ثقافة السرد

يوم استشهاد صابر

محمد عبدالوكيل*

أحيانا كثيرة احدث نفسي عن هذا العالم أقول بأنه عالم هولامي .. عالم غير حقيقي تحديدا ،وان حدث فلا يكون ذلك إلا في الخيال. أتخيل الناس والكائنات، والكون وكأنها أشياء عائمة في الضباب؛ تريد إن تكون حقيقة، وهي غير ذلك ،مثلا عندما رن هاتفي المحمول صباح هذا اليوم، ذهبت إليه دون إن ادري، وكأني في حلم ..جاءني صوت من الطرف الآخر يشبه صوت إنسان يغرق ..كان الصوت يأتي ويذهب؛ فتخرج الكلمات متقطعة مخنوقة .قلت للمتحدث المكلوم:- الووووو من أنت ..؟ومن أين تتحدث هل أنت في قبر أم في بئر ..؟ أنزلت الموبايل من علياءه إلى قبالة أذني ..قلبته بيدي ثم أعدته إلى فمي ..رفعت عقيرة صوتي ليتضاعف عدة مرات مقارنة بالمرة السابقة، كنت كمن يصرخ في وجه آخر وهو الأمر الذي امقته تماما قلت:- أرجو المعذرة سوف أغلق الهاتف. لحظتها بدأت الأحرف تتلاصق  حيث قويت الذبذبات المترهلة قليلا .استطعت التقاط عدة كلمات :

– نعم ..نعم أنا حااا ..ح اتم ” عرفت بصعوبة إن المتصل حاتم.

قلت:

– أهلاً حاتم واتبعتها بنهده .كنت قد تعبت تماما ..جلست على الأرض ،التقطت  أنفاسي ..أعدت الموبال إلى أذني بعد إن أبعدته دون قصد:

– أنا في المقهى المعتاد ..أرجوك إن تأتي.. قال ذلك بمرارة مكسوة بالإجهاش

2

ذهبت ولا رفيق لي سوى هذا الغشاء القبيح الذي ترتديه الدنيا، وفي رأسي يرتكز سؤال حائر هل أنا في نفق مظلم..؟.

3

فوضى عارمة هذه التي تحدث في الشارع ..صوت مظاهرة يأتي من شوارع خلفية ..زعيق سيارات الجيش يمر مخلفا الذعر المتراقص على الواجهات ..طبول ورقصات موحشة ..أصوات كثيرة متداخلة :أطفال يضجون ويتلاحقون ويتصارخون ..ثمة صوت خطيب مسجد يرتفع أحيانا وأحيانا  يخفت ..همسات مكتومة لنساء هلوعات تنطلق من هنا وهناك.كنت امشي بلا تردد لكن القلق يؤدي مهمته ببراعة ..في أعماقي ترتطم أسئلة مجهولة ..اقتربت من المقهى والريبة تكاد تقتلني وفي أرجاء وحش اسطوري يتحرك في كل مكان ويسد منافذ التفكير ..جاء حاتم إلى باب المقهى.. كان وجهه اصغر من حبة قمح صفراء ..صافحته ولم يكن يفكر هو بذلك ..حاول سحب يدي إلى الخارج، لكني سحبت يده إلى الطاولة ..نجحت محاولتي ..تهالك حطامي على الكرسي بفوضى ..قال لي والدموع تلوح بمناديلها البيضاء في عينية :

– لقد أكلت المظاهرات أخي

– اعرف ذلك الم يستشهد قبل شهرين في “جمعة الكرامة”

-كان ذلك شوقي أما اليوم فانه صابر. بدا حاتم وكأنه يحاول القبض على دموعه لكنها فرت بخفة .الوجوه على الطاولات تظهر وتغيب كأن احد النحاتين يحاول تحديدهم بإزميل عملاق ثم يمحوهم هكذا وبكل سهولة .. قلت:

– لماذا لم تخبروه بخطورة المظاهرات في مدينة مثل صنعاء ..ألا تعرفون بأن السلاح بين يدي كل من هب ودب .

تلاشت ملامح المكان ولم يعد قبالتي سوى عينين محمرتين وأردفت:

– لقد كان صغيرا .. كأن بإمكانه تقدم خدمات مدنية كأن يكون احد عمال النظافة في الساحة أو احد الممرضين ..لقد اخطأتم..

– في الحقيقة لاادري كيف حصل ذلك ..قال بأنه سيذهب وانه سيكون بعيدا عن بؤر العنف ومع ذلك استهدفهم المسلحين حين كانت سيارتهم تعبر إحدى الجبال محملة بالمؤن والهدايا العينية للمعتصمين .

أردت أن أتخيل سيارة تحمل مؤنا إلا أنني سمعته يقول

استشهد خارج الساحة بل خارج المدينة .. لقد كان في مهمة

الصوت الذي تصاعد من الطاولة المقابلة أعاق محاولة التخيل برمتها،كان صوته مرتفع جدا:

-ألووو..ألوو.. نعم نحن في المقهى ..نعم مقهى الشوعيين ثم أردف: مثل كل يوم.

وفجأة ارتفع صوت صاحب المقهى :

-ماذا تقول ياكلب، ثم تابع عندما لم يتلق جوابا :

-هذا مقهى الناس جميعا وليس الشيوعيين فقط.

احمرت خدود رجل الموبايل وانطرحت يده على الطاولة بذهول .بدا الأمر وكأننا في مشهد سينمائي حيث نهض الرجل من كرسيه وهو يقول :

-ولماذا تخافون من الشوعيين ..إنهم مسالمون جدا

–ومن قال أننا نخاف .. ماقصدته هو إن هذا المكان مفتوح لأكل العيش .

احمرت عيني رجل الموبايل واتسعتا إلا أن الخصم أطفأها حين قال:

-نريد إن نعيش ياعالم إلا تفهمون.

3

نهض حاتم وهو يمسح دموعه .. لم نشرب شيئا رغم عروض النادل الذي طفح الكيل به حين لمس انشغالنا عن محاولاته .الضجيج الذي شيعناه عند دخول المقهى ،استقبلنا في الخارج.قال فيما يشبه التوسل :-لن يتحمل أبي هذا الموت ،فأنت تعرف انه شيخ كبير وقد جئت إليك للمشورة ..ماذا نفعل استشهد أخي الكبير خالد عام 1967م أثناء فك حصار السبعين يوماً الشهير واستشهد شوقي قبل أشهر في مماحكات عبثية وهذا صابر خطفه الرصاص وهو ونحن  لاندري لماذا؟ .

كان كل شيء يبدو وكأنه يحتضر ويموت ويتلاشى ..الحياة تتجرد من ماءها وطعمها ولونها وذوقها .قال حاتم وهو يتوقف عن البكاء :-يبدو العالم وكأنه يعاني من سكتة قلبية”.

تسللت أقدامنا عبر منعطفين حادين في الأزقة الخلفية من الشارع العام .وقبل إن نصل شاهدنا سيارة الهلال الأحمر وهي تقترب من باب الحارة ويرتفع من مسجلها صوت القارئ عبد الباسط عبد الصمد .. عرفناها قلت: إنها السيارة التي تقل شهيدنا ..اوقفناهم ..تقدمنا ..قلت لهم بلغة مثخنة بالترجي :أرجوكم توقفوا ابو الشهيد لايعرف شيئا عن الحادثة وقد تم التواصل مع شقيقه حاتم .قاطعني حاتم قائلا:انه شيخ كبير ومازال متأثرا بحادثة شوقي ..اوقفنا السيارة هناك .. ذهبنا انا وثلاثة جنود يتقدمنا حاتم . استطعت إن استمع إلى أصوات بعض اللذين اقتربوا من السيارة . قال احدهم :- من هو الذي مات.

قال السائق :انه شهيد ..شهيد هذه الثورة السلمية

– اين استشهد؟

-لاأدري مااعرفه انه لم يكن لديه سلاح؟

ظهر أبو حاتم جوار منزل متواضع يتوكأ على عصا معقوفة، وهو يمشي على الرصيف المجاور..يجيء ويذهب كأنه ينتظر جنازة.. كان يرتدي ثوبا اسود وعمامة صفراء وبين الحين والآخر يمسد على لحيته البيضاء بحزن. استطعنا إن نلتقط استغفاراته وتشهداته التي كانت تملأ المكان ..توقفنا ..وعندما أدرك إننا نراقبه قال له احد رفاق الشهيد :

-السلام عليكم. فكر قليلا قبل إن يرد ثم قال:

-أهلا .لم يرد علينا كما يجب .. نظر إلينا بذهول كأنه في حالة تخاطر مع المجهول. لاحظ إن الصمت يأخذ حيزا بيننا وان ألسنتنا معقودة لعله فكر كيف يكسر تلك الرتابة.. قال:

-هل استشهد صابر؟ بكى حاتم في نفس اللحظة متزامنا مع كلمات أبيه الذي أردف:

-أرجوكم أعطوني ابني ..لقد اشتقت إليه أريد أن اقبله واصلي عليه وأنام.دخل الشيخ إلى المنزل في الوقت الذي بدأت فيه الشمس المسائية الخافتة تخضب جدران البنايات المجاورة بالأحمر

*كاتب روائي وقاص ومناضل من اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق