قراءات ودراسات

زيغ الدلالة في (فطور الصباح)، للدكتور عليّ القاسميّ

الدكتور حسام الجبوري *

تتفاجأ من البداية بالدفق الدلالي الذي يتراكم متجاوزاً سرعة الحوار ؛ الذي يحلو أن أسمّيه ( الحوار الأعرج ) ، حين يتجاوز إبداع الدكتور عليّ القاسمي فكرة الحوار الثنائي من جهة ، والمونولوج من جهة أخرى ؛ ليخلق نمطاً – وسطياً – يخترق إجراءات الحوار الفعّال ، والأسى الخالق لسوداوية الذات في المونولوج !!!

أعترف أن السرعة القاتلة في السرد ، المبنية على صناعة نمط تقابلي غير ظاهر ، ربما هو نوع من التضادّ الخفي الكاسر لأفق التوقع جعلت من (فطور الصباح) ذات أبعاد دلالية مترددة ، أو فلنقل تحمل (زيغاً دلالياً  أخّاذاً ؛ فالفطور ليس الفطور ” تعال معي لنتناول فطور الصباح ” جملة تفترض الثبات الدلالي والبدء برسم لوحة ، لكن الدكتور القاسميّ يزلزل تلك الصورة ” إنهم يتناولون فطورهم ، أو بالأحرى يحتسون قهوتهم ” ليس لك من خيار في لفظ أنفاسك حيال هذا الخرق والانزياح ، فالعقل ما زال غير قادر على تجميع شتات الصورة الأولى ، ليعاود البحث عن أجزاء الصورة الثانية ، وهنا يكمن السرّ في صناعة دراماتيكية التلوين والصوت والحدث والضوء في ( فطور الصباح ) !!

نحن في مواجهة حدث متداخل رسم المبدع تشكيلته من الصورة المركبة ؛ ولا أعني هنا بالتركيب معناه الأرسطي المبني على تعاقد الأجزاء ؛ بل تركيب متعاكس في تداخله ، يضعنا أمام تساؤل فيزيائي قديم – لو صحّ التعبير – وهو ( كم صورة سترى عند وضعك مرآةً أمام أخرى ) ؛ فـ( فطور الصباح ) الواقع تداخل بصرياً مع ( فطور الصباح ) لجاك بريفير ، كلاهما يتماهيان في نفسيهما لا تكاد تعرف ماهية الأول ، وذات الثاني ؛ عبقرية الدكتور القاسمي لم تلجأ للمنحى الفيزيائي في حلحلة هذا الاشتباك ؛ بل لجأ لخرقٍ آخر تجاوز حدود التوقع عندما رفض فكرة المعرفة باللغة الفرنسية !!
هكذا عادت صورة أحادية ، وربما ممتزجة بطريقة تلغي تعددهما ، أو تغايرهما !!!

ويستمر الدكتور القاسمي لتستهويه لعبة التداخل ، والخرق الذي يكسر صمت التداخل ؛ ليصنع زيغاً دلالياً جديداً ” وإذا كنت لا تُجيدُ الفرنسية فسأقرأ لك القصيدة ذاتها بالعربية ، فقد نقلها إلى العربية الشاعر نزار قباني ، وأعطاها عنوان ( الجريدة ) … ولكنه نسيَ أن يكتب كلمة ( ترجمة ) عليها …” ، وها هو القاسميّ يعود ليضع ( الجريدة ) في قلق الدلالة حين تتداخل ثانية ” وإذا كنتَ لا تُحبذ الشعر وتفضّل الإنكليزية فلنقرأ قصةً قصيرة للكاتب الأمريكيّ ( رون كارلسون ) بعنوان ( قراءة جريدة ) …” ويعود ثانية للتقنية نفسها التي تجعل هذا التركيب المتعاكس في مهبّ الريح ؛ ليكسر هذه المعادلة ” ماذا تقول : أنت تجهل اللغة الإنكليزية ” .

( فطور الصباح ) صوتان ؛ أحدهما قويّ بارز بوضوح مثير للانتباه ، والآخر خافت يكاد يكون معدوماً ، بل يقترب كما أسلفنا إلى منطقة ( المونولوج ) الحرّة .
سوداوية مرّة كمرارة القهوة ؛ ولا يكاد تراسل الحواس الولوج الى حيز مفاهيمها ؛ لتعود ( باردة ) تفقد قدرتها على تلمسّ الحواسّ وإخبارهنّ بكنهها وهويتها.

الدكتور القاسميّ المتألم السوداويّ يرمي بحيرة حزنه الراكدة بحجارة تلو الأخرى لينتظر من ( زيغ الدلالة ) صنع دلالات جديدة تعكس ذلك الحزن القاتم بلونه وصوته معاً …
– لم تُعجبكَ قصّتي ؟
– ليست لها مواصفات القصة ؟
– لا تُريد أن تَسمع شيئاً من الأدب الفرنسيّ ولا الإنكليزي ؟
عُدْ إلى رُشدكَ أيّها القارئ النهم لهذا الجنون من تدافع الدلالات المأزومة حزناً وقلقاً لتجد عمقَ المأساة حين تفتح باباً لمأساةٍ أكبر ” إذن سنقتل الوقت بقراءة الصحف العربية ” …

تُذكرني المفارقات التي يصنعها الدكتور القاسمي في ( فطور الصباح ) بتلك الخروقات الصانعة لشاعرية ( أحمد مطر ) ؛ المبنية على خارطة طريق مسدود يفتح باباً لطريقٍ مسدود ، هو أقربُ لنفي الإلحاد بالتسلسل المنطقي والدور الباطل ؛ فالاحتمالات اللا متناهية من الطرق المغلقة تحكي بوضوح قتامَ الصورة والشعور في آنٍ واحد !!!

يدفع الدكتور القاسمي بمجموعة بصرية خاطفة تعتمد التناقض ( المرأة التي تُسرَق حقيبتها بالقوة – الشرطي اللامبالي بها بسبب الفساد الإداري وموت الضمير ) ، ( النادل وقهوته الباردة – التظاهر بالتلذذ بشربها ) ، ( نجاة برويز الإنقلابي – الرئيس الفاسد المزوّر ) ، ( القتلى اللبنانيين – سرقة أموال الصيانة ) ، ( الجرائم الإسرائيلية – موت الضمير العربي والاعتياد على رخص الدم الفلسطيني ) ، ( الأمريكان يقتلون العراقيين بدم بارد – ثقافة الكاوبوي ) ، ( المقابر الجماعية في العراق – تعلم الحكم الصالح ) … سخرية وسوداوية تعتمد الجرأة على خلق توافق منطقي لجمع الأضداد ؛ وهو الأمر الذي سيسخط أرسطو الذي سيظل يصرخ ” الأضداد لا تجتمع ولا ترتفع في وقت واحد ” ليجيبه الدكتور القاسمي ساخراً متألماً ” هل تريد أن تسمع مزيداً من الأخبار ؟ لا ؟ لنغيّر الموضوع إذن. والآن كيف نبحث عن عمل ” .

*كلية الآداب ـ جامعة بغداد

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق