ثقافة السرد

فصل من رواية : “الأزمنة المتداخلة”

محيي الدين كانون

بوصلة الزمن

” مزاجك بوصلة متحركة بين صحاري و بحار و ما فوقهما . الريح مهمازك والسكون مطيتك .. أما الليل وتدرجه لونك وبصيرتك .. والنهار سعيك وتجربتك التي لا تنتهي..، وستظل دائماً تبحث عمّا هو خار ج الليل وخارج النهار .

* * *

سيارة نوع كلاسيك قديمة ، خردة ، أنتهى عمرها الحقيقي ، لكنها رفيقة دربه ، تصعد أعاليه وتنزل منحدراته.وحين تستسلم لامتداد الطريق في بداية ألفي كيلومتر، وتسلس الطريق تكون عجلات ذهنه ومخيلته أثنائها ممزوجة بين فكرة وفكرة كتجليات السحب المتجمعة في السماء ، لكنّ الصغيرتين لا تبرحان مخيلته أبداً إلا بيسر رقيق ، وبرجاء فى داخله جارح كحد الشفرة ،وبقتامة كحد الفجيعة، ويتسائل : “أتعرف صغيرتي معنى الوداع فى غسق الغروب ؟! وهى ما ترال رضيعة في شهرها الثامن..” المسكينة لا تكفُّ عن الابتسام العذب له تخفيفا للحظة الوداع .

كان (كريم ) متسربلاً ببنطال كحلي فضفاض، يكاد يقع من خاصرته على الرغم من مشبك الحزام الجلدي , نحيف بدرجةٍ فادحة وقامته مرتفعة كشوكة النخيل جافة لوحتها الشمس، برنزي البشرة فى ملامح زنجية متوارية ، هجين بين عرقين لا يلتقيان في لون واحد مقفل ، كأنه أنتسب لمواليد ما قبل فجيعة الحرب الكبرى ، كأحد فقراء تاريخ ؛ ذاك الجيل حيث أرضه مستباحة لصراع قوى دولية شرسة ، وهو لا يدرى بسذاجة قروية لماذا كل هذا يحدث من حوله ؟! والقوم لا يكادون يجدون ما يقتاتونه من قوت يومهم ، ويتكففون به من معونة ؟! لماذا صراع الديكة هذا البائس ؟! لأضغاث أحلام بضعة جنرالات فى صالات دافئة بالمخمل والنبيذ والفستق… أتعرف الصغرى دهشته وذهاب خياله لفساد أمكنة التاريخ ؟! حين يقارن حاله بذلك القروي الذى دُمر بيته بين ديكي دولتين حديديتين تتصارعان على حبة قمح أو بضعة أمتار يسمونها فى ذلك الزمان استراتيجية كخارطة بجيب جنرال حرب ؟! …

الآن بدأ كريم يدرك معني الهجرة والانتقال من مكان إلى مكان….، وهذه المسكينة من نسله من حاله ، ومن حال ذلك القروي وهى تنوس بساقيها الصغيرتين على خاصرتيه قبل الوداع النهائي ، وبعينيها الصافيتين صفاء الثلج المعلقة تارة فى ذاك الأفق البعيد ، وتارّة أخرى تمسح كيانه الداخلي بسنا سنها اللبّنية اليتيمة كحبة الأرز البيضاء بينما المقود يترنح بين يديه القويتين البرنزيتين على الخط الفوسفوري .

تطلع من نافدة البراءة على مكنون وجعه فى الرحيل المرسوم بكل نبضة يزفرها في وداعها. ها هو الآن يعيد نفس حكاية الأرنؤوطي أبيه في توازي الأزمنة .. الأب الذي بصق نصف دمه على كثيب رملىوهجره…هو أبوه الذي أخذه من حقل الزنوج في(هانجا) ليكون على تخوم الشمال حيث مبناء بلس في (طلانكا ) كزنجى بيت، ثم قبيل وفاته لم يستودعه لآل البشملي البيض الشقر لدى إخويه وأخته , عدا توصية أخيه وأثيره ( سعيد ) بشأنه، ولا أخواله ولا أعمامه , لم يعرف حتى هذه اللحظة لماذا لم يفعل ذلك ، فليس هناك من سبب إلا خشية وقاحة من أحد الأقارب أو عدم ثقة في البشملية فأبى إلا أن يستودعه ملحقا من ضمن أملاكه وأراضيه عهدة وأمانة لزنجي حقل يدعى (أبو مسعود) يكاد لا يعرفه أحد كمتعهد أراضيه ليقوم برعايته وتعليمه . ” ألف رحمة عليك أيها الزنجي الطيب الوفى العظيم الذي أعطاني ما فاق أن يعطيه الأب لأبنه . إنك لم تتركني حتى ودعتك ( نيسة ) زوجك وهى ممسكة بمعصمى وتبكيك وأنت تقولّ فى شهقة لاحتضار : لا تتنازل أبدا يا كريم …أوصيك دائما بالوضوح وبالمستقبل ونيسة أيضا ولا تتنازل أبداً عن حقِّك…”

السيارة لا يهدأ محركها الانفجاري ، الغروب بدأ يستعجل لوفادة ملك الظلام ، وبرد ديسمبر يعلن الصقيع ، والطريق تمتد حتى في جوف الليل لصباح جميل يشرق على البرية ، وهناك ربما ساعات فقط عند الظهيرة يلتقي مدينة يحبها وتحبه ( مقازي) .

أنتشى بذكرياته الجميلة التي مرّت كأمس في لعبة تداخل وتوازي الأزمنة وانكسارها، عاودته السحب ولكن هذه المرة مخضبة بلون الشفق وهي تنسحب خلف قرص الشمس المشتعل بدكنة ذهبية تكاد تهوى من شاهق…وتساءل في همس داخلي مقلق يرافق انسياب الشروق التام، ترى ماذا سيكون مستقبل صغيرتيه ..؟!, وكيف تستقر ملامح حيأتهما بعد كرّ السنين ..؟! لا أحد جدير بالتوصية عليهما ؛ الاب رحل الاب الروحي وكذلك سعيد الأخ الصديق، كل أمطار الروح غادرت الشواطىء الدافئة ، فلم يبق من يمكن توصيته على الصغيرتين غير الله والدعاء …” أعرف أنا جدير بحبكما ، أرى ذلك فى بؤبؤ عينيكما ، في بريق الفرح الذي يشع من ابتسامتكم الصافية ، أقرأ فيهما النبوءة والمستقبل الناجح ” هكذا نهل من ثقافة الأب الروحي ( أبو مسعود ) بالدعاء الصادق في ثقافة وأعراف (الشانتو ) فى بلاد الهانجا بين غابة الأسود وأنهار اللبن ، أدرك قوة كلماته , وأحس بصوته في كل خطوة ، كما أستشعر التوفيق يغمره من بريق عينيه الصغيرتين ، علمه الأب الزنجي لا يأس من كلمات الأمل حين تملأ القلب البشري بفيض الصدق ، هو الآخر حين كان فى مثل عمره ، كان مديناً لأعرابي في الصحراء ، أنقد حياته من موت محقق وعلمه قوة الكلمات.

حين حلّ الشروق التام ، وشعر بحاجته لقهوة ساخنة مضبوطة ، تعدل مزاجه الذي بدا يميل للرهق ، وعلى مرمي من البصر تنهض مدينة بحالها من الظلمة وتشع في الأفق باقة ممتدة من الأضاءة المنتشرة والمتناثرة حتى إشراق كأمل الصباح، تذكر قول (أبو مسعود) في زمنه الأخير :” تعلم كيف ترتب نفسك عند العمل فيما تقدر عليه ، وبالتسليم والدعاء المشتعل من صوان القلب فيما لا تقدر عليه ، دروس لم يعلمني أياها الأب الشركسي ، ولم يهمه – فيما يبدو أن يعلمني إياها.

لذلك ما كان بيد (كريم) أن يفعله ، كما هو يوعز لنفسه بفعله بخصوص الصغيرتين مع احتراز من وقائع نارية قد تكون قادمة قبل حصول اشتعالها ، محاولة لتحرير العقل من كافة المكبلات المترتبة ، سيتحرر كما يقول مع نفسه من قانون الكارما، بمسح كل الغشاوات التي ترين على البصيرة النافذة لحجب المستقبل في مرة واحدة ، بكلمة عدم الإساءة لزمن حاضر لا نملكه قبل تداخله مع دينونة المستقبل…. فقد ترك الزمنية للصغيرتين ما يعزز تعليمهما ويحفظهما من الفاقة ، ولن يتركهما لعواء الإنسان وعواء الريح ما دام زمنه حياً باقياً

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق