إصدارات

الشاعر محمد بشكار في ندوة تكريمية بمراكش: حب يكفيني لبقية العمر

مراكش / خاص ـ مصطفى غلمان

“أشعر أن قلبي امتلأ بحب يكفيه لما تبقى من العمر، وأشعر أن مداد الكلمات التي قيلت عن أعمالي قد سرى دما جديدا في أوصالي لن أجد مثله حافزا رمزيا ومعنويا ما حييت، وليس كمثله في شحذ الهمم دعما ومددا ..” هكذا افتتح الشاعر والإعلامي محمد بشكار كلمته في حق مركز عناية وأطره الثقافية والإعلامية، مذكرا بالأدوار المشعة والوازنة التي أضحى مركز عناية يقوم بها في ظل عتمة ملحاحة أصابت المشهد الثقافي المأزوم ببلادنا ” مركز عناية العريق سواء بطاقم جندياته وجنوده المتمترسين بسلاح الثقافة والفكر في الخفاء أو بمن يترجم إعلاميا محاسن أعماله الثقافية ومنجزاته الفكرية والإبداعية، ويقدمها بليغا لتصلنا وتتبوأ الواجهة..”.
وعلى وقع هذه الشهادة سار مدخل الندوة التكريمية التي نظمها مركز عناية بمراكش بتنسيق وتعاون مع مجلس مقاطعة جليز، مستشرفا حلته بنثار افتتاحية رئيس عناية الإعلامي والشاعر مصطفى غلمان الذي أثنى على قصيدة بشكار معتبرا إياها ” قصيدة حموية مشتعلة لا تهرب من ذاتها ولا تتمنع من أجل التعمية. إنها قصيدة مشروع، قصيدة رؤية. قصيدة تكابد اللغة، حتى لكأن إشاراتها لا تأتلف في الصور الاستعارية، أو شطح الكلمات، بل تصير خطابا يتمثل العالم والواقع، يلتقط الوعي بالتذكر والحلم والرغبة في التغيير”.

وقال غلمان أن الاحتفاء بتجربة بشكار التفاتة ضرورية وعميقة، لأنها تجسد الراهن الثقافي بكل أبعاده وتقاطعاته، عدا أنها تجربة استثنائية لأنها «تنكتب
بقلب الشاعر ودواة المناضل، وهو بين هذا وذاك يرتقي مدارج السالكين ومنازل العارفين وأصفياء الحق والحقيقة ..”
الباحث والكاتب الدكتور محمد زهير ألقى شهادة مؤثرة في حق المحتفى به تحت عنوان ” تأكد .. في هذه المحافل حياتك الأطول” وكأنه يقرأ نفسية شاعرنا بشكار قبل إلقائه الكلمة بداية الملتقى، مستحضرا دور المثقف النوعي في كل القطائع التاريخية والثقافية والوجدانية، متحفزا إلى صهر جملة من العلامات التي تجعل من المبدع الإعلامي بديلا إيجابيا حاسما في واقع مرير ومأساوي. وأضاف زهير أن بشكار يأتي في زمن مناكف للرؤية الإبداعية والفنية، في عمق أزمات القيم والأخلاق. وهو ما يبوئه الدرجة السامية في حزمة انتظاراتنا كمثقفين ونخبا.
الناقد والباحث الدكتور حسن لمودن أضفى على الجلسة الأدبية رونقا خاصا عندما شحن آليات النقد بتسليطه الأضواء على أعمال الشاعر بشكار الشعرية، رصدا لمجموعة ملاحظات خاصة بالعناصر السردية في التجربة إياها، متاخما لقصيدة السرد المغربية كما اصطلح عليها. وقد وقف الناقد المودن على جملة أنساق مؤطرة للسرديات المتاخمة للشعر أو النثر. ثم اعتبارات أخرى تروم خصائص السرد عندما يكون شعرا. ما يحيل إلى جوهر الكتابة للسيرة الذاتية الشعرية، التي يعابرها لمودن واحدة من أصعب الكتابات على وجه الإطلاق. وهو ما يفرض يقول الكاتب لمودن العمل البحثي في مسائل تأصيل التجربة الشعرية عربيا ومغربيا في موضوع ذي أهمية قصوى في مجال الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة. وأضاف لمودن أن الشاعر بشكار هو من القلة التي راوحت في كتاباتها بين النفس الأوتوغرافي والشعر، ما يجعل أنا الشاعر الاستعارية متعددة ومقاومة للذوبان والهشاشة. تلك الاستعارة التي يقول عنها الناقد لمودن ” إنها تمزج بين أرض الطبيعة وسماء الميتافيزيقا”.

شهادة أدبية أخرى جاءت بقلم الشاعر والمترجم رشيد منسوم والموسومة ب” الشاعر محمد لشكار : البورتريه المستحيل” تدلق بين الكف الشعرية العالية التي تشعر بالآلام وتتمسك بالآمال. يد الشعر عند بشكار تمنح الآخر الشعور بالوقت وهو ينسحب تلقائيا إلى عش السلامة النفسية وإيقاظ الحواس، كأنك تجلو قيمة الانتماء للكون بنفس الهالة التي تتخلق من خلالها مثارة الزمن واسترداداته المكانية والزمنية.
وعبر منسوم عن سعادته الفائقة بتكريم اسم شاعري مناضل كبشكار، داعيا إلى تقييم نبض المشهد الثقافي العنيد، الذي يتنطع بين أزلام مجاهيل الرداءة واسترداد العنوان الأقدر على الانتماء للشعب عبر نموذج قائم وقوي كمحمد بشكار.
المؤرخ والروائي عبدالعزيز آيت بنصالح تحلق بين فواعل البدل عند الشاعر والإعلامي بشكار، مقيما تصورا تاريخيا وثقافيا لمكنونه الإنساني والإبداعي عبر عنوان شاهق سماه ” صحفي الماضي موثق اللحظة” متغلغلا بين مسام الكتابة الصحفية والدود عن قضايا الناس، موثقا تلك اللحظات في الداخل القيمي لعلاقة الصحفي بالإبداع. وأشار المؤرخ آيت بنصالح إلى اللغة التاريخية ذات الحمولة الإبداعية الشفافة والروح المنصهرة للذات الكاتبة عند بشكار، محللا مظاهر الترابط بين العناصر المذكورة، وانقياد الأولى تحت طبع الثانية. وقال آيت بنصالح إننا مدعوون اليوم إلى الرفع من قيمة الكاتب المغربي والانحياز لقضاياه الاعتبارية، بحكم ارتباطه بالتاريخ توثيقا واختيارا وإيمانا بالسيرورة .
في حين قام الباحث والناقد الدكتور محمد تنفو بسبر كيانية الديوان الأمثولة، ذي القيمة الأدبية الكبير، ويقصد ديوان ” عبثا كم أريد” . الديوان الذي يتسربل بين بداهة السؤال البلاغي وانبثاقه لغة واستعارات.
لقد تحقق في الديوان أعلاه يقول الدكتور تنفو كل ما يأسر العقل القارئ في استناده لعدة ثقيلة من التشكلات ذات الومضات العميقة والدالة، محتفيا بتيمات عتيقة وفلسفية واثقة كالماء في انسيابيته الغامضة المتصوفة، أو في نظره للعبث كمنحى ومرجع ذي وحدة متكاملة ومفتوحة على كل قطائع النص ودواله.

الشاعر محمد بشكار

في خاتمة القراءات وبارقة الإفاضات المشتهاة بين الضيف المكرم وفضاء الشعر المثخن بموسيقى القلب والورد الذي أبدعه الفنان الموسيقي فؤاد بنلقايد، أسرج الشاعر جمال أماش ميزاب كلمته الختامية بطرح سؤال مستقبل الشعر الآن. عبر قيثارة الفكر وتآويله. ففي نص مفتوح عنونه ب” المستقبل والشعر أو ضربة النرد في الشعر” تزاحم المعنى الشعري بأوثار الانوجاد والتوقد. كيف يتحقق الشعر في المتاهة وكيف يتدحرج إلى الأبهاء عبر كتابة تعتق محنة الوجود الشعري، وتوحده بين الفعل والقيمة.
الشاعر أماش ترك الأبواب مواربة للسؤال القادم، هل نعتبر إثارة سؤال الشعر أحد أهم الأسئلة وأخطرها في الثقافة العربية ملزما وضرورة معرفية؟ أم تتداعى الأسئلة الشعرية تحت وقع الانقياد والقطيعة مع وجود ما يمنعنا من متابعة كل ما يكتب؟!
وربما كانت صياغة أماش للتشكل الشعري الراهن في ظل ازدحام الرؤى وتحلحل الكيانات اللقيطة، نوعا من التأسي والخوف من مآلية الشعر المندلقة بين الحشود السخيمة ومواطئ الهوس والجحود؟!
لم يغب على الجمع المبارك الذي حضره ثلة من مثقفي وأدياء ومبدعي المدينة الحمراء تسجيل جملة من الارتسامات الشعرية على لحن وإيقاع العود بأنامل الفنان فؤاد بنلقايد الذي حاول ملامسة شعريات بشكار وهو يلقي قصائده الباذخة على مرمى نظر.
أمسية جميلة حضر فيها الشعر والمحبة وتكريم الأدب الحي والمشع والدافق في وجدان المجتمع، تخلله تقديم لوحة تشكيلية حروفية للشاعر بشكار بتوقيع الفنان التشكيلي والكاليجرافي رشيد زيزي، الذي هنأ الجميع على نجاح تحفة متكاملة وبهية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق