظر الي ولا تتجاهلني.
ترى هل ملت من زوجها؟
تذكرت قولاً لا اعرف صاحبه وهو ان المرأة تختار زوجها كما تختار فستانها. ترى الفستان الاول، تجرب الفستان الثاني وتشتري الفستان الثالث، لكن يبقى عقلها متعلقًا بالفستان الاول.
لم أستطع البقاء طويلاً. فما هو الا نصف يوم حتى كنت في الطريق خارج المدينة.

حوار

-متى عدت؟!
-لتوي قد وصلت.
-قلت انك ستقضي يومي العيد مع اهلك؟
-لم استطع البقاء اكثر من نصف يوم!
-هل التقيت بها؟
-رأيتها فقط.. وشعرت انه قد يحدث شيء لو بقيت…
-خيال شرقي!!
-اذن اشتقت لك ولشولا، فعدت!
-فعلت حسنا بعودتك.

في تلك الليلة بقيت حتى ساعة متأخرة. جرنا الحديث أو انجررنا اليه … أفرغنا آخر كأسين من قنينة ” الكابرنيه ” وكان طعم النبيذ المز المعتق يضفي على ثرثرتنا جوا شاعريا. لا أذكر شيئا من ثرثرتنا. كان صمت الليل يبعث في جسمي ما يشبه الدغدغة. وكنت مترددا ومندفعا، راغبا وخائفا. ارى الثمرة ناضجة وشهية ولا أجرؤ على قطفها.
نامت “شولا” ولم اشعر بالرغبة في الذهاب. وهي ايضًا لم تشعرني بضرورة ذهابي. كنا نريد ان نتحدث حتى الصبح. وتحت هذه الرغبة الشكلية كانت تستتر رغبة أخرى مشتركة. ولكني توجست من الاقدام. وقلت لنفسي ان الخمرة اثرت على اعصابي ويجب ان اتماسك. أما هي فكانت قد استعادت كل حيويتها التي فقدتها بعد مصرع زوجها. هذا الايحاء المجنون يخدرني … أشعر به؟ أجل. ولكني لا اريد ان أفقد الحلم الذي يراودني …

حوارية مشوشة بالخواطر

-تشرب شأيا أم قهوة؟
-قهوة بالهيل.
-حسنا.
صمت مشبع بالتخدير.
-ما الساعة؟
-الواحدة صباحًا.
-ارجو ان لا اكون قد ضايقتك؟
-ما كنت اعرف كيف سأقضي هذا اليوم.. لولا عودتك.
-اشكرك.
رشفات صامتة من فنجاني القهوة.
-لماذا تصمت؟
-تحدثنا عن كل شيء … وأشعر اننا لم نتحدث عن شيء.
قلت لنفسي: دعوة جريئة للأقدام. قلت:
-شكرًا على القهوة. آن لي ان أذهب؟!
-اذا اردت البقاء باستطاعتك ان تبقى. انت لا تضايقني. وغدًا هو السبت، نستطيع ان ننام حتى ساعة متأخرة.
تثلجت أطرافي واعتراني اخضرار. شعرت أنى لا الامس الأرض بقدمي.
قلت لنفسي: قالت نستطيع ان ننام وتستطيع ان تبقى. ارتبط البقاء بالنوم او النوم بالبقاء. هل هي الخمرة أم الرغبة الصادقة الطبيعية في كل امرأة وكل رجل؟
-لا أملُ في الجلوس معك. ولكن الجيران تتطلع.
-سأطفئ الضوء وأبقى ضواء خافتا. صمت موحش، ضوء خافت وجو تسمع فيه الانفاس.
-ستبقي أليس كذلك؟ هل استطيع ان أقفل باب البيت؟!
بقيت صامتًا أعالج رغبتي كي لا اندفع كالثور.
اقفلت بالمفتاح دون ان تسمع موافقتي، كأنها تعلم الجواب مسبقًا.
الان بات واضحًا انه لا مجال للتردد.
كم هي ثقيلة هذه اللحظات وكم هي جميلة وباقية في البال.

****
كل بضعة اسابيع كنت أحن لزيارة النهر. فأخرج برفقتها ونجلس ووجهانا منعكسان على صفحته. كنا قد اتفقنا ان تكون علاقتنا ملك ارادتنا حتى لا نواجه صعوبات ما. وقد رضيت بذلك لعدم رغبتي في الزواج، وعدم اقتناعي بالزواج المختلط خاصة. قلت في نفسي انها جميلة وأنثى كاملة. ولكني عربي ومتمسك بعروبتي. وقد بدأت استعيد بعض الوعي أثر الصدمة الوطنية قبل أكثر من خمس سنوات. وزواجي منها غريب على نفسي اذ سيشعرني ذلك – رغم انسانيتها – بأني تابع. نحن هزمنا وهم انتصروا. صحيح ان بعض النصر شر من هزيمة ولكن اسمه يبقى انتصارًا. والقانون يضعها فوقي ويضعني بالدرجة الثانية، فكيف اتزوج من امرأة كل مراكز القوة مضمونة لها إذا ارادتها؟

التحول

منذ اسبوع والمعارك لا تتوقف. كنت أضمها بحب والحزن والخوف الشديد يعتريانها. احيانًا أصيح بها:”احبك”. احملها بطاقة وقوة غريبتين، كانت تفهم حقيقة مشاعري ولم أخفها. وكثيرًا ما قلت قبل انفجار الحرب بأن عناد إسرائيل سيفقدها كل ما كسبته بغفلة من الدهر. لقد اقتنعت في لحظة أننا أكثرية ولسنا أقلية في هذا المشرق.

حوار

-ان القادة يجب أن يدفعوا ثمن هذه الغلطة.
-ذلك لا يرد الاموات الى الحياة.
-على الاقل ليعترفوا بخطاهم!
-هناك أخطاء ممنوع على من كان في مركز قيادة ارتكابها، خاصة اذا كان الخطأ مميتًا.
-والحل؟!
ابتعدت عنها ووقفت اتأمل المدينة الغارقة بالظلام.

الصعود في عرس تشرين

تعالوا من أطراف الأرض الاربعة
من الصحراء والبحار
من الجبال والوديان
تعالوا مع خفقات الحب الاولى
المرتعشة في قلب عذراء
تعالوا مع دمعة فرح تسقط كالبلور
من وجنة امرأة
لتوها قد صارت أمًا
تعالوا مع نسيم ليلة صيفية
ومع رياح البرد القارص
تعالوا حينما تسطع الشمس
وحينما يضيء القمر
تعالوا في الليل وفي النهار
حفاة عراة… تعالوا
واستحضروا على معدات الهدم
ومعدات البناء
فنحن على موعد
مع الصعود الخالد
الى اعلى…
حيث نخضع لمشيئتنا
حركة هذا العالم!!

حوار

-المعارك انتهت، واشعر اني كالمهاجر العائد الى وطنه. غدًا سأسافر
-هل ستتأخر هناك؟
-هذه المرة أنا عائد عودة حقيقة.
-هل تنوي الاستقرار هناك اذن؟
-لم أعد احتمل البقاء بعيدا.
-اني أفهم مشاعرك. ويؤسفني بعدك عني.
-الواجب يحتم علي ان اقترح عليك الزواج؟
-الواجب؟!
-كنت دائما صريحًا معك. ولن اقول غير ما اعتقاده.
-علاقتك بي كانت مجرد واجب؟!
-لا تفهميني خطأ. علاقتنا هي حب حقيقي، ولا تخلطي الحب بالزواج.
-أذا لم يؤد الحب الى زواج فلا معنى له.
-ألا ترين معي أن زواجنا معناه مشاكل لنا ولشولا وربما لأولادنا، أذا رزقنا بأولاد؟
-انت تدعي الثورية.
-الثورية ليست ان أضرب رأسي بالحيطان، عندها سأفقد رأسي، الحل هو أن أشغل رأسي في البحث عن شكل أهد به الحيطان دون ان افقد شيئًا.
-اتركني من الفلسفة الان، ان علاقتي بك هي الشيء الوحيد الباقي لي في هذه الدنيا.
-العلاقة ليست خطأ. كانت منفعة متبادلة لكلينا.
-وانتهت؟
-أنا لا أفكر بهذا الشكل.
-ليس من السهل ايجاد صديق مثلك.
-عودتي الى اهلي لا تعني نهاية ما بيننا من صداقة. أنا اقترحت عليك الزواج، لان واجبي يحتم على ذلك.
-اقترحت وانت تعرف اجابتي مسبقًا، بل انك قلتها.
-لذلك اقول الواجب، واذا اردت سببًا آخر فهو الحب. ولكن في مثل حالتنا الواجب هو العامل الاول.
-العاطفة الشرقية تتحول الى عقل؟
ارتمت فوق صدري. فضممتها بقوة. قالت من بين دموعها.
-كنت انتظر يومًا كهذا. ولكني لن اندم أبدًا على علاقتي بك. كنت اعرف أنك تستعيد ذاتك، أردت لك ذلك بكل أحاسيسي. لكن الانسان يصعب عليه التنازل عن شيء اعتاضه وأحبه، خاصة إذا كان هذا الشيء علاقته بإنسان آخر.
كانت الشمس تغيب، وكان الغبش الاحمر يملأ الأفق.

الختام
قلت لنفسي: سبحان مغير الأحوال. قبل أكثر من عقد صدمت بحبيبة لوعني حبها فلم أر الدنيا الا عبر آلامي. وصدمت بعدها بعروبتي فانغلقت كل الدنيا بوجهي وتهت. واليوم، وعندما استعيد ثقتي واعتزازي بعروبتي، اترك حبيبة ببساطة لان المنطق يقنعني بعدم جدوى العيش معها، فهل أستطيع اليوم ان أتذكر حالتي الماضية، تائهًا. خائفًا. غير مستقر، دون ان يثير ذلك ضحكي؟

(من الدفتر القديم – كتبت بعد حرب “رمضان والغفران” في اكتوبر 1973 – والذي كثرت بعدها ” انتصاراتنا ” !!)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق