ثقافة المقال

مدينتي تعانق أفريقيا..تاريخًا ورياضة..

دكتور السيد إبراهيم أحمد

أمَّا مدينتي فهي “السويس” بجمهورية مصر العربية الواقعة على رأس خليج السويس، وأكبر مدن مصر التي تطل على البحر الأحمر وتلقبَّت بلقب: “عروس البحر الأحمر”، ومدينة الجمال والأبطال، والمشهور أن “قناة السويس” تسمَّت باسمها، غير أن تاريخ السويس عند كل عربي معروف ولها في تاريخ العالم المعاصر مكانًا ومكانة حين تتناولها الأقلام تحت عنوان: “أزمة السويس” و “حرب السويس” ويقصدون بهما “العدوان الثلاثي” أو حرب 1956م.

مدينتي “السويس” تعانق أفريقيا رياضيًا عندما استقبلت فرق المجموعة الخامسة المشاركة في بطولة كأس الأمم الإفريقية، والتي تضم منتخبات “أنجولا وتونس وموريتانيا ومالي”، وعلى ستادها الرياضي ستقام أولى مباريات تلك المجموعة في يوم الرابع والعشرين من يونيو 2019م في تمام السابعة بين منتخبي تونس وأنجولا، يليها في تمام العاشرة مباراة منتخبي مالي وموريتانيا.

إن عناق مصر بأفريقيا فقديم قدم أجدادنا من المصريين القدماء الذين مهدوا الأرض الأفريقية بحركات كشوفهم الجغرافية البرية والبحرية لسواحل شرق أفريقيا، ثم قاموا في العصور البطلمية بنشر الحضارة والعمران في ربوعها وذلك قبل أن تصل إليها أيدي أهل الحضارات الأخرى، ولعل من أراد التوغل في مدى عمق النظرة الاستشرافية المستقبلية سيجدها في عصر الدولة القديمة وما قام به آخر ملوك الأسرة الثانية “حع سخموي”، وأول ملوك الأسرة الثالثة “زوسر” من اكتشاف مجاهل أفريقيا قارتنا السمراء وامتدادنا الجغرافي والتاريخي الأبدي.

غير هذا المقال معنيٌ بتاريخ السويس وأفريقيا الذي بدأ في العصر الفرعوني مع عهد الملكة حتشبسوت عبر السفن التي سيِّرتها بين مصر والصومال، وإن ظهرت راسية على شاطئ النيل وليس شاطئ البحر الأحمر إلا أن بعض الباحثين يميلون إلى ترجيح الرأي القائل أن تكون حتشبسوت هي من حفرت قناة وادى الطميلات لكن الرمال لم تلبث أن طمرتها ثم أعاد “نخاو” حفرها، وأتم عمله “دارا الأول” الفارسي وابنه أجزركسيس؛ فقد أقام “دارا” على مجرى القناة ثلاث لوحات في تل المسخوطة وسيرابيوم وكبريت، بينما أقام أجزركسيس عند الكوبرى شمال مدينة السويس الحالية بستة كيلو مترات.

إن الذي نؤكد عليه أنه منذ الحضارة المصرية القديمة وانتهاء بالدولة العثمانية كان هناك اهتمامًا وحرصًا بضرورة أن يكون لمصر مدينة عند الطرف الشمالي لخليج السويس؛ فهي نافذة مصر على العالم، ولم يكن هناك إلا “السويس”، التي ظهرت أهميتها الكبرى في العصر الإسلامي حين كانت من أهم طرق الحج بين شمال أفريقيا والحجاز؛ فعبر “درب الحج المصري” الشهير، الذي استمر حتى تحول طريق الحج إلى الطريق البحري نهاية القرن التاسع عشر، كان الحجاج المصريون والمغاربة وحجاج الأندلس ودول غرب إفريقيا يتجمعون في رحلة تبدأ من تجمعهم في مدينة فاس ثم تشق طريقها برًا عبر الجزائر وتونس حتى طرابلس، ومنها إلى مصر، وتصل مدة الرحلة إلى خمسين يومًا.

ثم يخرج الحجاج جميعًا من باب النصر بالقاهرة، إلى منطقة عجرود بمحافظة السويس، ومنها إلى عيون موسى للتزود بالمياه، ويتجهون بعدها إلى مدينة نخل بسيناء وصولا إلى مدينة العقبة، ويعبرون الحدود إلى مدينة ينبع السعودية، لتنتهي الرحلة في مكة المكرمة.

كما كانت تقوم رحلة الحج من داخل مصر وبدايتها من “الفسطاط” مرورًا بعجرود انتهاءً بالقلزم التي كانت أهم محطة في هذه الرحلة التي تنقسم عندها الاتجاهات إما أن يسلك الحجاج الطريق البري أو الطريق البحري.

عانقت مدينتي “السويس” أفريقيا من خلال أولياء الله الصالحين الذين ماتوا وهم في طريق الذهاب أو العودة من الحج، ومنهم سيدى الدكرورى وابنه محمد الدكرورى بضريحيهما الكائن عند منتصف طريق السويس القاهرة، كما يقال أن الشيخ الدكرورى كان مغربيًا وممن يقومون على تنظيم قوافل الحجيج، ثم توفى فى مكانه أثناء اصطحابه إحدى قوافل الحج، فأقام نجله ضريحًا له، وعند عودة قافلة الحجيج من الحجاز توفى نجله محمد فى ذات المكان، فأقام الناس ضريحا له بجوار والده، وكان يقام له مولدًا في شهر شعبان غالبا، ويستدعى إليه كبار المنشدين في مصر ليحيوا لياليه ومنهم الشيخ سيد النقشبندي الذي سمعه الرئيس السادات أثناء مروره قبل أن يتولى الرئاسة فأعجب بصوته، ولم يزل يدعوه للاستماع إلى ابتهالاته بعدما صار رئيسا لمصر.

كما عرفت السويس وليًا مغربيا آخر هو سيدي عبدالله الأربعين الذي يقال أنه لم يكن رجلا واحدا، بل أربعين رجلا وطفلا وامرأة أتوا من شمال إفريقيا وقيل أنه كان آخرهم، فعُرِفَ بهذا اللقب، كما اتصفت السويس بصفة البطل الإسلامي الفاطمي “عبدالله الغريب” واسمه: “أبو يوسف يعقوب بن محمد يعقوب بن عماد”، وعرف بـ “الغريب” لاستشهاده بعيدًا عن بلده المغرب.

عانقت مدينتي “السويس” أفريقيا حين عقدت بنت السويس الأستاذة إيمان أحمد عبد الرحيم مؤسس “مبادرة أفريقيا قارتى”، وبمشاركة مؤسسة النيل للدراسات الأفريقية والاستراتيجية ندوة عنوانها: “اللغات والثقافة الأفريقية” بمتحف السويس القومي، وقد حاضر فيها من دولة نيجيريا:
١- الدكتور/ عبد الشكور يوسف إسحاق كاتب وباحث في الأدب الشعبي المصري.
٢- الأستاذ/ طاهر لول معاذ التجاني باحث ومحاضر في جامعة بايرو ولاية كانو.
٣- الأستاذ/ سفيان محمد الرابع سامناك باحث وكاتب وإعلامي في الإذاعة المصرية. الموجهة قسم لغة الهوسا..
عانقت مدينتي “السويس” أفريقيا تاريخا ورياضة في المسابقة الثقافية الرياضية الكبرى التي يجريها نادى الأدب بقصر ثقافة السويس برئاسة الشاعر عزت المتبولي، وعنوانها: “أفريقيا تاريخ وحضارة أمم”، والتي تطرح أسئلة تتعلق بتاريخ أفريقيا وبالرياضة منذ اليوم الأول لافتتاح البطولة وستستمر مع آخر يوم من نهائى البطولة.

عانقت مدينتي “السويس” أفريقيا من خلال كلمتي التي ألقيتهُا في ندوة: “اللغات والثقافة الأفريقية” بمتحف السويس القومي مستعرضًا فيها تاريخ مصر مع قارة أفريقيا منذ العهد الناصري وانتهاءً بالعهد الحالي الذي أنعش آمال الأفارقة في مصر واستعادة دورها التاريخي المجيد من جديد، بعد أن ارتكب أحد رؤساء مصر المعزولين جناية القطيعة مع أفريقيا، واختتمتُ كلمتي بقولي: (إن من أرادوا تلك القطيعة لا يعلمون أن علاقة مصر بأفريقيا هي علاقة الروح بالجسد)..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق