قراءات ودراسات

مظفر النواب: خصوصية شاعر ما بين التفرد الشعري والنفي والأنكار

محمود حسان عبد اللطيف

يقع مظفر النواب فريسة حزنه في ممارسة القصيدة ويرسم فضاءات تضيق بالقارئ وتخرجه من عنق الزجاجة إلى الحلم بالحرية والنار ولوقع الرصاص في أذني النواب وقع القصيدة في عيون قارئها ذلك انه امتطى صهوة الخيال إلى أعلى سماء الشعر ليؤكد بأنه تجربة فريدة ومدرسة شعرية مستقلة لا تدين بالتلمذة لأحد بيد أن النواب المتعفف عن الشهرة التي تلاحقه كما أجهزة المخابرات في أكثر من دولة عربية هدر فيها دمه من قبل حاكميها دفعته إلى الارتماء في حضن دمشق أم حنون تحنو عليه ويلهب أنفاسها بالشعر مظفر النواب هو فاصلة في الحالة الجمالية للشتيمة المتخذة دربها كرصاصة لتخترق الصمت العربي وتؤجج نار القضايا العربي في الصدور التي ما زالت تعيش المد القومي الذي نهض مع خمسينات القرن المنصرم ليبقى النواب الشاخصة الحقيقة على درب الالتزام بالقضايا العربية لأدباء العربية. خصوصية الصورة عند النواب

تمتلك خصوصيتها المغايرة عن تلك التي اعتدناها في تراثنا الشعري، وحتى في شعرنا المعاصر، فهي لا تعني القدرة على تشكيل العالم وفق أبعاد جمالية وأيديولوجية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى الدفع على الفعل، أي لتصل إلى مستوى التثوير الذي ينبثق عن الطبيعة الشفاهية لشعره، وهذا المستوى التثويري ناتج عن قدرة الكلمة المنطوقة على الفعل فالشفاهية هي الوسيلة الأولية والأصلية في التداول الإنساني للفكر وللوعي، وبكلمة فهي الطريقة الأولى للوجود الفكري الإنساني، وقد اقترن هذا الفكر الشفاهي بالفعل المباشر، وقد “أثبت مالينوفسكي أنه بين الشعوب الشفاهية تصبح اللغة بشكل عام أسلوباً للفعل، وليس مجرد علامة مقابلة للفكر.. فلا يمكن أن يصدر الصوت دونما استخدام للقوة، إذ يمكن للصياد أن يرى ثوراً ويشمه ويتذوقه ويلمسه وهو متجمد في مكانه أو حتى ميت، ولكنه حين يسمع صوته ، فمن الأفضل له أن يحترس، لأن هذا معناه أن شيئاً سيحدث، وبهذا المعنى يكون كل صوت، وخاصة ذلك الذي تنطقه الشفاه ويأتي من الكائنات العضوية الحية، دينامياً ، أي أنه يكون باعثاً على الفعل، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن هذا الصوت هو شعر مظفر النواب بإلقائه المميز، وينبني هذا الفعل الدينامي في النص على مستويين، الأول: على مستوى الصورة الذهنية بما يجعلها تمتلك إيقاعيتها الخاصة، والثاني:  يكون على مستوى التثوير الجماهيري، وحشد المتقي ضد السلطة. والصورة الشعرية عند مظفر هي تشكيل لمعطيات عمليتين تمثلان جناحي الوعي الإنساني بنفسه وبعالمه هما عمليتي الإدراك Perception، والتخيل Imagination مضافا إلى هاتين العمليتين عملية أخرى كانت الدافع الحقيقي لإنتاج الصورة الشعرية، وهي عملية التثوير، واللغة هنا هي تلك الأداة التي يستخدمها الوعي الإنساني المثقل بمعرفة العالم منطلقاً بها إلى عملية التثوير، مستخدماً في ذلك الصورة الشعرية.

ومستوى التثوير في شعر مظفر النواب ناتج عن رؤية موضوعية للعالم عبر إدراك موضوعي،”وموضوعية الإدراك تستلزم موضوعية موازية لها في لغة التعبير عنها، وهنا تكون العلامة الإشارية هي العلامة المعبرة عنها حيث لا يختبر صدقها في نفسها، وما تحمل من معنى، بل بما تتطابق من خارج/واقع، غير أن العالم الموضوعي يظل قابلا لعملية تركيبية أخرى أكثر حرية وأكثر ثراءً هي التخيل، وفيها لا تنفصل الذات عن الموضوع، وإنما تشكل رؤيتها وزاوية هذه الرؤية مصدراً لانبثاق مجموعة من العلاقات المبدعة تشكل صورة لا تنتمي إلى الواقع الموضوعي قدر انتمائها إلى الذات المتخيلة

إيقاع الصورة عند مظفر النواب

ينبي مظفر النواب صورته بطريقة خطرة كما فعل في قصيدة (الوتريات الليلية ) وسمة الخطورة تأتي من حيوية الحركة للصورة وانتقالها ما بين الماضي والمستقبل مروراً بالواقع الملوس فالصورة التي يرسمها النواب في القصيدة المذكورة (الوتريات الليلة )صورة تستمد مشروعية وجودها من الماضي الجميل لترسم واقعاً مر وقحاً بغية استشراق مستقبلاً يكون فيه ردة فعل ردايكالية مفعمة بالوعي الحقيقي للماضي والحاضر ولنقف على انواع الصورة عند النواب في حالاتها الشتى

أولا: الصورة المستمدة من الماضي (الماضي او التريخية ) والصورة الحاضرة (الانية).

ونقصد بالصورة الماضية هي تلك التي تستمد من الماضي ببعيده التاريخي والنفسي ، اي ان كل منهما يمثل الاصل في وجود الاخر فكلهما يعملان دور المكمل  فيقول:

(   في تلك الساعة من شهوات الليل..

وعصافير الشوك تفلي الأنثى بحنين..

صنعتني أمي من عسل الليل بأزهار التين

تركتني فوق تراب البستان الدافئ

وحلمت هناك بسكين ..

وتحرك في شفتي سحاق السكر )

وهنا يرسم وجودية الحزن في صورة شعرية تنم عن خيال خصب ،الحزن الذي لازمه منذ أن استقى الوجودية والنفسية والمعرفية :

(   كان الشبق الناري يعذبني ..

مذ كنت حليباً  دافئ في النهدين ..

وكانت تبكي من لذتها شفتيّ ..)

وترتبط الصورة الماضية في المستوى  التاريخي بالواقع وبالصورة الحاضرة (الأنية ) التي والتي يكشف فيها النواب مرارة الواقع ووقاحته )

والصورتين الماضية والواقعية الحاضرة مكملتين لبعضهما بحيث تصبح الصورة عند النواب مرنة الحركة ما بين الماضي والحاضر

ثانياً : الصورة المستقبلية

للصورة عند النواب خصائص هامة واهممها على الاطلاق (إيقاعية الصورة)،

أو بالأحرى اتجاه  الصورة من منطلقي الماضي والحاضر إلى استشراف المستقبل، وهو ما أطلقنا عليه القدرة التثويرية،  وهذه القدرة التثويرية تنبع من رغبة ذاتية في هذه الثورة، وهذه الرغبة تنبني على ثلاثة محاور:

1-  المحور الأول : يتمثل في الرغبة في العثور على أنثى تشاركه الحياة حزناً وفرحاً، وهذه

الأنثى ليست مجرد أنثى عادية بل أنثى مكافئة له تحمل نفس زوايا روحه، يقول:

(يا طير البرق أريد امرأةً دفئاً فأنا دفءٌ ..)

وبين الغربة النفسية والغربة المكانية يبرز الشوق الناري ليس إلى أي أنثى فقط، ولكن

الهدف الأكبر هو أنثى وطنه، وتبرز الأنثى هنا باعتبارها بديلا عن الوطن الضائع، يقول:

( أتشهى كل القطط الوسخة في الغربة

لكن نساء الغربة أسماك

تحمل رائحة الثلج وأتعبني جسدي )

………

( قد أعشق ألف امرأة في ذات اللحظة

لكني أعشق وجه امرأة واحدة من بلدي

امرأة تحمل خبزاً ودموعاً من بلدي )

2-  المحور الثاني :يتمثل في الانتماء الى وطن يحمل ضمن مفرداته العزة أكثر من الشعارات ،ويحمل في تكوينه الثورة الحقيقية للشعب لا ثورة اللصوص – كما يسميهم –

(يا ملك الثوار ..

تعال بسيفك إن طواويس يزيد تبالغ في التيه )

ولكن رغبته هذه قابلها الكثير من الخذلان العربي في الكثير من الأراضي العربي لذا واجه هذا الخذلان بالموت وبالخراب فيقول:

كوني عاقر أي أرض فلسطين فهذا الحمل مخيف

كوني عاقر يا أم الشهداء من الآن ..

فهذا الحمل من الأعداء دميم ومخيف

لن تتلقح  تلك الأرض بغير اللغة العربية

يا أمراء الغزو فموتوا سيكون خرابا … سيكون خراباً … سيكون خرابا

هذي الأمة لابد لها أن  تأخذ درساً في التخريب

3- المحور الثالث : وهو الصوفية الخالصة ولكن بنظرة مغايرة للصوفيين ،فالنواب يرى ان العودة الى الله لا تتم بالفعل البشري فحسب بل بتحقق الأمر الألهي  يقول:

أنقذ مطلقك الكامن في الإنسان

فإن مدى المتبقين من العصر الحجري تطاردني

أنقذني من وطني ..

ولعل النواب يختصر الطريق على ضرب الأمثلة من شعره في محاور الصورة عنده ليقول مجملاً الثلاثة محاور في قوله :

(أتمنى عشقاً خالص لله

وطيب فم خالص للتقبيل

وسيفاً خالص للثورة .. )

تفاصيل في التصوير الشعري

اشتغل الناوب على تشكيل اللوحة الخاصة بوجوده على خارطة الشعر ليرسم على أمتداد الوقت الذي مارس فيه القصيدة كفعل ثوري وجودي ليكون في آخر المطاف مرسى لحلمه المنكسر على نحو ما بالثورة فكانت التفاصيل الصغيرة لوحة بانوراميا لمشهده الشعري ومن هذه الصور نلتقط صور مثل (صورة البدوي الضالع في الهجرات – الروح البشرية بتجلياتها المتعدد والصورة التراثية المأخوذة عن النصوص الواصلة عبر التاريخ لسرديات وقائعه والصورة الواقعية للأنسان في القرى العراقية تارة وفي البلاد العرية قاطبة تارة أخرى )


مواضيع النواب

تنقسم مضامين اشعار النواب الى قسمين ، الغزلية وما يرتبط فيها بالثورة وانتفاضات الشعب، وتفوق قصائد العشق الغزلية نظيرتها عددا، اما القصائد الثورية، فتبدو غالبيتها كمراث لاشخاص قتلوا في الاحداث المتضاربة والسنوات القلقة التي شهدتها البلاد، اما غيلة او في ساحات المعارك خلال الصراع مع قوى القهر والاستبداد، لكن النواب منحهم حضورا جليا جعله يتجاوز حياتهم القصيرة المتحدية، عبر اشكال مقاومتها الفذة الى قامة الوجود الاسطورى الدال، وقد قيلت تلك القصائد او كتبت اكثرها في مناسبات خاصة وحملت اسماء قتلى المعارك ، وبعضها سميت باسماء العشائرالتي ينتمون اليها وهي عشائر ال سعود ، ال ازيرج ، ال حمد، وهي قبائل امتهنت الثورة ضد الواقع الجائر حقبا طويلة ، ومنها قصيدته المعنونة باسم الثائر حسن سريع

صوفية المكان

في دراستنا للمكان عند النواب، نجد ان المكان ليس واحدا ، ولكنه امكنة عديدة متواصلة -اما وصفاً او ايحاءاً – انتجت بدورها دلالات متعددة في منطقة اللاواقع، هدف النواب الى صنعها من خلال وعي متلقيها، مما اضفى عليها جواً سحرياً ، خصوصا تلك الامكنة الغائبة او التي غيبتها الذاكرة خلف عوالم الخيال، فبقيت اثارها في ذهن مستحضرها حتى بعد انتهاء القصيدة، اشبه ببقايا الحلم، واضفت لغة مظفر الانتقائية وحسن استخدامه للهجة الواصفة المجازية المعتناة احساسا دلالياً بالغ الالفة وشديد الغرابة في الوقت نفسه على شعره وعلى قارئه، حتى انه جعل المكان يتحكم في حركة القصيدة ومسارها في قصائده الشعبية  (حرز ،حسن الشموس ،جنح غنيده ، حجام البريس، سفن غيلان، يالجنت كلشي ، وللريل وحمد) فانت لاتستطيع ان تمنع نفسك من ان تتخيل قطاراً خاليا يتيه في وسط الليل، ويمر بمحطات متقاربة ساكنة يغطي اروقتها الضباب الداكن والاضوية الخافتة، التي تتلامظ مع انطلاقة القطار الذي توقف فيه الزمن بين اكواخ القرى والبساتين المعتمة في الليل الصامت.

لغة النواب

لشعر النواب قوة التعبير ومتانة اللغة والمفردات ، كما يمتاز الشاعر بقدرته على استعمال الألفاظ والكلمات والاشتقاقات استعمالا ً جديدا ً ومناسبا ً وحسنا ً حتى لتبدو بعض الصياغات للجمل والمفردات لما فيها من الغرابة والتفرد وكأنها من اختراعه .. وحين يريد الهجاء يمتاز النواب بايتخدام الألفاظ استعمالاً هجوميا شرساً  كذلك يستخدم الكلمات والجمل الواردة في نصوص تراثية معروفة ويقوم باستعارتها والاستعانة بها واستخدامها في اطارها الصحيح وبما يذكر بدلالاتها الدينية والفلسفية والتاريخية .. أما قدرته الفائقة على الوصف فانها تجعل من شعره في وصف بعض الاحداث شريطا ً وثائقيا ً مصورا ً يلتقط كل التفاصيل الصغيرة دون أن ينسى الحركات والتعابير والألوان ( والديكور ) والثياب والشعارات والحوار .. فيرسم المشهد بريشة ألوانها الكلمات المختارة المعبرة والموحية وحدود الأبعاد فيها ، التعابير والجمل البليغة الساحرة .. وتظهر متانة البناء اللغوي لشعر مظفر النواب وقوة السبك في عباراته من خلال التناسق الكبير بين الكلمات المستخدمة وبين مدلولاتها ..
إننا نستطيع ان نتبين كل تلك المعاني والأبعاد والميزات من خلال استعراض وتحليل بعض المقاطع والنصوص من شعره ..
ويمكن لنا التدليل على ذلك من خلال المقطع الذي اخذناه من قصيدته ( وتريات ليلية ) / الحركة الثانية

غطى شعب الفلاحين فوانيس الليل برايات تعبق بالثورات المنسية
فاستيقظت الخيل .. وروحي كالدرع ائـتلفت
وعلى جسر البرق المهجور .. انتظروا
صرخت : الهى هؤلاء الفلاحون كم انتظروا ؟ !!
علـّـمهم علم الشعب على ضوء الفانوس ..
ولا والله
على ضوء الظلمة
كان ( حسين الأهوازي ) بوجه لا يتقن إلا الجرأة والنشوة بالأرض وقال انتشروا ..
ويحفز النواب التخيل في صياغته هذه عنما يدلل على وجود ضوء للظلمة وهذه المبالغة في التصوير للصعوبة التي عاناها القائد القمرطي المعروف لنشر أفكاره بين فلاحي الاهواز حيث كان يجتمع بهم على ضوء الفانوس بسبب مطارة اللسطة له تحيلنا الى قوة التصوير الوثائقي لمظفر النواب للحدث .

بلاغة النواب

الصورة البلاغية الجميلة عن النواب  في كثير من الأحيان غريبة ومستـحدثة ، كذلك التشبيهات والاستعارات والاشتقاقات التي تبدو طريفة وفريدة .. فالأساس ا لغوي المتين للشاعر  مكنه من القدرة الكبيرة على  تطويع مدلولات ومعاني الألفاظ والكلمات والتحكم بتصريفها وبنائها اللغوي ومكــّـنـه من استخدام الأنساق المختلفة من الاشتقاقات للوصول إلى معان ودلالات جديدة إضافة الى جرأته الشديدة في أنتقاء بحيث يمكن لنا تشبيهه بالنحات لأشتغاله على الكلمة أكثر من غيره للوصول بها الى معنى دلالي غير مسبوق وهذا يعيدنا للحديث عن خصوبة خياله في استباط المفردة وتطويعها لرسم ما يريد من خلال الاشتقاقات اللغوية والتمكن الواضح من النحو والصرف والايحاء والاستعانة بالصياغات القرآنية في التعبير وبناء النص .. كل ذلك نستطيع أن نجد له مرتسمات ونحن نفتش في الجانب البلاغي من أشعار وقصائد النواب .. لننظر إلى هذا النص القصير من قصيدته المسماة ( آر بي جي ) وهو يصف شجاعة أحد الوطنيين الفدائيين في جنوب لبنان :

(وتقدم مجموعته عبر الليطاني فقدناه
وتبعنا رائحة الجرأة والدم وجدناه
حاولنا أن نأخذ بارودته لم نتمكن
هو والبارودة في السهل دفناه
أو هو يدفننا نحن الأموات هو الحي
وحرب التحرير سجاياه)
وهنا لم نجد قد استخدم الدلالة المباشرة على استشهاد الفدائي الذي يمجده النواب  ، إلا أن المناخ الذي خلقه النص دلل على استشهاده ودفنه .. وذلك من خلال إعلانه  لفقده ثم أعلانه دفنه ، لقد ابتعد الشاعر عن الأسلوب التقريري الساذج .. أن الأسلوب العصري سواء في الأدب أو السينما يعتمد على نقل السامع أو المشاهد إلى الحدث وتطوراته من خلال ما يعبر عنه عن دلائل واستشهادات ورموز أحيانا ً ..

تجاهل النواب في الدراسات الشعرية

يشير الدكتور عادل الأسطة في دراسة له الى تجاهل مظفر النواب من قبل دارسي الشعر العربي في مؤلفاتهم فيقول

(على الرغم من أن مظفرا واحدٌ من أكبر شعراء العرب المعاصرين إلا أنه أكثر شاعر مغيّب في الدراسات التي تناولت الشعرَ العربي المعاصر , تماما كما أنه مغيّبٌ عن المختاراتِ الشعرية العربيةِ المعاصرةِ , ويُلاحظ الشيءُ نفسه أيضا مع كتب السير والسير الذاتية , حيثُ لم يرد – في أكثر هذه – نبذةٌ عن حياته تُعَرِفُ به .)

وهنا لابد من نتسأل عن سر هذ التغيب ,

أيعودَ مثلا إلى قسوة الشاعرِ في نصوصه على الأنظمة العربية و هجائها هجاءٌ مرا دفعها إلى تغييب نصوصه في بلدانها ؟, وقد صدرت في بيروت والأرض المحتلة وليبيا وباريس ولندن . وما من شك في أن الأسباب المفترضة الأخرى متعلقة في السبب المذكور . فالأكاديميون والمثقفون الذين يوجدون في هذا البلد العربي أو ذاك , لا يجرؤون عن الكتابة عن شاعر هجا الحاكم , فكتابتهم قد تكلفهم أشياءَ كثيرة ؛ أقلها المساءلة عن السبب الذي حدا بهم إلى اختيار هذا الشاعر للكتابة عنه أو أن الدارسين تبنوا رأي الشاعر مريد البرغوثي الذي قال معبراًعن رأ]ه الشخصي في مظفر النواب  ” شاعرا عابرا أو شاعر مرحلة و شاعر موضة ” ؟ .

ومن الدراسات التي تجاهلت النواب شعرياً دراسة الدكتور احسان عباس ” اتجاهات الشعر العربي المعاصر ” ( 1977 ط 1 – 1992 ط 2 – 2001 ط 3 ) وقد خلت الدراسة من تناول النواب أو التمثيل بشعره . فهل اكتفى عباس بثلاثة شعراء عراقيين هم البياتي والسياب والملائكة ؟ الدراسة الثانية التي تجدر إليها دراسة د.علي عشري زايد ” استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر ” – ( 1977 ط1 – 1997 ط 2 ) غياب اسم النواب نهائيا , فلم تعاين قصائده التي نشرت في الصحف والمجلات . قبل عام 1972 , ولم يكن اسم النواب في حينه , شائعا . غير أن ما يلفت النظر هو أن الدارس في طبعته الثانية ( 1997 ) لم يجر أي تغيير ولم يتجاهل وفيق خنسة في كتابه (جدل الحداثة في الشعر الصادر عام 1985 مظفر النواب وحسب بل قام بالانتقاص وما دام معجبا بأدونيس إعجابا كبيرا عبر عنه بالعبارات التالية : ولنقارن بين ما كتبه عن أدونيس وما كتبه عن النواب فذكره لأدونيس جاء جمالياً بحتاً حيث قال : ( أن تقرأ أدونيس يعني أن تتهيأ لأنك مدعو لطقس جديد … أنت مطالب بكل الحضور وكل التذوق وكل الإقبال في احفال بهي للعقيدة .. أنت لا تستطيع أن تقرأ أدونيس وأنت تدير ظهرك للكيمياء , لأن الجمالية لدى ادونيس تتأسس على انفتاح اللغة الشعرية , على خلع أبواب القابلية ..) وجاء على ذكر النواب بالجمل الأتية مستشهداً بنص الوتريات الليلة ليقيم الحد الشعري على مظفر النواب قائلاً ( إن وتريات ليلية نهاية منهج شعري وقمته بآن واحد , ولكن هذا الاتجاه خرب جمالية القصيدة , وهدر الكثير من موهبة الشاعر دون مقابل) ودراسة الدكتور خالد الكركي ” حماسة الشهداء : رؤية الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث دراسة ومختارات ” ( 1998 ) . لم تكن غير سبقاتها من الذكر حيث يُعد هذا الكتاب أطول دراسة درست موضوع الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث , وهنا يجدر بنا الإشارة الى أن الدكتور الكركي لم يذكر تاريخاً لبدء دراسته إلا أن الدكتور .احسان عباس قدم لها  في كانون الثاني 1998 , أي أنها كانت أُنجزت في عام 1997 , وكانت قد سبقت الدراسة بعام كامل صدور مجموعة الأعمال الشعرية الكملة لمظفر النواب عن دار قنبر في لندن  غير أنه لم يناقش النواب في ذكره للشهيد الا من خلال القصائد التي نشرت  في  كتاب  ” باقر ياسين ” مظفر النواب : حياته وشعره ” ( 1988 ) وهناك الكثير من الدراسات التي صدرت متجاهلة النواب أو منتقصة من وجوده الشعري الهام

مظفر والعراق والقصيدة

أمارس الهروب من الذات؟

هذا ما يفعله النواب للهروب من شوقه وحنينه للعراق فهو الذي خرج من العراق مكرهاً وتشردج وتشرذم في الكثير من العواصم قبل مجيئه الى دمشق وحين سئل ذات مرة عن شوق للعراق قال : (الحنين… نعم ولكن هناك قمع اضطراري لهذا الحنين، محاولة للهروب منه لأن استيقاظ الحنين مدمر ومدمر. أمارس الهروب من الذات؟ نعم أمارسه. الفترات الأولى كانت قاسية لأنني كنت قد تركت العراق حديثاً، والآن أصبحت أكثر قدرة على قمع حنيني لأنني لو أطلقت له العنان فسوف يدمرني. أبحث عن العراق من خلال شعري وأجده ويعزيني ذلك ولكن ما بين فترة وأخرى يستيقظ العراق مارداً في دمي ويهزني في الليل ليوقظني، أبدأ الأسئلة، وأبدأ بأول الأسئلة وآخرها: الى متى؟ الى متى والواقع العربي يشجع كثيراً على طرح هذا السؤال فهو رديء في كل مكان.) أمل النواب لو أنه يستطيع المحاربة في صفوف الجيش العراقي أثناء الحرب الاخيرة وهو الذي صرحها علانية حين قال : ( لو نشبت حرب فأني سأتطوع في صفوف الجيش العراقي ) وهذا يدلل على مدى عشقه للعراق الذي نفاه حكومة وظل الشعب العراقي يحفظ قصائده الملتهبة بسرية تامة تحت ظل منع النواب من التفوه بلفظة العراق على لسانه بتهمة (الخيانة والتحريض على العصيان …وتهم كثيرة أخرى لا مجال لإحصائها هنا ) بيد أن النواب مجبراً على كبت حنينه للعراق وحين سئل عن السبب الذي يمنعه من العودة الى العراق صحر بما معناه أنه خرج من العراق لان ظلماً كان يسوده أما الان فالظلم أكبر فهو محتل وتسوده شريعة الغاب لذا لن يعود الى الخراب وقد هرب منه والنواب لا يعترف بشكل تقليدي لممارسة القصيدة فهو الهار من كل القولبة التي يتعاطها شعراء العربية فيقول عن ذلك : (ليس هناك هندسة مسبقة في ذاكرتي لبناء القصيدة. لا أؤمن بما يسمى الهندسة المسبقة. هناك شعراء آخرون يؤمنون بهذا أما أنا فلا. قضية الكتابة بالنسبة لي قضية ورقة وطاولة وقلم. ثمة مدارس نقدية تعتبر ان مسألة الكتابة لا تتعدى ذلك، وهناك نقاد يعتبرون ان الكتابة عملية هندسية سابقة للحظة الإبداع تماماً كالهندسة التي يخطط بها الرسام للوحته وفيها يقرر مسبقاً توزيع المادة والألوان. أنا أؤمن أن التداعيات الخلفية الذهنية سواء أكانت ايديولوجية او ذات امتداد في التجارب الإنسانية الماضية تتداخل بشكل عضوي في أعماق الإنسان. وفي لحظة الكتابة تخرج الأشياء متكاملة، وخلال الكتابة تتفتح قضايا جديدة. أذكر رأياً هنا لجان نيرون الشاعر الفرنسي المعروف يقول فيه بأن في اللحظة التي يصنع فيها الألوان والخطوط على اللوحة يكتشف أبعاداً جديدة لعمله فيضيئها. ثم تعطيه تلك الأبعاد أبعاداً أخرى فيضيئها أيضاً. وهكذا تبدو العملية الفنية عملية جدلية بينه وبين اللوحة حتى يصل الى اللحظة التي يشعر فيها بأن عليه أن يتوقف. والقصيدة تبدأ بالنسبة لي على هذه الصورة، عندما أبدأ بالقصيدة لا أشعر أن هناك نهاية الى أن أوقف الموضوع، العملية إذا شبيهة بالحياة وامتداداتها ومساراتها اللانهائية.)

حكايته مع الحياة

(سوف نبكي غداً

حينما نلتقي

تمسحين تراب ثلاثين عاما

من الطرقات

وضعْف عيوني بمن قد رأيت

وقد تسأليني

من الأمس والعشق ماذا بقي؟

أجيبك صمتين

حتى أوارى

وتنعب أوجاع قبري بالمطلق.)

ولادة النواب كانت عام 1934 في بغداد  لاسرة ثرية متذوقة للفن والموسيقا والادب  ، ظهرت موهبة الشعر لديه وهو الصف الثالث الابتدائي اي بعمر التسع سنوات على يد استاذه الذي تبيه الى سلامة لفظه الشعري لغوياً وعروضياً  وفي المرحلة الاعدادية – المتوسطة – بدء بواكير شعره بالظهور الى الآخر في مجلات الحائط المدرسية ونتاجات الطلاب الادبية ونتيجة لظروف اسرته التي حالت الى الكثير من الفقر الناجم عن مصادرة الممتلكات من قبل الحكومة العراقية آنذاك تابع دراسته في كلية الآداب في بغداد وبعد انهيار النظام الملكي في العراق عام 1958 تم تعيينه مفتشاً فنياً في وزارة التربية  وفي عام 1963اضطر لمغادرة العراق بعد الحوادث الدامية بين القوميين والشيوعيين  الذين تعرضوا للملاحقة والسجن من قبل النظام الحاكم وقتها  فهرب عبر البصرة الى ايران والتي سلمته عبر مخابراتها في ذلك الوقت (السافاك)  لاجهزة الأمن العراقي  وذلك في طريقه الى روسيا بعد أن اخضعته للتعذيب الجسدي والنفسي الشديدين لارغامه على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها وكان ذلك في عام  28/12/1963، فحكمت عليه المحكمة العسكرية هناك بالإعدام ، إلا ان المساعي الحميدة التي بذلها أهله وأقاربه أدت الى تخفيف الحكم القضائي الى السجن المؤبد.  وفي سجنه الصحراوي واسمه (نقرة السلمان) القريب من الحدود السعودية-العراقية ، أمضى وراء القضبان مدة من الزمن ثم نقل الى سجن (الحلة) الواقع جنوب بغداد.  في هذا السجن الرهيب الموحش قام مظفر النواب ومجموعة من السجناء السياسيين بحفر نفق من الزنزانة المظلمة ، يؤدي الى خارج أسوار السجن ، فأحدث هروبه مع رفاقه ضجة مدوية في أرجاء العراق والدول العربية المجاورة.  وبعد هروبه المثير من السجن توارى عن الأنظار في بغداد ، وظل مختفياً فيها ستة أشهر ، ثم توجه الى الجنوب (الأهواز) ، وعاش مع الفلاحين والبسطاء حوالي سنة. وفي عام 1969 صدر عفو عن المعارضين فرجع الى سلك التعليم مرة ثانية. عادت أغنية الشيطان مرة ثانية.. حيث حدثت اعتقالات جديدة في العراق ، فتعرض مظفر النواب الى الاعتقال مرة ثانية ، إلا ان تدخل علي صالح السعدي أدى الى إطلاق سراحه.  غادر بغداد الى بيروت في البداية ، ومن ثم الى دمشق ، وراح ينتقل بين العواصم العربية والأوروبية ، واستقر به المقام أخيراً في دمشق

تاريخ اسرته

النواب تسمية مهنية ، وقد تكون جاءت من النيابة ، أي النائب عن الحاكم ، إذ كانت عائلته في الماضي تحكم إحدى الولايات الهندية.  حيث يعود نسب العائلة الى شبه الجزيرة العربية  والتي هاجرت لتستقر في بغداد  ، والتي تنتمي للإمام الورع موسى بن جعفر الكاظم من سلالة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث اغتيل موسى الكاظم زمن هارون الرشيد بالسم  ، ما أجبر العائلة ومن يتبعها الى النزوح الى الهند وتحديداً المقطاعات الشمالية منه : ( بنجاب-لكناو-كشمير.) ونتيجة للنسب الشريف وما تتمتع به العائلة من علم ومعرفة توجوا حكاما لتلك المقاطعات في حقبة من الحقب  وكنتيجة طبيعية لمشاركة هذه العائلة في مقاومة الاحتلال البريطاني في النهد وإثر سقوط الثورة الهندية عرض الحاكم العسكري على البريطاني على العائلة النفي السياسي على أن يختاروا الدولة التي ينفون اليها فأختارت العراق  كونه موطنهم القديم  حيث تغفو احلام العائلة على عتبات الاماكن المقدسة في العراق  فأتت العراق بثروة طائلة وتحف نفيسة

.

المراجع :

1- مظفر النواب حياته وشعره – باقر ياسين 1988

2-      دراسة في شعر النواب – محمد طالب الاسدي

3-      بانوراما المشهد الشعري عند مظفر النواب – محمد عبد العال

4-      تغييب مظفر النواب – د.عادل الأسطة – مجلة كنعان , عدد 99 , تشرين 2\1999

5-      جريدة السفير – بيروت- 7/1/2000

6-      جريدة السفير الأردنية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “مظفر النواب: خصوصية شاعر ما بين التفرد الشعري والنفي والأنكار”

  1. هناك خطأ في ذكر الباحث لعنوان كتابي الصادر قبل عشر سنين عن دار الشؤون الثقافية في بغداد حيث ذكره في المصادر مخالفا لعنوانه ولم يذكر اي معلومة من معلومات نشر الكتاب كما هو متعارف عليه مثل جهة النشر سنة النشر مكان النشر فضلا عما أشرنا إليه من انعدام الدقة في العنوان . انه كتاب كبير وليس مقالة عابرة عزيزي .

  2. ارجو اثبات العنوان الدقيق لكتابي ومعلومات النشر التي اهملها الاخ صاحب المقال . عنوان الكتاب هو ( بناء السفينة دراسات في النص النوابي) الصادر قبل عشر سنوات اي عام ٢٠٠٩ عن دار الشؤون الثقافية في بغداد.
    محبتي
    د. محمد طالب الأسدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق