ثقافة المقال

أقلام… في قفص الاتهام…؟!

بقلم: مصطفى قطبي
من ينعم النظر في الحراك الإبداعي المعاصر يجد كثيرين من المبدعين الجيدين الذين لم يأخذوا فرصتهم في النشر والانتشار، ومعظم هؤلاء بعيدون عن المؤسسات الثقافية (الرسمية والخاصة). وبالمقابل فإننا نجد كثيرين من الكتبة الطارئين على الإبداع، والوافدين على ساحته من الأبواب الضيقة. وفي الأوقات الضائعة احتل هؤلاء مكانة بارزة، لسبب ما، مع أن معظم ما أنتجه الكتبة لا يعدو أن يكون محاكاة أو تقليداً أو سرقة من الشبكة العنكبوتية، التي تفسح المجال لهم لأن يؤلفوا كل يوم كتاباً. فكم من دخيل على الإبداع يمتطي فنونه كما تركب القشة لجة البحر.

وحتى يتمكنوا من الانتشار والاستمرار سخّروا بعضاً من أنصاف الكتّاب للكتابة عما يبلون المتلقي به، بأجر أو دون أجر. فهذا قاص من الدرجة العاشرة يدفع لكل من يكتب عنه، ويدفع أكثر لمن يجمع ما كتبه الآخرون عنه في كتاب ما. وذاك روائي مبدع ولكنه مولع بقيم الجوائز المادية التي تقدمها بعض المسابقات، فمرة يربح بإسمه ومرة بإسم أخيه ومرة بإسم زوجته، وكل ذلك على حساب إبداعه المتألق الذي يوزعه على من حوله، من أجل المادة ليس أكثر. وبعضهم لم يكتف بذلك بل جلبوا المصّفقين والمطبّلين، جاعلين من مبدعهم (دون كيشوت) جديداً، غالباً ما يدفعه الوهم إلى جنون العظمة، الذي يجعله (واهماً) أن شيطان الإبداع وقف عند بابه ولن يبرحه أبداً،ً وذاك شاعر/ كاتب كتب في حياته عدداً من الدراسات يعيد نشرها كل عام بعد أن يوزعها بإتقان على الصحف، معتقداً أن المتلقي جاهل أو غبي أو غير متابع لما ينشر أو ذو ذاكرة مثقوبة… ويا ويل من لم يكن وراءه شلة تلفق له الأسماء التي تكتب عنه وتدعم جنونه… فهناك مافيا المجلات التي تستقبل فلاناً وتطرد آخر أو تتأمل وتتريث حتى تأتيها تزكية الكاتب من كاتب آخر ينتمي إلى تيارها أو شلتها. مسموح لك أن تنتقد المؤسسات الحكومية أمامهم… بل يشدون على يديك إذا انتقدت وهدمت في هذه المؤسسات وسيبتسمون أكثر إذا تطاولت أكثر وصعدت درجات الهرم… ومسموح لك أن تنتقد من يخطر على بالك من المحيط إلى الخليج، ولكن غير مسموح أن تقول رأيك في قصة صاحبة الكاتب. أو قصيدة خليلة الشاعر، فكيف لو قلت رأيك به شخصياً وكان من أصحاب النفوذ الإعلامي وسلطوية المجالس الأدبية؟ والويل لك كل الويل إذا انتقدت ربطة عنقه أو لون سترته، هذا لا يجوز، أما هو فيحق له أن يلفق عنك الحكايات، ويتندر حولك في السهرات واللقاءات… لكن لابد أن تنقشع الغمامة وتظهر حقيقة هؤلاء المدعين جلية… عند ذلك ستسقط الهالة التي يتغطون بها… فمتى نقدر على تقبّل الرأي الآخر حقاً وليس المتاجرة بنظريات احترام الآخر وعدم إلغائه؟ فما يحدث الآن على الساحة الأدبية يدعو إلى السخرية من أسماء كثيرة تملأ البلاد بمحاضرات حول حرية الرأي وديمقراطية الحوار، إلا أنك ما أن تلفظ إسم عمل يخصهم أو محاضرة من محاضراتهم دون تبجيل، حتى يسنّوا لك السيوف لذبح رأيك… ولابد أن نعترف بمافيا الأسماء وبمافيا الشلليات.

فمن البحث في صدق عاطفة الكاتب، إلى غياب عاطفة الناقد عن حضورها في الحيز المعرفي، أقام النقد مؤخراً جنازة حفلة تأبين لكليهما… أما موت الكتابة وتحميل تبعات هذا الموت على جنازة اللغة ذاتها، فيبدو المشهد الأدبي حاسر الرأس في محاولة يائسة للاقتران بما لا يقال شفاهة ولا يكتب لغة! بالطبع لا أحد يبحث عن عفة الكذب، ولكنه البحث الدائب عن عفة الكائن في كذبة مصورة لم تتعلم القراءة والكتابة. والسؤال: من مات إذاً ولماذا؟ أو بالأصح من بقي حياً ولماذا؟ في الإجابة يبدو السؤال مرهوناً بحضور النص الكتابي ذاته حضوراً أصيلاً على مائدة التفاعل بين القارىء والكاتب، وأقصد هنا بالنص ”كل المنتجات اللغوية الإنسانية المتعارف عليها ـ سرداً أم شعراً، أو في تفصيل أكثر دقة كل نتاج لغوي يتصل مباشرة بالوجدان والمخيلة والحياة المشتهاة ”اليوتوبيا”. وفي رهان حضور النص، يعيد السؤال تكوين نفسه على هيئة إجابة تعتمد في إحداثياتها على علاقة كليهما بالصورة، ومدى استحواذها على القارىء الذي تحول إلى مشاهد، ومدى تطويعها للكاتب الذي تحول إلى مصور! ليبرز المعطى النهائي لإجابة مفاجئة تقول: إن أحداً لم يمت، وأن أحداً لم يبق حياً! وهي مفارقة تبدو في ظاهرها عبثية أكثر من تلك التي أحدثتها انشقاقات ما بعد الحداثة وتنويعاتها المتعددة، فعاطفة الكاتب ”التي غالباً ما تتصف بالصدق في أدبيات النقد التقليدي” ما زالت حاضرة عند قارىء لم يجد في الصورة وطغيان بثها سوى مردود عيني لتهميشه والاحتيال عليه، ومن ثمّ توظيفه في سياق بصري لا يحتاج إلى تعليق من أي نوع، كما أن حياد النص عن مبدعه، وتحوله إلى نصوص متعددة يكتبها قارىء متعدد قد أفرز كتّاباً ينتمون إلى فئة ”سطح المكتب” وهي فئة تفتقد أبسط قواعد الإبداع وأكثرها أهمية وأعني بها ”المخيلة الناطقة”! ومن منظور أكثر تطرفاً في علاج حالة الاستعصاء الإبداعي التي يعيشها الأدب، تتوج العلاقة المأزومة نفسها بمعطى جديد، يبحث بلا كلل عن تحديد هوية الدفن الأخير لمنسوج الأدب بين قارىء لم يعد قارئاً صامتاً وبين كاتب يتمنى أن يعود حياً… معطى يحمل قيمته العظمى من كونه بلا أي قيمة! إلا قيمته ضمن منظور الصورة وتوابعها التقنية الهشة. لذلك يبقى المتلقي سجين الواهم والمتوهم، ويبقى (المبدع) سجين ذاته وغروره، لا يستطيع الانفلات منهما. وهنا يبرز دور النقد الجاد والنقد المختص والخبير، الذي يملك القدرة على التمييز بين الغث والسمين، فغياب النقد الحقيقي وتجاوز أسسه الموضوعية والمنهجية أعطى الفرصة لأنصاف الكتبة لأن يحاربوا الإبداع بما يشبه الإبداع، فمن يكتب قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر عدو لدود لمن يكتب القصيدة التقليدية. ومن يكتب القصة القصيرة العادية يحارب، ويقلل من شأن، القصة القصيرة جداً (والعكس صحيح)، لأن العداوة التقليدية بين أصحاب المدارس الأدبية علاقة تبادلية، كل يحارب الآخر ويقلل من شأنه. من هذا المنطلق لابد للنقد من أن يسترد دوره، ولابد للنقاد الجادين من الخروج عن صمتهم، وأن يشتغلوا على ردم الهوة بين المبدع والمتلقي، وأن يقضوا على الخلل القائم في الإبداع ذاته، الذي غالباً ما يكون المتلقي ضحيته الأولى. ولابد أن تفرز الساحة الأدبية نقاداً جدداً من الشباب المواكبين للحراك الإبداعي، متجردين من المفاهيم الثابتة، وأن يمتلكوا أدوات نقدية منهجية، وقد طرحوا الخوف جانباً. فالحركة الأدبية المعاصرة بأمس الحاجة إلى نقاد أكاديميين قادرين على استئصال الأصوات النشاز وتشجيع الأصوات الأصيلة، التي تعرف كيف تتفاعل وتتعامل مع عقل المتلقي وفكره، ولاسيّما أن أنصاف النقاد المعاصرين لم يجدوا شيئاً يتناولونه بالنقد إلاّ توافه الأمور وأقلها شأناً، ليشاركوا في إشباع غرور الغارقين في وهم النخبة المبدعة. لذلك، وحتى يرتقي الإبداع ويتطور، ويأخذ مكانته المرموقة لابد من مبدع يعرف أهمية دوره، مقتنعاً بإبداعه، مؤمناً برسالته، مضطلعاً بمسؤوليته تجاه ما يكتبه وما يدافع عنه، مهتماً بتطوير أدواته. ولابد من ناقد أكاديمي متمرّس يشكل خلاصة ثقافة عصره ومعاصريه، يكون واسع الأفق موسوعي المعرفة، متمكناً من أدواته، لا يخاف في الحق لومة لائم. ولابد من متلق يعشق الإبداع ويواكبه وينحاز إلى الجيد والمفيد منه .وبتفاعل العناصر الثلاثة بعيداً عن الهوى والأنانية وحب الذات… تتحقق جماليات وحدة الإبداع، وينطلق من إطار المحلية الضيقة إلى آفاق أوسع وأرحب.‏ فلابد من نزع الأقنعة الزائفة… فالطريق وعرة وصعبة… مع ذلك ما زلت مصراً على المسير… لابد أن أفعل أنا ويفعل غيري… أي لابد أن يأتي من يقول الحقيقة ويؤكد أنه ليس كل ما يلمع ذهباً… وأنا لا أخص الساحة الأدبية فقط… بل إن هذا الزيف طال واستطال وشمل حتى الساحة الزراعية والبحثية والسياسية… ليس كل من يجلس على كرسي هي له بالتأكيد… قد يكون الكرسي أكبر منه… وقد يكون الإسم أكبر من وهم يغط كطائر الرخ على العقول، لكن سياسة الصمت هي السائدة منذ زمن بعيد عند بعض الناس وذلك على مبدأ جحا عندما أخبروه أن النار في حارته… ثم في بيته إلى أن أجابهم: على كل حال هي ليست في ثيابي… ألا ترون أنه كان على جحا أن يهرع لإطفاء النار قبل أن تمتد؟!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق