ثقافة المقال

الإيمان.. الطفولة.. الحبّ والفنّ: تُكسب الحياة معنى

بونيني طه*

الحياة ..ما الحياة؟ لماذا نحيا؟ لماذا نموت؟ لماذا ؟ لماذا؟…
لا نفتأ نتساءل عن شؤون الحياة والممات، منذ نولد وحتّى نُشيَّع إلى مثوانا الأخير.
الحياة..ذلك السبيل بين الميلاد والموت.. تلك الفسيفساء ذات الشظايا المختلفة الألوان، بين الحزن والفرح، بين الغرابة والرتابة، بين العذاب والنعيم، بين النجاح والفشل،…أحاسيس كثيرة تغمرنا، وتناقضات كثيرة تسلبنا معنى الحياة، وكثيرا ما نعيشها كلها في يوم واحد.
الحياة حيث يلقى الظالم جزاءه، ويعود الخير لصاحبه. كما أنّها الحياة نفسها، حيث يفلت الظالم من العقاب، ويعيش المسكين الأمرّين.
هل سمعت الناس يقولون عن شخص مريض مسحور وفقير: “صاحب دعوة شر”، مثلما نقول في عامّيتنا. بمعنى أنّه شخص يحصد سيئات ما فعل مع والديه، ويجني الدعوات السيئة التي تلقاها منهما. ولو رجَعَت بنا السنين لنتفقّد إذا كان ذلك حقا، فقد نجده كذلك، أو لا نجده. فالناس ببساطة، يُحبُّون أن يشمتوا ببعضهم البعض، وبأن يلصقوا النتائج بالأسباب، ولو كانت خاطئة.
ماذا عن العكس، طاغية عربيد أمضى حياته في الشرور والعصيان، لا يحتوي قاموسه كلمة برّ، ومع ذلك يتقلّب في الخيرات. أتصادفون هذا النموذج؟ أنا اصادفه كل يوم. رغم ذلك فقد تجد طوابير العائدين له في مرضه، المباركين له في أعياده وأفراحه، الشاكرين لخصاله النادرة!
ذلك لأنّ القوّة مرجُوّة، وصاحبها مرجُوّ.
لستُ أذكر هذا إلا رغبة في تجلية أمر ما، وهذا الأمر إنما هو انعدام المعنى في بعض ما يعيشه البشر، ظاهريا للعيان.
وقد تجد أمثلة كثيرة على ذلك. كأن تصادف أحيانا، أزواجا شرفاء ذوي خلق، ينتظرون أن يرزقوا طفلا. ويمضون حياتهم كذلك. وتنكمش الحياة كلها حول هذا الانتظار والتربص والدعاء. وهذا قدر الله. وفي النقيض، قد جاورتُ أزواجا بلا تربية، يلدون ويعيدون، والشارع من يُربّي. شتّان بين السماء والأرض، لكن شتّان بين مصير هؤلاء وأولئك!!
فهل في هذا معنى ظاهرا لمن يريد أن يتدبّر؟!
فوق هذا الكوكب، نولد بلا اختيار، نسمى بلا اختيار، نُعطى جسما بلا اختيار، ونوضع في مكان لا نختاره، وفي زمان لا نختاره…أحدهم يولد في أجمل وأغنى مدينة في العالم، لدى والدين ثريّين، والآخر في منطقة محتلة، أو بلد يعيش مآسي المجاعات والأمراض…
رغم ذلك، يضع القدر كلاهما في نفس اللعبة. وأتوماتيكيا، يصير النجاح والسعادة والعمل أهدافا توضع نصب عينيهما. ورغم اختلاف الظروف، فهما يلعبان اللعبة نفسها بقواعد مختلفة…
لكن رغم فوضى المعاني التي يصادفها منطقنا المجبول على القسط، فنحن لا نولي ذلك أهمّية خلال سنوات الطفولة، إنّما نضحك ونلعب دون اكتراث، فالمعنى حينها هو الحبّ الذي يوليه أولياؤنا إيّانا، والمعنى أيضا هو اكتشاف الحياة، وكان ذلك بمثابة تحدٍّ كبير، وكأنّها لعبة بين أيدينا.
ثم يستفيق الطفل على عالم لم يتحضّر له كما ينبغي. وما نسمّيه المراهقة ما هو إلّا تلك الصدمة، فلعبة اكتشاف الحياة التي كانت بيد الطفل صارت مملّة، عندما حضرت الأسئلة الكبيرة وأكبرها: “من أنا في هذا العالم؟ وإلى أين أُساق؟” وأمام تلك الأسئلة، يكبر العالم ونصغر نحن، حتّى نصير أقزاما.
ووسط ضعف المراهق وحيرته، يتصوّر نفسه التائه الوحيد، غير أنّ الجميع تائه، لكن بدرجات مختلفة!
ويواصل الزمن أداء عمله الذي يُتقنه، فهو سيدفعك إلى الأمام. لا يهمّه هذا “الأمام” أين ؟ أو كيف؟ لكنّه مختلف. قد لا تكون تعلمت أكثر، لكنك ستكون أقل اكتراثا، وأكثر تجاهلا للأسئلة، وستبقى تلك الحيرة بأغصانها الطويلة تتشعّب في أعماقك، وتواصل النموّ، لكنّك تتعلّم كيف تُقلّمها وتشذّبها، حتّى تدع مساحة في كيانك للحياة، وكيلا يمتدّ الظلام حتى يغطّي كل شيء…
وهكذا تسجنك الحياة داخل نفسك، ثمّ تعطيك خيارين: إمّا أن تغضّ الطرف، أو تتفيّأ ظلال هذه الأربع: براءة الطفولة، دفء الحبّ، نور الإيمان، والفنّ. أمّا الظل الوارف الأوّل فهو الأجمل لكنّه لا يدوم. وأمّا الثاني فهو الأروع، إنّه يُلوّن الحياة بكل معنى. والحبّ الصادق القويّ يُكمل عيوبها، ويجعلها متناسقة. إنّه يملؤها ورودا وفراشات، ويطيل عمر الربيع فيها حتّى يصير العام كلّه.
فالحبيب يعيش لأجل المحبوب، ولا يُفكّر في الفراق عنه، ولهذا فإذا سألتَه عن معنى الحياة، فهو سيشير سريعا، إلى محبوبه. والحبّ واسع شاسع، فالحبيب قد يتّخذ أيّ شكل، وأيّ روح وأيّ جسد. فالحبيب والداك، أو أبناؤك أو زوجتك، أو حتّى حديقتك، أو حيوانك الأليف!
والثالث نور الإيمان وهو الأقوى، ولن ترى صفحة الحياة أوضح وأنقى إلا عندما يسطع هذا النور، في حياتك فيلقي في كل زاوية خربة المعنى الحقيقي للوجود.
أمّا الفنّ فجنة الإحساس. و دعنا من الأنماط، فلست أقصد الفنان ذلك الشخص الذي يترك الشَّعر يجتاح وجهه، ويلبس شالا بألوان مختلفة ويعتمر القبعة الفرنسية، وتراه يحمل أحيانا ريشة، وأحيانا شيئا آخر يُميّزه عن غيره…إنّه يتكلّف أحيانا أن يُعرف ولو استطاع أن يحيط نفسه بهالة لفعل! لا أقصد ذلك…
أقصد تلك الرواية والقصة التي تضع للحياة حبكة وشخصيات وبداية ونهاية وعقدة وحل، وأحداث متناسقة ومفهومة، تأخذك بنسق جميل نحو صفحاتها الأخيرة.
أقصد خشبة المسرح التي تعتمل الحياة فوقها بكل مكوّناتها. ستضحك، أو تبكي، أو تصفق. ستتفاعل وتتعلّم، وتُحسّ، وترفِّه عن نفسك، لكن أبدا لن تخرج وتقول ماذا كنت أتفرّج؟! ما هذا الهراء؟! إلا إذا كانت مسرحية فاشلة، وأنا أقصد بالفنّ طبعا، الفنّ كما يجب أن يكون.
انظر إلى لوحة طبيعة صامتة، أو لوحة تشكيلية ، أو بورتريه، أنظر إلى الأفكار فيها والمعاني والأحاسيس. انظر إلى الحياة تنساب بين الخطوط. ثم زر معرضا للفن التجريدي أو التكعيبي أو ما تشاء من فنون الرسم، حيث الغموض واللامعنى، حتّى هناك ستجد المعنى يداعب ناظريك وذوقك الحساس. إنّها معادلات الجمال، لديها كلّها حل واحد هو الجمال. والفنّ هو القادر على التعبير بجمال.
قال الكاتب فيكتور هوغو عن الموسيقى إنها أصوات تفكّر. الموسيقى في كل مكان. لو لم يسمعها الإنسان في تغريد العصافير وشدو البلابل لما استطاع إنتاجها. أعطى الله الإنسان القدرة على تمييز الجيّد من الرديء في كلّ شيء، ويقال لمن يجيد ذلك، بأنّ له أذنا موسيقية. حتّى الذي لا يرقى لسماع الموسيقى الكلاسيكية، كسمفونيات بتهوفن وموزارت، وفاردي وغيرهم، فهو على الأقل لن يستمع للنشاز من الأصوات. وسيسره مع القليل من النصح، السماع لأجمل تقاسيم العود والقيتار والقانون وغيرها من الآلات. ولن يسرّه طبعا، تذوّق السيّء من الأصوات الآلية أو البشرية.
ومع إضافة الكلمات للموسيقى، فأنت تعطي حياة أخرى أكثر عمقا لموسيقاك، وإمّا أن تلقى بها النجاح أو الفشل، وما هذا إلا نتيجة للمعنى الذي ستخلفه أغنيتك في نفوس سامعيها. فإمّا أن تصيبك في الصميم أو تجانِب روحك، مبتعدة كسهم طائش. ولو أردت الاختصار، فالموسيقى تعطي الأصوات معنى!
وسأحطّ رحالي أخيرا عند واحة الفنّ السابع. هل تفرّجت فيلما جميلا جعلك لا تغادر شاشة التلفاز أو السينما بعينيك حتّى انتهى؟ لو تدبّرت في أمر الفيلم وبالطبع السيناريو كذلك، فهو لا يترك للأحداث التافهة حيّزا فيه، بل يركز على الأحداث الهامّة، حيث الإثارة، السحر، الغرائبية، الدراما، الخيال…باختصار إنه يبحث فقط في الأمور التي تخدم القصة وتعطيها معنى واضحا، واتجاها متناسقا محددا، يختاره المخرج وكاتب السيناريو، كي ينجح الفيلم، دون أن يترك مجالا للخطأ، أو الفراغات أو الهفوات التي تحطّ بقيمة العمل الفنّي. وكلّما قلّت الأخطاء والفراغات، كان العمل أفضل. ولهذا ترى مثلا، شخصية الرجل الشرير تنال جزاءها، والأخيار يكافؤون، ويخبرك بمصير كل شخصية في الفيلم قبل النهاية…إنّه أجمل مثال للفنّ الذي يُعطي الحياة معنى. إنّه يسبك حديد الحياة الصدئ في قوالب الذهب.

*أديب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق