ثقافة المقال

اخرسي واكتبي تشيمامندا

نجوزي أديتشي – ترجمة أحمد الشافعي

قبل بضع سنوات، في إحدى الفعاليات القرائية في لاجوس، رفع شاب من الجمهور يده وطرح عليَّ سؤالا: “هل أنت كاتبة أفريقية؟”

للوهلة الأولى يبدو السؤال غريبا في حالتي. فقد ولدت ونشأت في نيجيريا، وكتبت رواية عن لحظة مركزية في التاريخ النيجيري. وأتكلم الإيجبو، وهي من لغات نيجيريا الأصلية. وليس لديّ سوى جواز سفر واحد، وهو نيجيري، ونيجيريا بجميع المعايير جزء من أفريقيا. ومع ذلك يسألني أحدهم إن كنت كاتبة أفريقية. وهذا السؤال ـ بالمناسبة ـ طرح عليّ مرات قليلة من قبل ودائما ما يأتي من أخ أفريقي.

لكن قبل أن أمضي لأقول المزيد في سؤال “الكاتبة الأفريقية” هذا، أود أن أتكلم قليلا عن الكتابة نفسها. إنني أكتب منذ أن بلغت من العمر حد إجادة الهجاء. ولا أتذكر وقتا لم أكن فيه منجذبة إلى القصص، إلى قراءتها وكتابتها والعثور عليها.

ولديّ هذه الذكرى من الطفولة: جالسة في المقعد الخلفي من سيارة أمي، ناظرة من الشباك، وبغتة أشعر بوخزة حزن، بنوع من الوجع المكتوم، لأن ما كنت أراه من الشباك ونحن نمضي بالسيارة لم يكن غير القصص، الكثير للغاية من القصص التي تنتظر أن تحكى، وكنت أعلم أنني لن أستطيع أن أحكيها جميعا.

عندما تسير كتابتي على نحو طيب، تعطيني ما يحلو لي وصفه بالبهجة الباذخة. وفي غير تلك الأحوال، لا يكون أشد منها مصدرا للقلق والكآبة.

وبسبب إمساكها على التخوم العاطفية لحياتي، وبسبب أنها مركزية في إحساسي بمن أكون، فإن الكتابة لديّ فعل عميق الخصوصية. فلو لم أوتَ من الحظ السعيد ما أوتيت فصرت اليوم كاتبة منشورة مقروءة ـ تحظى بشرف الحصول على جائزة بن بنترPEN Pinter Prize ـ لكنت اليوم في مكان ما، مجهولة، وغير مقروءة، ولكنني كنت لأكتب أيضا.

ومع ذلك فمن التبسيط الذي لا يليق أن أزعم أن الكتابة فعل شخصي، وينتهي الكلام. فلو كانت كذلك لكنت أكتب في دفتر يوميات وأضع ما أكتبه في درج. إنني أكتب لأنني مرغمة على ذلك. وأكتب أيضا لأنني أريد أن أُقرأ وأرجو ذلك. ومن ثم ينقل الجمهور ـ أو الجمهور المحتمل ـ الكتابة من فضاء الخاص إلى العام.

لمن أكتب؟ أصدق الإجابات أنني بالفعل لا أعرف، لأنني لا أفكر واعية مطلقا في جمهور وأنا أكتب الأدب، ولكن ربما الإجابة الأقرب إلى المنطق أنني أكتب نوع الأدب الذي أحب أن أقرأه. ومن ثم فإنني أكتب لكل من يستمتع بنوع الأدب الذي أستمتع به.

بعد أن وصلت روايتي الأولى لقائمة جائزة أورانج القصيرة، وإن لم تفز بها، اقتربت مني امرأة في نيجيريا، امرأة غريبة جاءتني في المطار وقالت لي “تهانئي. سنفوز في المرة القادمة”. استعمالها ضمير الجمع ذلك ترك أثرا كبيرا في نفسي.

كان في ضمير الجمع هذا نوع من الملكية الجمعية لعملي، نوع من الفخر لا بمنجزي وحده، بل بنصر جماعي أكبر.

وحينما حدث أنا فزت بعد سنوات قلائل، مررت بلحظات كثيرة عانقني فيها غرباء في نيجيريا، وقيل لي فيها إنني كنت ممثلة لنا، وأنا أيضا بت أنظر إلى الفوز باعتباره جائزة لنيجيريا ولأفريقيا، لأنني كنت أول امرأة من هناك تفوز بتلك الجائزة ـ برغم أنني احتفظت وحدي بنقود الجائزة وأنفقتها.

ولكن وهج ضمير الجمع هذا سرعان ما يخبو. أو لعله يبقى ساطعا لكنه يتنحى إلى الظل، ظل التوقعات. لأن الحديث عن فوزنا هذا، والإشارة إلى هذه الملكية الجمعية لجائزة أدبية، ينطوي على إشارة إلى هوية مشتركة. مواطَنة مشتركة. وها هنا يكمن لغز: فالتي يعانقونها في المطار مواطنة، ممثلة لنيجيريا وأفريقيا، ولكن هذه المواطنة ليست بالضبط هي الفنانة.

كتب بروست أن الكتاب نتاج لذات مختلفة عن الذات التي تتجلى في عاداتنا وفي حياتنا الاجتماعية وفي رذائلنا. وإلى هذا أضيف أن الذاتين ليستا منفصلتين بالكامل ـ فكيف لهما أن تنفصلا؟ ـ ولكن ثمة انفكاكا معيّنا بين الاثنتين، تماما كالذي في شخصية إيزويلوEzeulu في رواية “سهم الرب” لتشينوا أتشيبي، فهو حينما يقوم بواجباته المقدسة كقس لأولو Ulu، يصبح شخصا آخر، يصبح نسخة أخرى من ذاته، ذاتا في قالب آخر، ولكنها في الوقت نفسه في مثل أصالة الذات التي يكون إياها حينما يكون فلاحا.

ولكن الفنانين أيضا مواطنون. وليس من الأمانة القول بأن فننا منفصل تماما عن حياتنا كأفراد في مجتمع. وإنني أتذكر معلم الدراسات الاجتماعية في المدرسة الابتدائية في نسوكّا Nsukkaإذ يقول مرارا بصوت مدوٍّ، وعلى سبيل التمهيد لإجابة أي سؤال على الإطلاق ـ الرجل ليس جزيرة. فأقول في نفسي، ولا المرأة.

فننا يصوغه المكان الذي نأتي منه. يقول الكاتب الجنوب أفريقي إسكيا مفاهليل Es’kiaMphahlele إن كتاب جنوب أفريقيا السود في ظل الأبارتيد كانوا يكتبون القصص القصيرة في الغالب نظرا للظرف السياسي الملح الذي كانوا يكتبون فيه، فكان الفضاء السياسي يصوغ قالبهم الأدبي.

يصعب في الغرب الكلام عن الصلات بين الإبداع والمواطنة بسبب الأفكار العامة المحيطة بالفن باعتباره شيئا منفصلا وأن الفنان بإ

بداعه يصبح مواطنا في أرض خيالية لاسياسية مواطنوها فنانون مثله. هناك في الغرب من يستعملون مصطلح “السياسي” عند الإشارة إلى عمل أدبي كما لو أنه تقريبا وصف تحقيري. (وإنني أؤكد على الغرب لأن الفن في أجزاء العالم الذي يوصف بالنامي غالبا ما يرى بصفة آلية غير منفصل عن السياسة.)

وصحيح من بعض النواحي أن الفن منفصل، لأنه خلافا للسياسة يعمل في المناطق الغائمة، وينزع إلى الأنسنة، ويغوص إلى ما دون السطح.

ولكننا أيضا نعيش في عالم تهيمن عليه الدولة الوطنية، وتقاس فيه القيمة التي يعطيها لنا العالم بوصفنا بشرا.

لا يمكنني أن أتخيل كيف يكون الحال اليوم لو أن كاتبا يحمل جواز سفر سوريا، أو لو أنه من مواطني اليمن أوإلسلفادور أو جمهورية الكونجو الديمقراطية، فهذه دول تتعرض فيها حرية الفنان في الحركة أو ربما حريته في الإبداع لتضييق من الواقع السياسي.

بالنسبة لي، يعني السفر بجواز السفر النيجيري أن أحمل ثقل افتراضات. يعني أن أكون مشبوهة على الفور في مداخل كثير من الدول. السفر بجواز سفر نيجيري يعني أن أواجه على الفور تكذيبا ساخرا من مسؤولي الهجرة حينما أقول إنني كاتبة، يعني أن يطلب مني التنحي على جنب لمزيد من الأسئلة، يعني شعوري بأنني مذنبة في شيء ما.

ولكن المواطنة بطبيعة الحال أمر يتجاوز مجرد جواز السفر. إنها حساسية. حساية غالبا ما تتكوَّن في تقديري بالمكان الذي يقضي فيه المرء سنوات تشكله.

ومع أنني أكنّ حبا عظيما لأمريكا، وأعيش بعض الوقت في أمريكا حتى بت أعتبرها وطنا ثانيا، فإنني لم أتشكل في بوتقة أمريكا الثقافية. لم أنشأ هناك، ولست على يقين مما لو أن بوسعي يوما أن أكون أمريكية حقا كما أنني لن أفهم ما حييت لعبة البيسبول.

***

المواطنة لشخص مثلي، من بلد مثل نيجيريا، في قارة كأفريقيا، ليست مجرد حساسية، فهي أيضا ظرف. ظرف ينشأ من كون المرء جزءا مما أسميه “سكان المحيط”. وما الذي أعنيه بسكان المحيط؟ أنا لا أشير فقط إلى تعبيرات سياسية من قبيل العالم الثالث، بل إلى ظاهرة أن تكون خارج المركز بطرق أرق من مجرد السياسة، أن تكون خارجه ميتافيزيقيا وسيكولوجيا.

لا أعني أن تكون ممن وصفهم تشينوا أتشيبي بأصحاب تاريخ المطاريد، بل أن ترث ركاما من الشكوك وتعيشها ـ بوصفها جزءا جوهريا من تاريخك الشخصي ـ أو لنسمها بدلا من الشكوك، وباستعارة عنوان الكاتب الزيمبابويني تسيتسي دنجارمجبا Tsitsi Dangaremgbaبـ”الظرف العصبي”.

نحن قوم حَكَم علينا تاريخنا ومكاننا في العالم أن ننظر إلى مكان آخر بحثا عن اعتراف بالصلاحية. حكم علينا بأن نتعلم الكثير من اللاحقائق وأنصاف الحقائق عن أنفسنا، وبعضنا يختار واعيا ألا يتعلم تلك الأشياء، لكن حتى فعل عدم التعلم هذا يتخذ صبغة كولونيالية فيغذي ظرفنا العصبي. حكم علينا بمعرفة أننا ننتمي إلى مكان طال عليه التعرُّض للسخرية.

لو دخلت أي فصل دراسي عادي في أي بلد غربي وطلبت من الطلبة أن يخبروني بما يخطر لهم حينما أقول “أفريقيا”، ففي أفضل الحالات ستأتي الإجابات من قبيل السفاري والحمر الوحشية والزرافات الجميلة. وفي أسوأ الحالات سيأتي المخزون المعتاد من صور الفقر والحرب وقلة الحيلة. فأدب الغرب، وسينما الغرب، وفوتغرافيا الغرب، لها تاريخ طويل في رؤية أفريقيا بوصفها مكانا يتحدد بما ليس فيه. وما من داع للمبالغة في هذا الآن. نحن محكوم علينا بالمعرفة. فما يسفر عنه هذا الظرف هو في تقديري مزيج مثير للفضول من الدفاعية والطموح.

شكوانا نحن النيجيريين من مشكلاتنا قالب فني. أغلب الحوارات سرعان ما تصبح أنشودة للشكاوى ـ من فساد الحكومة، انقطاع النور، انقطاع المياه، إلخ. أما لو قال أجنبي مثل ذلك، وأعاد إلقاء أنشودة الشكاوى تلك، يتحول النيجيريون إلى الموقف الدفاعي، وفي بعض الأحيان يكون هذا التحول مصحوبا بغضب.

طالما شعرت بالفضول تجاه هذا النوع من الدفاعية ـ الذي كثيرا ما أبديه أنا نفسي بالمناسبة. يبدو لي أن لدينا هذه النزعة الدفاعية لأننا نفترض أن النيجيري حينما يشكو يكون واعيا أن نيجيريا ليست مجرد مشكلاتها، وواعيا بالتعقيد الإنساني، وعارفا بما في الشعب من ذكاء وأصالة، وعارفا كيف هم في بكائهم وفي ضحكهم، عارفا بما يحفزهم وبما يطمحون إليه وما يجدونه ذا معنى. ونشك في أن الأجنبي لا يعرف عنا هذه القصص الأخرى فنخشى أن يجري تعريفنا بالاعتماد فقط على ما لا نملكه وما لسنا إيَّاه. ومن هنا تنشأ الدفاعية لدينا.

وأيضا، يتصل بهذه الدفاعية نوع معين من الطموح. فنفس النيجيري الغاضب من الأجنبي إذ يكتب أو يتكلم عن مشكلاتنا على نحو ذي بعد واحد سوف ينتشي حينما يقول ذلك الأجنبي نفسه قولا طيبا في حقنا، أو يعترف بواحد منا في منزلة أجنبية ذات شأن. ولا بد أن تكون منزلة أجنبية في ما يعرف بالغرب بطبيعة الحال، فالغرب هو الجهة التي توجهنا إليها ظروفنا بحثا عن الاعتراف.

قبل بضع سنين، حكى لي ناشري النيجيري قصة رجل قال له إنني لست أصيلة لأنني مدانة بما يسميه الرجل بـ”الكتابة للغرب”. ولما ردّ ناش

ري قائلا إن رواياتي تقرأ على نطاق واسع في شتى أرجاء أفريقيا الأنجلوفونية، قال الرجل إنني أبقى غير أصيلة لأنني نشرت أول ما نشرت في الغرب.

ما كانت هذه الحكاية لتستحق الذكر لولا حاشية صغيرة: هذه الرجل نفسه اتصل بي بعد فترة قصيرة ليقول إنه بدأ كتابة الأدب وطلب مني أن أساعده في النشر في ذي نيويوركر. تساءلت أي شيء أكثر تمثيلا في العالم لعدم الأصالة من ذلك الحصن الغربي، أعني ذي نيويوركر؟ وأحب أن أقول إن النشر للناس في ذي نيويوركر سلطة أتمنى كثيرا لو كانت لدي.

***

وإذن، فكونك كاتبا نيجيريا ينشر في ما نسميه الغرب يعني أن تكون مستودعا لكلا الفخر والارتياب. يعني أن تمتحن في مسألة التمثيل الأفريقي الجيد. أن تكون مطالبا بأداء الطقوس. أن تكون مطالبا بالانحناء أمام توقعات المواطنة.

حدث مرة ـ قبل سنوات ـ أن ناقشت هذه المسألة مع صديق سنغالي، هو مؤرخ أكاديمي عبقري. قال لي ببساطة “أنت لم تعودي تخصين نفسك”.

وما كان يعنيه هو أنني باختياري أن أكتب وأنشر أدبا واقعيا عن مكان مثل نيجيريا، قد صرت ـ بالنسبة للكثيرين من البلد الذي أنتمي إليه ـ جزءا ممثلا للكل. والآن تصاحب كتابتي “توقعات مواطنة”.

ولكن وفق شروط من لم أعد أخص نفسي؟

ومن هنا فإن السؤال الذي طرح علي: “هل أنت كاتبة أفريقية؟” لم يكن سؤالا في الجغرافيا بل في الولاء.

وكانت إجابتي: “لا”.

ليس لدي اعتراض على الإطلاق في كوني أفريقية، فواقع الأمر أن ذلك هو كل ما أعرف كيف أكونه ومن ثم فلا يمكن أن أكون أي شيء آخر. ولذلك كانت إجابتي على سؤال “هل أنت كاتبة أفريقية؟” هي لا، وليس ذلك لأنني لست أفريقية فخورة، بل لأنني كذلك بكل تأكيد، وبالمناسبة فإن فخرك بأي شيء، وربطك الفخر بالهوية هاجس لدى الناس من سكان المحيط، فلو أنك من المركز، فإن لديك على الفور ميزة عدم الاحتياج إلى إعلان فخرك، لأن مكانك في العالم لم يكن قط موضع سؤال.

“هل أنت كاتبة أفريقية؟”

قلت لا لأنني كنت أشعر بضجر متزايد مما ينطوي عليه السؤال من قيود رقيقة وأخرى غير رقيقة تماما.

في فعالية لاجوس العامة نفسها قال لي شاب إنه ظل من جمهوري إلى أن بدأت أفعل ما أطلق عليه “الكلام عن هذه القضية النسوية أو هذه القضية المثلية” راجيا أن أكف عن ذلك، وإلا فإنه لن يستطيع الاستمرار في دعمي. قدّرت فيه صراحته واقترحت أن يحتفظ بدعمه لنفسه.

كان يشير إلى معارضتي لقانون نيجيري يجرِّم المثلية الجنسية، وهو قانون لا أراه فقط ممعنا في اللاأخلاقية بل ومنافق من الناحية السياسية. كان يشير أيضا إلى كلمة كنت قد ألقيتها حديثا عن النسوية، واستعملت فيها تفاصيل ملموسة من الحياة النيجيرية، في محاولة لبدء حوار لازم للغاية عن الإنسانية الكاملة والمتساوية للمرأة.

لم يكن اعتراض ذلك الشاب هو المهم، بل اللغة التي استعملها في التعبير عن اعتراضه، لغة المواطنة. لم يكن بوسعي ـ كأفريقية ـ أن أزعم أنني نسوية، لأن النسوية والأفريقية تنفي إحداهما الأخرى. النسوية مرض غربي، وقد أصابني نظرا لتسممي بالغرب. أما عن المثليين، فالمثلية ليست أفريقية، ودعم حقوق المثليين معناه عدم اعتداد بالثقافة الأفريقية.

كتب هارولد بنتر أنه في حياته ككاتب ومبدع يوافق أن يكون شيئا حقيقيا وغير حقيقي. لكنه لا يوافق على ذلك في حياته كمواطن. فلا بد أن يعرف ما الحقيقي. وما الزائف. وكثيرا ما أفكر في هذا ـ وكثيرا ما أستشهد به ـ لأنه يبين ببراعة هذا الإحساس بالانفكاك، هذا التوتر الذي أشعر به.

إنني لم أختر الكلام عن القضايا الاجتماعية لأنني كاتبة. بل إن الكتابة أتاحت لي منصة للكلام عن قضايا طالما عنيت بها. ولا أعتقد أن الكتَّاب ينبغي بالضرورة أن يتكلموا عن القضايا السياسية، لكنني لا أعتقد أيضا أن الفن سبب صالح للهرب من مسؤوليات المواطنة ـ وهي أن تفكر تفكيرا واضحا، وتبقى على اطلاع، وفي بعض الأحيان، تفعل شيئا وتقول شيئا.

الفن قادر على أن يفتح عين السياسة. والفن قادر أن يؤنسن السياسة. الفن قادر أن يلقي ضوءا على الحقيقة. ولكن ذلك في بعض الأحيان لا يكون كافيا. في بعض الأحيان لا بد من الانخراط في السياسة كسياسة. ولم يكن ذلك في يوم أصدق أو أكثر إلحاحا منه في يومنا هذا، حيث الآفاق السياسية في كثير من الدول الغربية غارقة بسفور في ما يسميه هارولد بنتر بـ”نسيج الأكاذيب الشاسع الذي نتغذى عليه جميعا”. لا بد أن نعرف ما الحقيقي، ولا بد أن نصف الكذب بالكذب. ومع ذلك كثيرا ما يبقى لدي إحساس غريب بالضعف، وكأنما أنا مجذوبة في اتجاهين متقابلين. فلا أريد محاكمة فني محاكمة ضيقة بناء على أفكار المواطنة الخاصة، وفي الوقت نفسه لا أريد أن أتخذ من فني درعا حياد أحتمي به. فأنا كاتبة وأنا مواطنة، وأرى كلامي العلني في القضايا الاجتماعية مسؤلية من مسؤوليات المواطنة.

يصدمني كم يجري استقبال هذا الكلام العلني في نيجيريا لا باشتباك أصيل سواء أكان بالاتفاق أم بالاختلاف، وإنما برغبة في إسكاتي. ولقد أعانني في يوم من الأيام صحفي فأوجز لي الأمر قائل

ا: الناس لا يروق لهم أن تتكلمي عن النسوية، كل ما يريدونه منك هو أن تخرسي وتكتبي.

ومع ذلك فإن للكتابة عبء توقاعاتها أيضا وللفن بعامة. فسؤال “هل أنت كاتبة أفريقية؟” له علاقة أيضا بمن يقولون لي إنني ـ ككاتبة أفريقية ـ لا ينبغي أن أكتب عن الجنس في رواياتي. أو أنني ككاتبة أفريقية لا ينبغي أن أكتب عن موضوع من شأنه أن يفرق بين الأفارقة أو عن موضوع من شأنه أن يصوِّر الأفارقة في صورة سيئة. أو أنه لا يمكن أن يفعل أفريقي شيئا ما فعلته إحدى شخصياتي في رواية. أو أنه لا يمكن أن ينطق أفريقي بكلمة نطقتها شخصية عندي. أو أنه لا يمكن أن يختار أفريقي ما اختارته شخصية لدي.

****

كتبت فلورا نوابا Flora Nwapaـ وهي رائدة كتابة النساء الأفريقيات أدبا رائعا ذكيا عن النساء في عالم “يسيطر عليه الرجال” حسبما وصفته بكلماتها. لكنها أكدت في حوارات كثيرة أنها ليست نسوية.

ما النسوية على أي حال؟ أعتقد أن ريبيكا ويستRebecca West قالتها على خير نحو: “أنا شخصيا لم أستطع أن أكتشف ما النسوية بالضبط. كل ما أعرفه هو أن الناس يصفونني بالنسوية كلما عبرت عن مشاعر تميزني عن دوَّاسة على باب بيت”. لكن لاعتبارات الرسمية دعونا نستعمل هذا التعريف للنسوية بأنها اعتراف ورغبة في تغيير واقع امتلاك الرجال في أغلب العالم إن لم يكن في العالم كله مزايا اجتماعية واقتصادية وسياسية لمجرد كونهم رجال.

اعترفت أعمال فلورا نوابا وأظهرت الرغبة في تعقيد هذه الظاهرة المتعلقة بمزايا الرجال. صارت صوتا للنساء. أظهرت ما في النساء من تركيب معقد كامل. لكنها لم تقبل وصفها بالنسوية.

واضح أن النسوية ـ بما لها من تاريخ في الغرب ـ تمثل كلمة جدالية. ولعل نوابا رفضتها لأنها كلمة تعد ممثلة أكثر مما ينبغي لمخاوف نساء الطبقة الوسطى البيضاوات، وهي لم تكن دائما مثل مخاوف من يوصفن بنساء العالم الثالث. أو لعل نوابا رفضتها لأنها ـ وهذا ما أشك فيه ـ أرادت أن تمتثل للمتوقع منها كمواطنة، وأن تمارس مواطنتها، وأن تعلن ولاءها على مذبح الأفريقية الأصيلة، المذبح الذي لا وجود فيه للنسوية.

قبل بضع سنوات بدأت أقول عن نفسي إنني نسوية أفريقية ردا على فكرة أن النسوية والأفريقية تنفي إحداهما الأخرى. ثم قالت لي شابة نيجيرية لطيفة ـ بعد قراءة حوار قلت فيه إنني نسوية أفريقية ـ إن النسويات مجرد نسوة غاضبات لم يستطعن العثور على أزواج. ففكرت حينذاك في تعديل الوصف بحيث أقول إنني نسوية أفريقية سعيدة. كان في ذلك الوصف تهكم لكنه كان يعكس قطعا ما كنت أشعر به من قلق وتذبذب.

الآن لا أجد أي داع لأن أعصر نفسي وأغير من شكلي لهفة على ممارسة المواطنة. أنا نسوية. وهذه هي الهوية التي سوف أعرِّفها لنفسي بنفسي. ولكنها أظهرت لي القوة التي تأتي مع فعل تسمية شيء ما. لقد ظللت إلى أن واجهت لافتة “النسوية” مجرد إنسان وعى منذ الطفولة وانتبه إلى السبل العديدة التي استعملها العالم لكي لا يمنح النساء من الكرامة مثل ما منح للنساء. ولكن مواجهة لافتة “النسوية” باتت فجأة تعني أن فيها قوة، لا سيما عند تقديمها بوصفها شيئا يتعارض مع الأفريقية. ولأنني أردت أن أمارس المواطنة ـ ولا أزال راغبة في هذا في مستوى عميق من نفسي ـ فقد اكتسبت تلك اللافتة من القوة قدرا أكبر مما كانت تستحق في واقع الأمر.

***

اسمحوا لي أن أحكي قصة بسيطة. لقد كنت أزور بلدة أسلافي، وهي بلدة أبّا في ولاية أنامبرا. كان ذلك في 2003. كانت لدي تلك الأفكار القوية الحادة الرومنتيكية عن الموطن ـ ولم تزل لديَّ. أحب إيقاع الإنصات إلى العجائز في كلامهم، وأفعل ذلك برغبة متقدة في أن يتسنى لي الكلام بمثل جمالهن، وبمثل لغة الإجبو التي يملأنها بالأمثال لا الإجبو الحديثة المليئة بالتأثيرات الإنجليزية. أخرج لأتمشى وأحدث نفسي: جدة جدتي سارت على هذه الأرض، جدة جدتي غرست هذه الشجرة، وما إلى ذلك مما كان يمنحنى إحساسا بسيطا بالرضا.

وإذن حدث في عام 2003 أن كنت أسير من بيتنا الريفي إلى مسكن أسلاف أسرتي لازور عما لي. كان ذلك في وسط موسم رياح هارماتان الحارة المتربة. والأرض ملتهبة والطرق الترابية متشققة، وشقوقها تتسع في بعض المواضع إلى أخاديد ضخمة. وكانت فتاتان تسيران أمامي، وهما من أهل المكان، وقد سبق أن رأيتهما تتجاذبان أطراف الحديث مع أحد باعة الخبز الجائلين على قارعة الطريق. كانتا تسيران، وتتكلمان، وتضحكان، ثم تعثرت إحداهما ووقعت. وفيما تقع قالت شيئا. توقعت أن يكون شيئا بالإجبو، لعله صيحة دهشة مثل “إيوو”. ولكن صيحة العجب التي خرجت من فمها لم تَعْدُ كلمة بالإنجليزية، فَك فَك. أول ما خطر لي هو أنني لا بد أن أكتب ذلك في دفتري. وثاني ما خطر لي هو أنني لو كتبت ذلك المشهد في قصة قصيرة فإن حراس الأصالة الأفريقية الأجلاء سوف يعترضون ويؤثرون لو أنها صاحت بمرثية بالإجبو لا تنقصها الأمثال.

والآن أنا نفسي أتمنى لو أنها صاحت بشيء آخر. ولكن ما جعل ذلك المشهد مثيرا للاهتمام، وربما ما جعله قصصيا، هو أنها لم تقل ذلك. فالجو

هري في الأدب بالنسبة لي هو ما أطلق عليه إتش جي ويلز “فظاظة الحياة المرحةُ”. غير أن توقعات المواطنة كثيرا ما تعترض طريق الاشتباك الأمين مع هذه الفظاظة المرحة.

من الروايات المحببة لدي رواية “الطفل الداكن” لكامارا لاي Camara Laye وهي رواية مذهلة الجمال، فيها تفاؤل جسور، ونوستالجيا عديدة الطبقات. الطفل الداكن رواية عن طفولة في سهول غينيا، رواية تبدأ بجملة بسيطة: “كنت ولدا صغيرا ألعب حول كوخ أبي” ثم تمضي بنا إلى عالم بديع الشخصيات، فالأب صائغ يصنع الحلي الذهبية، والأم ذات قوى خارقة للطبيعة، والولد يراقب المهرجانات والصيد وحصاد الأرز وبلوغ الرجولة والمدارس والبنات.

نشر كامارا لاي كتابه سنة 1953، وسط لهيب النضال ضد الاستعمار، ورأى بعض النقاد أن الرواية غير مهمومة بالقدر الكافي. بل لقد اشتهر أن ناقدا أفريقا سأله: “أكان الأمر كذلك بالفعل معك يا أخي؟” وما كان يعنيه الناقد لم يكن فقط “هل كان الأمر بتلك السهولة؟ هل كان الأمر بتلك السعادة؟” بل كان يعني أيضا “كيف جرؤت أن تخوننا؟ كيف جرؤت ألا تظهر غضبك على الاستعمار؟ لكن رواية كانارا لاي الجميلة كانت بالنسبة لي مناهضة للاستعمار لأنها تصور بهدوء وإصرار الإنسانية المعقدة في أشخاص جعلت إنسانيتهم موضع جدل تبريرا لاستغلالهم. ولأنها تنكر على القارئ أن يحيل عينيه عن ذلك.

ولا شك أن توقعات المواطنة الأفريقية تؤثر على كفية قراءة الكاتب، وليس ذلك فقط من قبل إخوانه الأفارقة. فمن يحمل لافتة “الكاتب الأفريقي” في ما يعرف بالغرب عليه أن يكون صوتا شارحا لسياسات بلده.

لقد اتضح لي عقب نشري للمرة الأولى أن النظر إلى عملي غالبا ما يكون عبر عدسات سياسية. فقد أقرأ في ندوة ثم أجد في الغالب من يسألني أو يخبرني أن روايتي أليجوريا سياسية، وأن شخصيتها الفاسدة هي شخصية دكتاتور نيجيريا القاسي. فكنت أتساءل لماذا ينبغي أن تمثل شخصياتي بطريقة أو بأخرى أمورا سياسية؟ لماذا يتحتم أن ترتبط برواياتي كلمات مثل الاجتماع السياسي؟ لماذا لا يطرح علي أحد سؤالا عن العلائق بين الشخصيات؟ عن الحب؟

واضح أنني أعرف الأسباب ـ وهو أن الروايات الأفريقية الحديثة تضرب بجذورها في النضال ضد الاستعمار وأن أعمالا أفريقية قليلة هي المعروفة خارج أفريقيا ونتيجة ذلك أن تقرأ باعتبارها تفسيرا محليا ما لمكان مجهول، فيستحيل على رواية أن تقرأ بوصفها قصة بشر قبل أن تقرأ على سبيل المثال بوصفها أليجوريا لوضع سياسي.

لكن هذا لا يغير الحقيقة، وهي أنني حينما جلست لأكتب شخصية الأب في “زهرة الكركديه الأرجوانية” لم أحدث نفسي قائلة “إنني الآن سوف أكتب تمثيلا أليجوريًّا مهما لثقافة نيجيريا العسكرية”. بل إن شخصية خطرت لي، بصوت مكتوم وروح شبه مكسورة، لبنت مراهقة لم تكن تشبهني في شيء لكنني أردت أن أغوص فيها.

سؤال “هل أنت كاتبة أفريقية؟” سؤال طرح علي مرات كثيرة، وفي مرات كثيرة أجبت “نعم”، ولكنها نعم تعكس تذبذبي، وتعكس خوفي من أن يساء فهمي. كنت بنعم تلك أقول إنني أنتمي. ولكني تلك النعم كثيرا ما كانت تخرج مصحوبة بهمسة: “لكن لا بد أن تسمحوا لي أن أنتمي بشروطي، لا بشروط غيري، فهذا جوهر الفن”.

وأود أن أنهي بكلمات من الكاتبة الجنوب أفريقية بيسي هيد التي عاشت أغلب حياتها في بتسوانا. حينما سئلت “لماذا تكتبين؟” قالت “إنني أقيم درجا إلى النجوم. وعندي صلاحية أن أصطحب معي الإنسانية كلها. ومن أجل ذلك أكتب”.

ألقيت هذه المحاضرة في المكتبة البريطانية بمناسبة فوز أديتشي بجائزة بن بنتر التي تقدم سنويا لكاتب من بريطانيا أو أيرلندا أو دول الكومنولث.

نشر نص المحاضرة في نيوستيتسمان في مارس الحالي ونشرت الترجمة أمس في جريدة عمان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق