ثقافة السرد

الإيراد

بقلم: على حزين

مثل فأرٍ صغيرٍ وقع في مصيدة , ظلتُ واقفاً , خائفاً , قلقاً , حائراً, متوتراً , مرتجفاً أنظر بعينين مذعورتين, إلي المدى البعيد , من نافذة صغيرة محاطة بأسلاك شائكة صدئة .. والطريق الذي تسلكه العربة يمتد , ويمتد .. ولا ينتهي .. وأنا لا أدري إلي أين ..؟!..أو أين أمضي ..؟!. أو متى ستنتهي هذه الرحلة.؟!. وهذا الكابوس المفزع وما الذي خبأته ليَّ الأقدار ..؟!.. وما المصير..؟!..
والليل يطلب النهار حثيثاً , يغلف كل شيء بردائه الأسود الكئيب , وأنوار
المصابيح , تبدو من بعيد شاحبة .. تغيب ثم تظهر فجأة مباني مرتفعة شاهقة
, وأبراج مزروعة بطريقة عشوائية .. يضرب ضوءها العربة , ليدخل سرسوب من الضوء يقع علي وجه رجل غريب لا أعرفه , ركب معي منذ الصباح .. والوقت يمضي بطيئاً .. كسلحفاء عجوز عرجاء عمياء , وقد ضلت الطريق ..
عبثاً أحاول أن أتذكر , ما حدث معي بالضبط ..؟.. وما الذي جاء بي إلي هنا
..؟! وكيف وصلت إلي هذه العربة ــ عربة التراحيل ــ القميئة , الملعونة..؟! ..
أعيد المشهد في رأسي من أوله إلي آخره .. وأدير الأحداث كلها من جديد في مخيلتي ………
” في هذا الصباح نادوا علينا .. وقفت في زاوية ما .. ريثما يجهزوا لنا الأوراق المطلوبة.. والمأمورية الخاصة لكل واحد منا .. اقترب مني أحدهم.. يبدوا أنه قادم تواً من بيته , يتجشّأ .. مقطّب الجبين .. زاماً ما بين حاجبيه .. وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة , لكنها ساخطة.. يدنوا مني متبرماً , يمضي علي استلامي , والسلاح الذي في يده .. ثم سألني إن كان معي نقود أم لا..؟.. اكتفيت بهز رأسي نافياً .. فيضع الكلبشات في يدي.. يزم عليها بإحكام.. وقد ازداد حنقه.. وتجهمه في وجهي وبدأ يسب ويسخط على العيشة والحياة .. وبعد فترة غادرنا المكان على هيئة طابور .. والحرس يحيطوننا بالسلاح من كل جانب .. ركبنا عربة التراحيل .. تلك العربة اللعينة , القابعة أمام القسم , والناس يمرون علي مقربة منا , ومسافة غير بعيدة , منهم من ينظر إلينا بلا مبالاة .. مكتفيا بهز كتفيه وهو يمضي .. ومنهم من يلوّح لنا بيديه إشارة منه ليشعرنا بوجوده .. ومنهم من لا يشعر بوجودنا أصلاً , فالكلٌ منهمك بمشاغله اليومية .. وأخيراً وصلنا المحكمة.. أبواي في انتظاري هناك مع أهالي المتهمين القادمين معي .. أمي لم تستطع أن تخفي دموعها عندما رأتني, أما أبي فقد تجلد أمامي .. وتظاهرً بالقوة والشجاعة , وبرباطة الجأش , والصلابة التي عهدتها فيه دائماً .. اقتربوا الأهالي منا , بعدما استأذنوا الضابط المرافق للمأمورية , والذيً أشفق عليهم .. استأذنوه فسمح لهم بالاقتراب منا .. وأذن لهم بأن يدنوا ليجلسوا معنا , ويسلموا علينا , ويكلمونا بعض الوقت ….
ــ لمدة عشر دقائق فقط لا غير ــ وما أن دنى أبي مني حتى ضمّني بين زراعيه السمراء , الحانية , المرتعشة , ضمة شعرت ببردها ودفء حنانها بين ضلوعي .. برهة قصيرة من الزمن .. يحاول  فيها أن يغالب دموعه المترقرقة في مقلتيه الذابلة .. قبلني بين عينيي .. نظرت في وجهه الذي أبى الزمان إلا أن يضع بصماته الواضحة عليه .. والكبر مع المرض شقّا بعض الأخاديد الصغيرة بين طرقات وجهه الأسمر الجميل ,
حينها لم أتمالك نفسي ورأيت دموعي , وهي خارطة علي وجنتاي , حاولت أن
أنطق , أن أتكلم .. أن أقول له شيء .. أردت أن أقول له :
ــ سامحني يا أبي علي كل هذا العناء الذي قد تسببت لك فيه أنت وأمي ..
ولكن لم أستطع, فدموعي مع حجرجة صوتي .. منعتني من الكلام .. تلقفتني أمي أحاطتني بزراعين هزيلة , واهنة .. وراحت تغمرني بحنانها وعطفها ..
ووابل من القبل الدافئة .. وسط حبل من الأسئلة .. لا يقطعه إلا بكائها,
ودعائها المتواصل
ــ عامل إيه يا ولدي..؟ .. صحتك ازيها ..؟.. بتآكل ..؟.. بتشرب ..؟ ..
بتنام زين ..؟ بتتغطى من البرد ..؟… الخ .. الخ …
ثم دفعا إليَّ كيس أسود مربوط .. لم ينس فرد الحراسة.. أن يفضه , ويفترشه
أمام الباشا .. ليفتشه بالأمر المباشر.. يأتيني صوته البغيض .. ليحرك
مشاعر الاستفزاز بداخلي .. والغيظ , والغضب ..
ــ فيه أربع علب سجاير , وعلبتين كبريت .. وسندوتشات فول وطعمية يا فندم..؟.
ــ ………………
يومئ الضابط برأسه له ,مع إشارةٍ , بأن يتركهم لي .. أتناولهم من يده المفتولة .. وكلي حنق وغضب منه وعليه .. ابتعد بضع خطوات مع أبي الطاعن في السن .. حتى لا يسمعنا أحد.. يربت علي كتفي .. يهزني هزة خفيفة
حانية.. بصوت أجش قد حبست نبراته غصة مريرة .. وهو يغالب دموعه حتى لا تجري من عينيه الذابلتين فوق طرقات وجهه الأسمر .. وهو يقول لي :
ـــ مـ تشد حيلك يا ولدي وخليك راجل .. براءة بأذن الله تعالي .. المحامي
طمني , وقال لي انك هـ تخرج من هنا بالسلامة علي بيتك طًوَالي , لا تخف ,
واطمئن .. أنا قوّمتْ لك أكبر محامي في البلد ..؟!!.
قاطعته بسؤالي الفضولي .. وبداخلي من الحزن , ومن الألم ما الله به عليم
.. والحسرة تعصرني علي أني تسببت في تعبهما .. وتحملهما معي فوق طاقتهما .. خاصة وأنهما قد بلغا من الكبر عتيا .. ويحتاجا إلي الراحة .. والي من
يقوم علي خدمتهما , ورعايتهما .. وأنا قد تعبتهما …
ــ من أين أتيتم بالفلوس …..؟!! “
فأجابني بصوت خافت , ضعيف , حزين , وهو ينظر بعيداً.. وكأنه يريد أن
يخبأ عني شيئاً ما.. أو ربما يكون يتفقد المكان .. أو ربما يخشى أن
يسمعه أحد .. يدنو مني , فأشتم رائحته الطيبة , الزكية .. يهمس لأذني
ــ أمك باعت الذهب ….
ثم أردف يكمل بشيء من الحدة , والإصرار .. وقد عَلَى صوته قليلاً ..
ــ ولو رست نبيع لك البيت بس أنت تخرج لينا بالسلامة ـ إن شاء الله
نظرت لهما بإشفاق.. وأنا لا أستطيع مغالبة دموع الندم , والحسرة علي ما
فعلت , أقرأ ملامحهما في حب .. وأنا نادم علي كل ما فعلت .. وما صنعت..
ولمت نفسي ووبختها كثيراً.. بل احتقرت نفسي .. وكرهتها أيضاً ..
(( كيف جرئتُ على هذا .. وكيف طاوعتني نفسي الأمارة بالسوء .. لأفعل ما
فعلت وتسببت في تعب أحن , وأعز , وأغلي الناس عندي ..!!.. أهل هذا
جزائهما..؟!! .. أهل هذا هو البر الذي كان من المفترض أن ابرهما به
..؟!!.. وهل هذا جزائهما معي ..؟!!.. وهما يحتوياني بكل هذا العطف ,
والحنان .. تبت لي وألف تب ..)) ..
ــ بس انتم قومتوا ليّ إلي الآن ثلاثة محاميين .. وكل واحد فيهم يقول
لكم نفس الكلام .. وبعدين أخرتها إيه طيب …؟!!!!!!!”
نظر إلي أبي وهو يبتسم .. ابتسامته الجميلة المعهودة .. يداري خلفها ما
بداخله من حزن , وقسوة الأيام , ومرارة العيشة , والحياة .. والموقف
الصعب الذي وضعته فيه .. ثم اتسعت عيناه دهشة .. مع شيء من الفرح .. وهو يقول ليّ .. وكأنه يريد أن يأخذ الحديث إلي منحى آخر ..
ــ أسكت مش أمك شافت لك عروسة .. لا وإيه قمر .. بدر بدور سبحان من صور كلمت لك أبوها , وافق علي طول .. والبنت فرحت , أنت لما تطلع من هنا
بالسلامة ــ إن شاء الله ــ أكتب لك عليها على طول ..
كنت أدرك أنه يقول هذا.. من باب التسرية والتخفيف عني .. وحتى يغير
الموضوع ويأخذه إلي منحنى آخر.. ولكي لا يجيب علي سؤالي .. الذي مازال
يحيرني كثيرا جدا …؟
ـــ من الذي جاء بي إلي هنا ..؟!.. وإلي متى سأظل رهينة شيء لم أفعله..؟!! ..
ومتى أنتهي من التردد علي المحكمة ..؟!.. فقد زهقت من كثرة الجلسات ..
وهذه الجلسة التي لا أذكر رقمها من كثرة الجلسات لا أدري ماذا فيها ..
هذا إشكال .. وذاك التماس .. وتلك مرافعات .. و.. و.. ولا نتيجة حتى الآن….
الضابط يقوم من مقامة .. يعدل من بدلته البيضاء .. يقترب منا بخطواتٍ
مختالة .. يأمر الجميع بالابتعاد عن المتهمين .. وهو يشير بكتلة مفاتيح
بيده .. للحراس أن يبعدوا ذوينا عنا .. فالوقت المحدد قد انتهى .. ويريد
أن يدخلنا في قفص الاتهام .. لأن المحكمة اقتربت علي الانعقاد , يربت أبي
علي كتفي .. يحتضنني .. يقبلني مرة أخرى .. وأمي تفعل بي مثل ذلك ..
وينصرفا عني غير بعيد مني .. والضابط يأمر الحراس بأن يدخلونا في قفص الاتهام .. أدخل القفص الحديدي .. وأنا أنظر إلي أبي وأمي بإشفاق عليهما. من وقع المشهد , ومن الجنون ….
كان معي في داخل القفص .. أناس آخرون لا اعرف الكثير منهم , أو عنهم ..
بضع دقائق معدودة .. امتلأت فيها قاعة المحكمة عن أخرها .. بأهالي
المتهمين , وبالأمن , والمحامين .. وذوي الضحايا.. وراحت الأصوات يعلو
دويها كدوى النحل وتتداخل الأصوات , وتشابكت حتى لا تستطيع أن تميز
بينها , ولا بين ما يقولونه , غير أني شعرت بدوارٍ شديد يمسك رأسي ..
وصداع كاد يفتك بي , ويقضي علي , ودوار أفقدني القدرة علي الوقوف ..
فاضطررت للجلوس في ركن ما في داخل قفص الاتهام أري , وأسمع , وأتابع كل. ما يدور حولي في صمت .. فجأة يدخل الحاجب مسرعاً .. يزعق بمد الصوت ..
الجهوري …
ــ محكمة …..
العربة تقترب من السجن العمومي .. ٌتبطئ من سرعتها شيئاً فشيء .. وهي
ٌتعطي تلكس بطريقة ما .. وقد أرعشت أنوارها الأمامية ..
” تذكرت ذلك المشهد المحفور في الذاكرة.. المعروف في الأفلام القديمة ــ
الأبيض والأسود ــ عند موعد تسليم وتسلم البضاعة .. في الزمان والمكان
المتفق عليه .. بين العصابة وبطل الفيلم .. والشرطة مختبئة في مكان ما
غير بعيد .. حتى يتمكنوا من القبض علي أفراد العصابة , وهم متلبسون
بالجريمة , ولا أدري .. لماذا لم يقبضوا عليهم قبل تسليم وتسلم
البضاعة..؟!.. وبمعنى أخر .. لماذا لا يمنعوا الجريمة قبل وقوعها .. ؟!
.. العربة تركن بجوار السور العالي .. أمام البوابة الرئيسية للسجن
الكبير برهة من الوقت .. يُخيم فيها الصمت علي المكان.. والظلام يلقي
بظلاله على كل شيء .. والوجوه الواجمة الشاحبة يملأها الخوف , والقلق من
المجهول … حُب الاستطلاع والفضول .. دفعني لأن أتفقد المكان , أرفع
بصري لأعلي السور العالي .. حيث الأسلاك الشائكة ــ علمت فيما بعد أنها
مكهربة ــ والجنود المدججين بالسلاح .. شعرت بضربات قلبي غير منتظمة ,
تعلو , وتهبط .. وشعرت بدبيب الخوف يدبّ في قلبي .. وقشعريرة سرت في جسدي
.. أخرجت سيجارة من جيبي بتوتر .. أشعلتها في ارتباك , وقلق .. أخذت
نفساً عميقاً .. حبسته في صدري .. أخرجته مع تنهيدة قوية .. اتجهت بوجهي
إلي داخل العربة ذات الرائحة الكريهة .. لأتفقد الوجوه الناظرة الحزينة
.. التي جاءت معي منذ الصباح .. والتي لا اعرف إلا القليل عن أصحابها

” احمد ” هذا الشاب الوسيم الأنيق .. القاضي حوّل أوراقه إلي المفتي
اليوم حكم عليه بالإعدام .. تهمته .. شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد
.. حكايته كما حكيت ــ والله أعلم ــ ” حاول قتل حبيبته التي تركته بعد
قصة حب عنيفة وطويلة , لماذا..؟ً!.. وكيف ..؟!.. قيل والله أعلم .. “
حبيبته تركته , وتزوجت برجل ثري .. وهو الذي أحبها بجنون .. مشت معه ,
خطبها من أهلها .. بعد سجال طويل مع الأهل الذين كانوا لا يريدون ذلك ..
ومع ذلك خطبها .. ترك الدراسة من أجلها.. حتى يستطيع العمل ليكوّن نفسه
.. وعندما علم بأنها خُطبتْ لغيره , هرب من الكتيبة , ومن دون أن يشعر به
أحد .. تربص بها , انتظرها وهي عائدة من المدرسة , ضربها من الخلف , وفرّ هارباً .. بعدما رآها تسبح في بركة دماء.. لكن الله أراد أن تعيش ..
والقدر كان لطيف بها.. بقيت بعاهة مستديمة..أفقدتها النطق والحركة والمشي
إلا علي كرسي متحرك , أدخلوها علي القاضي في صبيحة هذا اليوم .. لقد
رأيتها .. فتاة في ريعان الشباب .. فتاة جميلة جداً.. أثناء الجلسة ..
القاضي سألها ..؟.. من الذي فعل بكِ هذا ..؟… فأشارت إليه .. وبكت ..
وبعد سماع الدفاع , والمرافعة , ومحامي الخصم , وأقوال النيابة .. وسماع
الشهود .. وبعد الاطلاع على أوراق القضية .. وبعد المداولة .. نطق القاضي
بالحكم ..
ــ حكمت المحكمة حضورياً علي المتهم بالإعدام شنقاً , مع تحويل أوراقه
إلي فضيلة المفتي مع تحديد جلسة للنطق بالحكم ” ..
{{ يقال بأن أهل تلك الفتاة أيديهم طائلة , وعائلتها واصلة فوق قوى }} ………..
أما هذا الرجل الثاني الذي يجلس بجوار زوجته , وقد أسند ظهره للباب ,
ولجواره جهاز صناعي لساقه المبتورة ــ عرفت من أحدهم تُهمته ــ تواطأ مع
زوجته الشمطاء هذه بالتحريض والاتفاق , بوضع السم القاتل لامرأة عجوز
كانت تخدمها حتى يتمكنوا من سرقتها .. حكمت المحكمة عليهما بالإعدام
أيضا ..”.
وهذا الشاب شارد الذهن , صاحب البشرة البيضاء .. والذي يبدو في العقد
الثالث من عمرة ــ لا أعرف أسمه ــ أعطاه القاضي خمسة عشر سنة مع الشغل
والنفاذ .. علي جنايته التي قام بها … كان يتردد علي مقهى .. صغير في
أول الطريق ..
ليلعب الضمنة مع أصدقائه علي المشروبات .. وعندما منعه صاحب المقهى من
اللعب والجلوس , ما لم يقوم بسداد ما عليه من دين , وأحرجه أمام الناس ,
والزبائن حينها عزم على رد الإهانة , وقرر الانتقام منه .. تربص به وهو
عائد من المقهى وقت الغروب ,أخرج مسدس ” فرد خرطوش صنع محلي “وضربه
طلقتان أخطأته واحدة , والثانية سكنت قلب رجل كان عائداً من حقله تواً
علي ظهر حماره ومعه حمل برسيم .. فأردته قتيلا في الحال .. وفرّ هاربا
.. حتى قبض عليه ..”….
أتنبه للسعة النار التي بين أصابعي .. سحبت نفسا أخيراً من السيجارة قبل
أن أضعها تحت حذائي .. والصقيع قد حوّل العربة إلي ما يشبه ” الد فريزر “
..
العربة ما زالت تقبع تحت السور الكبير .. بجوار البوابة الرئيسية .. وأنا
أنظر من النافذة الصغيرة .. نحو الشارع الطويل.. وبعض المارة التي لم
يمنعهم حب الفضول من الاقتراب والنظر إلينا .. وأنا لم أزل معلق بالنافذة
كعنكبوت مذعور .. أو فأر صغير وقع في مصيدة .. أنظر فأرى الإشفاق في
العيون .. وعدم الاكتراث واللامبالاة من بعضهم .. والعربات تسبح في بحر
الشارع الطويل الشبه مظلم .. بأصواتها المزعجة , وبضجيج محركاتها تقطع
صمت الليل الكئيب .. والمباني البعيدة أغلب نوافذها مضاءة .. تمتمت في
نفسي .. وأنا ابتسم ابتسامة فاترة :..
ــ ” قصة وراء كل باب .. ربما تكون قصة سعيدة .. أو ربما تكون قصة
تعيسة .. لكن أبداً لن تبلغ مهما بلغتْ من البؤس والشقاء والتعاسة مبلغ
هؤلاء البؤساء الأشقياء الذين جمعهم القدر معي في هذه العربة اللعينة ..
ولا للحظة واحدة .. داخل هذا السجن القميء الفظيع , ولا طرفة عين “
……
” يا الهي عقلي يكاد يجن , يطير مني صوابي .. أنا ما صنعت شيئا .. لماذا إذاً
يحدث معي كل هذا ..؟.. ولماذا جيء بى إلي هنا.. ومن الذي جاء بي إلي هنا
أصلاً ..؟.. في هذه العربة القذرة اللعينة .. وإلي هذا السجن اللعين
البغيض .. أنا ما صنعت شيئا .. غير أني كنت أدافع عن شرفي وعرضي .. ألا
يحق لي ذلك ..؟!! .. إنه كابوس مفزع أريد أن أستيقظ منه …. ؟!!! ” ….
؟!!! “
دوران المفتاح في القفل , الذي وضع علي العربة , يضرب في رأسي , كمطرقة
من حديد ساخن .. يدمر كل أفكاري .. ويشتت ذهني .. ويذهب به إلي الهاوية
.. صوت أجش يأتينا من خارج العربة , يأمرنا بالنزول بسرعة , مع التهديد ,
ومع الوعيد الشديد ..
ــ يالله ياد أنت وهو , وهو , وهي .. انزلوا بسرعة .. واحد واحد وراء
بعض .. من غير صوت .. ولا جلبة , ولا شوشره , عشان نخلص في يومكم اللي مش
فايت دهوَّن , ونفض ……
ننزل بسرعة .. نقف بجوار العربة في الطل .. يرتعش أغلبنا من شدة البرد ..
والبعض الأخر لا يبالي .. فقد أنساه برودة الجو , وقسوة الطقس , وظلمة
الليل البهيم , والجو القارص , ما هو فيه , وما هو قادم عليه ..
أمام خوخة صغيرة في الباب الحديدي الكبير .. وقفنا طابورين مصطفين ..
والحراس يحيطونا من كل جانب بالسلاح , فتشونا تفتيش ذاتي .. ثم أدخلونا
من الفوهة الصغيرة .. وقد أخذوا متعلقاتنا الشخصية كلها , ولم يبقوا لنا
شيئا ..
علي بعد عشرون متراً تقريبا يقطن سجن النساء الذي عرفته فيما بعد ..
ضباط السجن يجلسون أمام التلفاز يشاهدون ” ماتش كورة ” .. يأتينا صوت
أحدهم , واضحا من بعيد ..
ــ وقفهم زي الناس .. وفتشهم كويس أولاد الـ ….. دوله .. وخد الحاجات
اللي معهم كلها …
دنى منا ذلك الرجل الأصلع , المنتفخ بكرشه , والذي يصحبنا منذ الصباح ,
أوقفنا صفاً واحداً .. وأخذ يفتشنا من جديد ..علماً بأننا قد تفتشنا قبل
ذلك أكثر من مرة .. أخذ ما تبقى معنا من متعلقات شخصية .. لكن ماذا تقول
لعبد المأمور .. وعندما فرغ من أداء المهمة .. أعطاهم التمام مع التحية
.. ورزمة الأوراق التي في يده .. وأخذ يتكلم معهم بصوت خافت .. لم يصلنا
منه شيء .. ثم عاد ليأمرنا بإتباعه مرة أخرى في صمت .. وهدوء .. ومن غير
جلبة .. أو شوشرة … سأله أحدنا وهو يسير بجواره .. وأنا حب الفضول قد
دفعني لأستكشف المكان من جديد ….
ــ واخدنا فين ــ إن شاء الله ــ يا شاويش ….؟
فرد عليه دون أن يلتفت إليه , بنبرة ساخرة وحادة :
ـــ علي الجنينة يا روح أمك .. تسكين وفي الصباح يسهلها ربنا ..!
الظلام يحدق بالمكان .. اللهم إلا بصيص نور خافت .. والرؤيا تكاد تكون
منعدمة , لا تستطيع أن تستبين منها معالم المكان .. ولا تعطيك الفرصة كي
تميز الأشياء .. أو ترى من بجوارك ..
وصلنا إلي العنبر المجاور لسجن النساء .. يبدو عليه انه مبني قديم متهالك
.. يشبه المباني الأثرية .. ولجنا العنبر , وكل منا بداخله أحاسيس غريبة
, ومشاعر مختلطة ومتغايرة , ومتناقضة .. أمَّا عن نفسي أنا , لا أستطيع
أن أصف لكم مشاعري في تلك اللحظة .. ولكني أستطيع أن أقول عنها .. مزيج
من الرهبة , واليأس , واللامبالاة .. البلاط الذي علي الأرض يبدو علية
الوسخ , والتآكل , والجدران متهالكة ومتسخة , وبها تصدعات وشروخ بعضها
كبير , وبعضها صغير , والألوان التي عليها لا تستطيع أن تميزها بالضبط ,
هل هي رمادي زيتي رصاصي لا أدري .. بطول المبني العتيق .. تصطف زنازين
صغيرة مغلقة علي المساجين .. وعلي كل زنزانة ترباس , وقفل كبير من حديد
.. وأنا أشعر بالانقباض في نفسي والخنقة أمسكتْ روحي .. وأحاسيس كثيرة
مختلطة , ومتضاربة , لا يمكن وصفها أو التعبير عنها بأي كلمات مهما كانت
قوية .. غير أني أحاول أن اقرب الصورة لذهن القارئ ليس إلا .. الإحساس
الذي انتابني وقتها , أشبه بمنطقة وسطى بين الموت والحياة , أو بين العقل
والجنون , السجن , والحرية … آآآه ..
السجن كلمة من ثلاثة أحرف .. لكن معناها تملأ المجلدات .. السجن من
الخارج يختلف تماماً عما تراه أو تشاهده عبر شاشات التلفاز والسينما ..
يختلف اختلافاً كلياً وجوهرياً .. من حيث المعني والمضمون .. وأيضاً من
حيث المشاعر والأحاسيس .. فهناك فرق كبير بين أن تشاهد السجن عبر فيلم
عربي أو مسلسل تلفزيوني لمدة ثواني أو دقائق معدودة .. وبين أن تعيش فيه
بشحمك وبلحمك , ودمك , وشخصك وأعصابك , ومشاعرك , وأحاسيسك … إنه لشيء
فظيع حقاً وبشع , وصعب علي النفس جداً .. إحساسك بأنك مسجون ومنزوع
الحرية إحساس صعب , مدمر .. إحساس قاتل ….
تجاوزنا الزنازين الصغيرة المرصوصة.. وارتقينا السلم الحديدي .. لنقف
أمام زنازين صغيرة أخرى .. مرصوصة كعلب الكبريت .. غلّقت على من فيها ..
وقد علّق عليها قفل كبير .. وكروت صغيرة .. دنى الحارس من أحدها ليفتحها
..
أخرج كومة المفاتيح , حب الفضول شدني لاقترب من ورقة معلقة بباب زنزانة
صعقتُ لهول المفاجأة .. واصفرَّ وجهي , وانخطف في ذات اللحظة التي يحاول
” الباش سجان ” فتح القفل , وكدت أسقط من طولي .. لهول الصدمة .. فهذه
زنازين خاصة للإعدامات “..؟؟!!..
وفي ثواني معدودة دارت بي الدنيا , ومادت الأرض من تحت قدمي , ودار في
نفسي أحداث ثلاثون عاماً هي كل عمري .. وجاء في نفسي ألف سؤال وسؤال ,
وألف حوار وحوار.. هل حكم علي بالإعدام .؟.. دون أن أعرف .؟..إعدام
لماذا.؟!.. وأنا لم افعل شيئاً.. فقط كل ما هنالك كنت أدافع عن نفسي ,
وعن شرفي وعرضي , ألا يحق لي أن أدافع عن شرفي يا ناس ..؟.. أنا لم أكن
انوي , أو أقصد قتلها ..؟.. ولا جاء ببالي للحظة واحدة أن يكون مصيري هنا
, أو هكذا أبداً إطلاقا بتاتاً ألبته ..
جذبني الحارس بيدي , فتراجعت بسرعة الضوء والبرق للوراء , بعدما نتشت
يده بكل قوة , فكدت أسقط من الطابق الثاني .. لولا أني تشبثت بالحياة ,
وبالسور الحديدي الذي يلف العنبر , احتجزني .. وأنا أصرخ خوفاً , وفزعاً
في وجهه , وهو يضحك على ما يرى , دون أن يتكلم بكلمة, وهو ماداً يده إلي
, وأنا أصرخ قائلاً :
ــ لا. لا. لا. ما هذا..لا لا ليس مكاني ها هنا .. وليست ها هنا تكون
نهايتي .. لن أدخل هنا أبدا …
قلت له هذا , وأنا ألتفت .. وهو يبتسم بخبث .. دون أن ينظر إلي .. وقد
فرغ من إدخال المحكوم عليهم بالإعدام إلي داخل هذه الزنازين الضيقة
كالقبر وهو يقول :
ــ لا تخف , أنتم تباتوا هنا لحد الصبح فقط .. فأنا لا أستطيع فتح
الزنازين ألان ..!
تزمرتُ , تزمجرتُ .. رفضت .. ورفض من معي .. وتزمجر الجميع .. فانا أعرف
هذه الأمور جيداً .. ربما هو يسايسنا .. لندخل ثم يغلق علينا الباب ..
ولا يفتحه علينا إلا ساعة التنفيذ .. ودارت برأسي في لحظة واحدة ألاف
القصص التي أعرفها , والتي انتهت بالإعدام .. مادت بيّ الدنيا , , ولفت ,
ودارت , لكنى أصررت علي عدم الدخول , فما أدراني , ربما هو يسايسنا لندخل
ثم يغلق علينا الباب .. وعندما رأي إصرارنا أخذ بعضنا إلي الدور الثالث
.. والبعض الأخر إلي الدور الرابع .. وكنت أنا ممن سكن الدور الرابع ..
في أول زنزانة على يدك اليمين وأنت داخل .. زنزانة خاصة للقتل ..
” لا لا لا , أنا لست بقاتل , وإنما كنت أدافع عن شرفي ليس إلا .. ولم
أقصد البتة أن أميتها .. أقتلها , هي ماتت خطأ ــ نعم ــ ماتت خطأ , وأنا
أضرب الرَجُلين الذين كانا معها .. وكانت هي تتوسطهم .. لم أنتبه إليها
إلا وهي جسه هامدة أمامي .. ماتت من غير قصد , أو تعمد مني, والرجلان
فرّا الجبناء , والقانون لا يعرف حسن النوايا , وإنما يفترض سوء النوايا
دائماً .. أنكرت في التحقيق .. أنكرت أني قتلتها, نعم أنكرت ـ فليسامحني
الله ـ لأنهم كانوا لن يصدقوني أبداً مهما حلفت لهم,
والبريء متهم حتى تثبت برأته .. الله وحده يعلم أني برئ .. ولم أكن انوي
قتلها .. فقط كنت أدافع عن شرفي .. ليس إلا .. ألا تري يفرضون سوء النية
دائماً .. حتى عندما يذهبوا بالمتهم إلي المحكمة يضعون في يديه الحديد ..
ويخرج معه فرد حراسه مدجج بالسلاح .. خوفاً من أن يهرب , أو يفرّ .. “

يدفع بي السجّان إلي داخل الزنزانة الضيقة .. وهو ينهرني , ويوصيني بأن
أقضي فترة سجني في هدوء , وفي خير وسلامة .. من غير شغب , أو عنف .. وأن
أكون في حالي , حسن السير والسلوك , حتى أخرج بالسلامة من هنا .. ثم سحب
الباب بيده خلفي .. بعدما أشار إلي المكان الذي سأنام فيه .. دخلت
الزنزانة , ألقيت السلام علي المستيقظين فيها , وأنا أسحب قدماي المتعبة
المنهكة إلي حيث أشار لي بيده .. جلست بعدما ألقيت نظرت علي الزنزانة
التي تشبه القبو , مساحتها تبلغ ثلاث أمتار في مترين .. وقد وضع فيها
سبعة عشر مسجون تقريباً .. منهم من هو مستغرق في نومه .. ومنهم من هو
مسترخي .. ومنهم من هو جالس في شرودٍ , وضعت مفرش كان معي منذ دخلت الحجز
ــ كليم قديم ــ علي الأرض .. ومتعلقاتي لجواري , وبقايا الطعام الذي
أعطانيه أبي في الصباح .. وكوب , وصحن بلاستيك فردت جسدي المتعب المتهالك
.. اتكأت عي الحائط .. برهة من الزمن .. جرت أمام عيني خمسة وعشرون عام
.. مرت كشريط سينمائي ..
قطع شرودي احدهم وهو يسألني :
ــ اسم الكريم …؟
ــ ………….
ــ حضرتك من أي البلاد …؟
ــ …………..!
وظل يسألني .. وأنا أجيبه , إجابات مقتضبة , مختصرة .. ذكّرني بوكيل
النيابة .. حين كان يسألني .. الزنزانة شبه مظلمة… وحيطانها صدئة , ذات
ألوان رمادية باهته , تميل إلي السواد , متآكلة , متصدعة وبها شقوق ..
ورائحة كريهة تنبعث تأتيني من كل مكان .. مزيج من الروائح الغريبة
الكريهة .. شعرت بالاختناق .. والغثيان .. وشعور بالرغبة في التقيؤ ,
امتعضت .. بحركة سريعة , ولا إرادية .. أخرجت منديلا من القماش.. وضعته
علي أنفي .. حتى أحدُّ من تلك الرائحة الكريهة التي ما زالت تنبعث وتقوي
, وتزداد برغم الطاقات الثلاث التي تعلو الحائط الخلفي فوق رأسي .. إلا
أن الرائحة لا تتوقف للحظة واحدة , ولاحظت ابتسامة ساخرة انتشرت علي وجه
هذا الكائن الذي يحدثني .. ورأيت في عينيه الإشفاق .. وكأنه يعرف مصدر
تلك الرائحة العجيبة الغريبة .. ولا يريد أن يخبرني مكانها .. ولا من أين
هي .. فوددت أن اسأله , ولكني أحرجت , وخجلت أن أسأله .. فتفاجأتُ به ..
وهو يقول لي ما يشبه الإجابة عن السؤال الذي بدأ يدور في رأسي.. والذي
أحاول بكل ما املك من حواس البحث له عن إجابة :
ــ معلهش استحمل وتتعود علي كده ..!
سألته عن الساعة .. فضحك بملء فمه , وهو يقول لي :
ـ عاوز تعرف الساعة كام ..؟!!.. هو أنت وراك معاد ولا إيه .؟. ولا مستني حد ؟
ــ لا. لا . أنا بس أحب أتعرف علي الوقت فقط ..
ــ وقت إيه اللي أنت جاي تسأل عليه .. أنت عارف قبل معني الوقت هنا إيه
عشان تسأل عليه ..؟ هههههه هههههه,,
ــ ممكن أعرف سيادتك أنت بتضحك ليه .؟!!.
ــ عليك طبعاً ..؟ حد بيسأل عن الوقت وهو في السجن ..؟ أمَّا غريب أمرك
والله إنسي يا حبيبي الوقت .. في السجن يجب أن يتوقف الزمن ..
ــ عن إذنك راح أنام ..
ــ خذ راحتك البيت بقي بيتك .. أنت مش غريب سلام بقي ..
ثواني معدودة .. وراح يغط في نوم عميق .. وأنا مازلت في حيرة من أمري ..
اردد في نفسي كلمة واحدة ” السجن ” هكذا رددتها في نفسي , أكثر من مرة ,
وعقلي يسترجع شريط حياتي منذ وعيت علي الدنيا , وأنا شبه مسترخي في مكاني
,
” أبي , وأمي , طفولتي , لهوي , لعبي , جَدّي , هزلي , صباي, أصدقائي
مدرستي , ورفاق الدرب , أخوتي , وأهلي , بلدي الطيبة , والأرض الواسعة في
مدينتنا قبل أن تغزوها المباني والأبراج الخراسانية التي كانت تحتوينا
ونحن صغار وأحلام الطفولة , والصبا , وبيتنا الصغير , وشارعنا , وأبناء
إخوتي , وكتبي , وغرفتي المتواضعة .. وذكريات كثيرة مرت بي , وأيضاً ما
جاء بي إلي هنا ..”
نمرتي تقع في أخر مكان في الزنزانة ــ هكذا قانون الزنازين , المستجد
يأخذ أخر نمرة بجوار حوض التشطيف ــ .. وحوض التشطيف هذا عبارة عن مربع
صغير .. من الطوب والأسمنت , ربما كان مبني هكذا , أو أحضروه من الخارج ,
بواسطة احد مخبري السجن .. أو أحد السجّانين .. بعدما يكونوا قد جمعوا له
ثمنه , ودفعوا له علب سجائر .. فيحضر لهم الطوب والاسمنت , وهم يقوموا
ببنائه .. وهو عبارة عن متر في متر , ارتفاع ” مدمكين ” أو ثلاثة ..
ويقوم كل واحد في الزنزانة .. بإفراغ ما فيه , وتنظيفه مع تنظيف
الزنزانة كلها .. وذلك كل يوم بالتناوب , وبالدور.. ومن يأبى أو يمتنع عن
ذلك , يأتي بأحد المساجين من خارج الغرفة ويقوم بهذه المهمة بالنيابة عنه
, وإعطائه علبة من السجائر مغلقة .. كما أن هذا الحوض , يجب أن يستخدم في
التبول , وغسل الموعين , والتشطيب وفقط .. ولا يصح ولا يجوز بحال .. بأن
يقوم واحد من الذين في الزنزانة بالتغوط فيه .. وإن اضطر إلي ذلك فليكن
في كيس بلاستيك ــ أعاذكم الله ــ ثم يربطه ويضعه علي جدار الحوض حتى
الصباح .. ليأخذه ويلقي به خارج الزنزانة …………………
صوت خافت يأتيني من مكان مجهول .. وبه بعض النبرات الشبه ساخرة :
ـــ أهلا أبو زُمل .. معك سجاير ..؟
ــ ……..
ضربت يدي في جيبي أخرجت علبة سجائري .. ومددت له واحدة أمامي , وانتظرت
صاحب الصوت يأتي ليأخذها ..برهة وجدت فيها ما يشبه الشبح .. يتخطى
ويتفادى الجثث النائمة , وهو يمشي علي سور الطوب الأحمرــ لبنة واحدة ــ
وضعت في ردهة الزنزانة حتى لا يدوس أحد علي فرشة احد , وهذا هو قانون أخر
للزنازين .. وذلك للحفاظ علي خصوصيات , وللنظافة , وعدم انتقال الأمراض
ــ وما أكثرها ــ وكذا العدوى .. ففي السجن .. لا يصح لك .. ولا يجوز أن
تتعدي علي نمرة غيرك بأي حال من الأحوال , ولا بأي شكل من الأشكال , سواء
كان ذلك بالنوم , أو بالمشي , أو الجلوس , أو بالأكل , أو بأي وضع كان
إلا بإذن صاحب النمرة , وذلك منعاً للإحراج , ومنعاً للضرر, والأذى الذي
قد يلحق بصاحب النمرة .. وأيضاً خوفاً من انتشار الأمراض .. وما أدراك ما
انتشار الأمراض في السجون , ثم ما أدراك كيف يعاني المريض في السجن .. من
إهمال طبي , وعدم اهتمام , فالنمرة هي بمثابة بيت وغرفة نوم خاصة لكل
مسجون … آأه “
سمرت عيني علي هذا القادم , لأستبينه عن قرب .. فتكشف ليّ عن كائن غريب ,
وكأنه جاء من أقصي التاريخ , بل خيل لي بأنه إنسان بدائي قادم من جوف
الماضي السحيق , أو قائم تواً من بين الأموات , شكله فظيع , هيئته رثة ,
منظرة بشع , حاله مزري .. كائن غريب يشبه الإنسان , أو قل إنسان يشبه
كائن غريب , لا فرق بينهما .. إنسان لا تراه إلا في عالم الأشباح , أو
عالم السحر الأسود التي تري محاكاته في أفلام هوليود .. دني مني أكثر ,
وبسرعة الضوء التقط السيجارة من يدي الممدودة له , وهو يضحك ضحكة هستيرية
بلهاء , لتكشف عن بعض أسنانٍ متآكلة , وأنياب بعضها متهدم , والبعض الأخر
ليس له وجود أصلاً ,
مقدمة رأسه صلعاء , في جوانبها شعر كثيف مختلط بالسواد , والبياض , ولحية
كثة , ملبدة , كريهة , وله شارب يغطي شفته العلى , يرتدي ” جاكيت ” ازرق
قديم , متهرئ , قصير الأكمام , ومفتوح علي بطنه المنتفخة التي يواريها
بلوفر قديم متآكل , ومحاك في بعض جوانبه على بنطال لا تستطيع أن تميز إن
كان أسود أم ازرق , وقديم أيضاً , بالكاد يغلق علي وسطه , ويكاد يصرمه ..
وضع السيجارة في فمه .. ثم دنى بوجهه نحوي .. يطلب مني أن أشعلها له ..
فاشتممت رائحة كريهة .. ربما يكون هو مصدرها .. أو ربما تكون من مكان أخر
.. دقّقت في وجهه الشاحب .. فبدأ وجهه ينم عن شاب في الأربعين من عمره ..
أو يتعداهم قليلاً .. فأخرجت أنا أيضاً سيجارة أخرى لي .. وضعتها في فمي
.. أشعلت له سيجارته قبل سيجارتي , فشكرني , وعاد سريعاً إلي مكانه , كما
جاء في خفة , وحركة خاطفه , وهو يسألني :…
ــ عن اسمي ..؟ .. وعن المدة التي سأقضيها معهم .. ؟ . وفيما أتيت ..؟ ..
وما السبب الذي جاء بي إلي هنا ..؟!!.. “…
وظلت شبه مسترخي في مكاني .. نمرتي التي هي في أخر مكان في الزنزانة ..
أخذت نفساً عميقاً .. ثم أخبرته عن كل ما سألني .. فرأيته يبدي تعاطفا
معي .. وتأسراً بكلامي .. وحكايتي …
ــ لو سمحتم أخفضوا صوتكم شويه عاوزين ننام ..
أنبعث هذا الكلام من تحت غطاء , لشخص مسجَّى بجواري , فالتزمت الصمت ..
أما هذا الشبح راح يرد عليه , وهو يضحك في هستيريا , وقد امحي تأسره
بكلامي واختفي تعاطفه معي تماماً .. ليقول له ..
ــ يا ابو حسين ضيف جديد مشرفنا .. منرحبوش بيه.. ومنتعرفوش عليه يعني
.؟! هههههههههههه ههههههههههه
فجاءه نفس الصوت من نفس المصدر, ليؤكد بنبرات حامية في تلك المرة ليقول له
ــ الصباح رباح يا يا سيدي ..ابقي أتعرف عليه الصبح ..أهو عندك أهو ..هو
هيطير يعني .. ما هو قاعد معانا يا سيدي …
أتابعه وهو يرد عليه .. بعدما أخذ نفساً عميقاً من السيجارة.. وكأنه
يستجديها الا تنتهي أبداً .. وقد بدأت بعض الجثث الراقدة على الأرض في
التململ , والتذمر تحت أغطيتها .. وهو يرد عليه
ــ يعني هتمنعني من الكلام ولا إيه .. هو يبقي سجن من كله , أمَّا عجيبة والله ..!
ــ يعني ما ناموش ونسهر عشان نسمع حضرتك أنت وهو
ــ طاب ما تنام حد خاشك
ـــ هو اللي معاه واحد زيك ينام
ــ اللي عاوز ينام هينام في أي حِتَه
وهنا يزيح الرجل النائم الغطاء من علي وجهه .. في حالة غضب شديد , فرأيت
وجهه الأسمر .. وعيناه قد اتسعت حدقتاها .. وقد جز علي أنيابه .. وراح
ينظر إليه نظرات حادة .. وكأنه ينذره , ويتهدده أيضاً .. برهة من الوقت
خيم فيها الصمت .. انتهزت الفرصة لألطف الجو بينهما .. بشيء من التلطف ,
والاعتذار , فوجدته قد حول نظره نحوي .. وقد أفصحت أساريره عن ابتسامة
عريضة , وكأنه قبل اعتذاري وراح يسألني نفس ذات الأسئلة :
ــ ” عن اسمي ..؟.. وبلدي ..؟.. وعن سبب المجيء إلي هذا المكان المشؤم
..؟.. وعملي قبل أن أتي إلي هنا ..؟.. و … “
فأجبته عن كل شيء .. وأنا أحاول أن أخفض من صوتي .. حتى لا أزعج أحداً ,
أو أيقظه , ثم تجاذبنا إطراف الحديث , وأردت أن أتعرف عليهما , لأني سوف
أقضي مدة عقوبتي معهما في نفس الزنزانة .. وأحببت أن أعرف منهما بعض
الأمور .. وأستفسر عن بعض الأشياء , وعن هذا المكان حتى يمكنني أن أتعايش
مع الجميع بسلام فوجدتني أسأل من أخذ مني السيجارة أولاً ..
ــ ممكن نتعرف
ــ عمك حسين
ــ عقوبتك
ــ تأبيدة
ــ خمسة وعشرين سنه
ــ بعيد عنك ههههههه هههههههه
سكتْ برهة , وقد لاحظ سكوتي .. وكأنهما أحسَّا بأني أخجل بأن أسأله عن
تهمته فبتسم ” أبو حسين ” وهو يحاول أن يتطوع , ويجيبني عن سؤالي الذي لم
اسأله له جلس نصف جلسه .. ثم اتكأ في جلسته بعدما كور بطانيته تحت جنبه
واتكأ عليها .. وراح يروي لي قصة عم حسين .. وهو يشير إليه
ــ عمك حسين أخذ بثار أخيه الله يرحمه ويحسن إليه ..
ثم طرحت سؤال أخر , لهذا الكائن الغريب الذي يقبع أمامي ..
ــ وأنت يا أبو حسين قتلت مين .؟
فرد بالنيابة عنه “عم حسين ” ولا أدري لماذا ..؟!!..
ــ أبو حسين كان شغال في الداخلية .. واتسجن عشان قتل مراته ..
ثم سكت فجأة , وكأنه أكتفى بهذه الإجابة المقتضبة , وفي عينيه شيء من
الغموض .. وسكت أنا أيضاً بدوري عن السؤال , والبحث في التفصيل .. ولماذا
سكت , ولما لم يكمل الحكاية ..؟! .. واكتفيت بالنظر إليه , وفقط .. وأنا
مولع بحب الفضول .. والبحث عن الجزئيات , والتفاصيل .. وأصل الحكاية ,
وفصلها .. إلا أنه طأطأ رأسه ونظر إلي الأرض , برهة من الوقت يلتئم فيها
صمت الزنزانة من جديد
طلب ” أبو حسين ” سيجارة أخرى مني , أشعلتها له كما طلب .. أخذها مني
وهو يسألني ..؟.
ــ وأنت تهمتك إيه
ــ قتل أفضى إلي موت .. دفاعا عن الشرف ..
ــ وآخد كام سنة .؟
ــ سنتين
ــ د أنت جاي فسحه عندنا علي كده .. جاي عشان تسلم علينا وتمشي .. طاب
نام, نام والصباح رباح , عاوزين ننام بقي ..
ــ وهو فيه حد بيجيله نوم هنا
ــ أُمَّال هنفضلوا صاحيين علي طول كده .. آه كل واحد تحت الغطاء ,
وتلقيه صاحي ومش نايم عمَّال يتململ يمين وشمال ..
المكان موحش وغريب , تنبعث منه رائحة كريهة , تزيد وتختفي من حين لأخر
الزنزانة مغلقة ومكتوب علي بابها ” زنزانة القتل ” قليل من الوقت ينقطع
فيها الصوت , الزنزانة ضيقة جداً , ثلاث أمتار ونصف في مترين .. وبها
سبعة عشر فرد تقريباً تخالهم كما لو كانوا قوالب طوب مرصوصة علي الأرض,
أو جمعوا من إحدى حوادث الطريق المروعة , مغطيين .. كُل جثة قد علقت
فوقها حاجياته في شكارة , أو أكياس بلاستيك في مسامير دقت في الحائط ..
أو كجثث في مقبرة فرعونية , وأما عن الشبابيك فهي نصف متر , في نصف متر ,
مخللة بالقضبان ومحاطة بأسلاك حديدية .. تطل علي فضاء مترامي الأطراف..
يدخل منها الهواء , والليل , والبرد والصقيع القارض ..
ظللت تلك الليلة مستيقظاً حتى الصباح , وأنا في شرود , ووجوم تام , حيناً
أدير كل شيء في رأسي من أوله إلي آخره , وأعيد ترتيب الأشياء من بدايتها
إلي نهايتها , وحينا أخر أفكر في هذا المكان , وما سمعته عنه قبل المجيء
إليه , وكيف سأعيش فيه .. وأنا مكور في مكاني, أشعل سيجارة من عقب سيجارة
أخرى, أتابع كل شيء يدور حولي عن كثب .. وفي محاولة يائسة لتوقف عقلي عن
التفكير فردت جسدي المنهك المتعب المتهالك على الأرض ..أغمضت عيناي في
محاولة فاشلة لاستدعاء النوم مرة أخرى .. ولكن هيهات , هيهات .. فمن
يأتيه نوم في تلك الليلة الكئيبة , وهذا الجو الفظيع , تلك الليلة الأولي
التي أقضيها في السجن العمومي .. والتي لا , ولم , ولن انسها أبداً ما
حييت , الكل صاحي , والكل يدعي أنه نائم, ففي السجن لا ينام أحد, أسمع
أنين المسجونين من تحت أغطيتهم .. منهم من يوشح , ومنهم من يدندن , ومنهم
من يعدد كالنساء الكل ينعي بخته , ويبكي على حاله .. ومنهم من يغط بنومه
.. ومنهم من يقول مواويل , ومنهم … ومنهم … والمشهد صعب , وقاسي على
النفس ..
أصوات الخدمة الخلفية للعنبر .. وهم يزعقون ..” واحد تمام , فيرد عليه
صوت آخر “اتنين تمام ” ويرد ثالث ” ثلاثة تمام “وهكذا يزعقون حتى الصباح
… والمشهد أشبه بال فلكلورول الشعبي ..
استرخيت , أغمضت عيناي من جديد , في محاولة أخيرة لاستجلاب النوم , وقبل
ما أستغرق في النوم .. جاءني وجه القاضي .. وهو ينطق بالحكم …..
ــ حكمت المحكمة حضوريا على المتهم بالسجن عامان مع الشغل والنفاذ , لما
اسند إليه من اتهام , رفعت الجلسة ” …..
وجاءني وجه أبي , الطيب الحنون , وقد وضع رأسه بين يديه عقب سماع الحكم ,
وأمي وهي تبكي علي , وتصرخ , فقمت فزعاً من نومي … و…..
***************
على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق