ثقافة النثر والقصيد

(سيّدُ الحرف)

إلى روح الشَّاعر : (عمر أبو ريشة)
في ذكرى وفاته التي تصادف 15/7 النّسر المُحلّق في فضاء الشّعر العربيّ الأصيل

شعر: د. وليد العرفي

قرأْتُ شعرَكَ فاستمطرْتَني عبقاً
وشعَّ حرفُكَ رعداً كاد أو برقا
ورحْتُ أقبسُ من أندائه شغفاً
لأقبسَ النّورَ منْ لألائه شفقا
فإنَّما الشّعرُ عطرُ الرّوحِ فاحَ ندىً
فيه القوافي خزامى أينعَتْ ورقا
منك القوافي رؤى للضَادِ معجزةٌ
والشِعرُ لولا قوافٍ منك ما ائتلقا
يا شاعرَ الجرح في آلام أمَتهِ
فكم جراحاتُها ساهرْتَها قلقا ؟!
كأنَك الأمُ تحنو وهي مثخنةٌ
بالجرحِ لكنْ تُداري همَّها بتُقى
كانتْ قوافيكَ طبَّ الجرحِ شافيةً
وخيرُ ما بلسمَ الأدواءَ ما حرقا
غنَيْتَ شعرَكَ ألفاظاً مموسقةً
تشدو النفوسُ بها فكراً ومنطلقا
بشعرِكَ الحرفُ يندى عطرَ داليةٍ
وقد سكبْنَ بأقداحِ الرؤى عبقا
تُجلي البيانَ بسرٍّ أنتَ كاشفُهُ
والسِّرُ أجملهُ ما ظلَ منغلقا
يا سيِّد الشّعرِ فاح الحرفُ منسكباً
فإنَما الشّعرُ نبضُ القلبِ ما خفقا
نقلْتَ من إرثِ هندٍ نقشَ معبدِهِ
وما تزركشَ مِنْ تاريخِ مَنْ سبقا
فتلكَ غانيةٌ تزهو بفتنتِها
وذاك مفتونُها يدنو لها شَبِقا
كأنَما الكونُ في الكجوار جنَّتُهُ
وآدمٌ لفَّ حوَّا فانثنَتْ عُنقا
أنطقْتَ بالشّعر نحتاً قُدَ من حجرٍ
والصّخرُ لولا شعورٌ مِنْكَ ما نَطَقا
يا واهباً لمدى الشّطرين مُتَّسعاً
ومُثْبتاً أنَ بابَ الشّعرِ ما انغلقا
وصاحبَ القفلةِ المعروفَ مبدعُها
و سدرةُ الشّعْرِ منْ إلاَك كانَ رقى ؟ !

وحاملَ الشّعر في الكفَين أغنيةً
فيها القوافي ــ صباياــ جلَّ مَنْ خلقا
بأيِّ سحرٍ تُراكَ الحرف تمزجُهُ
فيشغل الصّبُ عمَن قلبه عشقا
لتصبحَ الضّادُ أنثى في مفاتنها
تُعلّق القلبَ والأسماع َو الحدقا
فلسْتُ أبصرُ في شعرٍ نسجْتَ سوى
إبداع وحيٍ عن القرآن ما افترقا

لولا يقينٌ بأنَ اللهَ خالقُنا
كانت تصيرُ لنا ديناً ومعتنقا
قالوا : العمود هوى منْ تحتِ خيمتِهِ
والعصرُ جاوزَ في أفكارِهِ الأفقا
والوزنُ قيدُ الخيال الحرِّ يمنعُهُ
من كشفِ سرٍّ بهذا الكونِ قدْ علقا
ما اجتازنا العصرُ لكنْ في تأخّرِهِ
يزدادُ بُعداً فظنّوا عصرَهُم ْ سبقا
فقلْ لمن معدنوا الألفاظ أكسدةً :
أيصبحُ العقمُ ــ مهما فلسفوا ـــ عُمُقا ؟!
فالشّعرُ كان لفهم الكون فلسفةً
وقد توهّجَ منها النّورُ و انبثقا
وكان أسلافٌنا قد حرّروا بلداً
ببيت شعرٍ وما حرّرْتُمُ عُنقا
هزّوا بشعرهمُ سمعً الورى طرباً
وريحُ أشعاركمْ ما هزّتِ الورقا
بينَ الشّعورِ وبينَ الشّعرِ قد فصلوا
ورمزهمْ في ضباب العجمةِ انغلقا
يكفي العمود إذا ما بعضهُمْ جحَدُوا
جمالَهُ كيفَ شكلُ الخلقِ قدْ نسقا !
فاللهُ قد خلقَ الإنسانَ منتظماً
بشكِلهِ فتوازى جسمهُ أنِقا
فلا تغرّوا إذا ما شعَّ بدركمُ
فشمسُنا وهبَتْ أجفانَهُ الحدقا
نذوبُ في شعرنا حتّى نموتَ جوى
وأصدقُ العشق مَنْ في حبِّهِ احترقا
سيرجع الشّعر بنياناً وإن هدموا
والطّيرُ مرجعهُ للعشِّ ما انطلقا
ثوبُ التغرّب بالٍ رغم جدّتهِ
فكلّما حاولوا ترقيعَهُ : مُزقا
سيثبت الحقُ والتّاريخُ محكمةٌ
فكم طغى باطلٌ عقباه أن زهقا
مَنْ يركبِ البحرَ دون العوم معرفةً
لا بدَّ يهلكُ في أمواجهِ غرقا
تكبو الخيولُ إذا فرسانُها عثرتْ
فالمهرُ تكبو إذا ما الفارسُ انزلقا
الشّعرُ ليس بأشكالٍ نزينُهُ
فربَّ باطنِ غيمٍ غير ما برقا
فكمْ قبيحٍ بغير العينِ ندركُهُ ؟!
يُرى الغرابُ إذا ما صوتُهُ نعقا
وحكمةُ الفكرِ تبقى بعدَ قائلِها
فالتّبرُ يزدادُ نُفْساً كلَّما عَتُقا
يا سيّدَ الحرف من إلّاكَ يبدعُهُ
منْ كلّ حُسْنٍ تراءى شكلُهُ أنقا
غنّيْتَ للوطنِ السّامي على حلمٍ
يا ضيعةَ الحُلمِ منْ أهدابِهِ انْسرقا
وضاعَ مثلَ فلسطينٍ وأندلسٍ
بقيَّة الأملِ المرجو الذي شٌنقا

ماذا أقولُ إذا ما قمْتَ تسألني
ودمُّنا العروةُ الوثقى قدِ انهرِقا
وما أصوِّرُ منْ أحوالِ أمَّتِنا
قدْ قُسِّمَتْ جسداً واسْتُحْكِمَتْ فرقا
والأخوةُ القاتلونَ الحقّ يوسفهمْ
والذّئبُ يُنكرُ ما تجني يدُ الفُسقا
كمْ مدَّعٍ منْ بني أمّي أباحَ دمي
وبدَّلَ الدَّمَّ ماءً واشتكى المزقا
عجبْتُ منْ طغمةِ الأعرابِ تحكمُنا
وتدَّعي الفضلَ بينَ النَّاسِ والسَّبقا
يا أمَّةً ضيَّعَ الدُّولار قبلتَها
وصدَّرتْ خُلقَها واسْتوردَتْ خُلقا
لا ترتقي أمَّةٌ حكَّامُها ذنبٌ
للآخرينَ وهلْ يهدي الشَّقيُ تُقى ؟!
يا للقرابةِ منْ أشباهِ مَنْ نسبوا
زيفاً وما كلُّ منسوبِ الدّماء نقى
الأصلُ في الفعلِ لا الأقوالُ تعلنُهُ
كمْ مدَّعٍ فضلُهُ في الفعل ما صدقا ؟!
وإنَّما القولُ فعلُ الشَّامِ تعرفُهُ
إنْ جفَّتِ الأرضُ نهرُ الدّمِّ كانَ سقى
أرضٌ يُعطّرُها دمُّ الشَّهيد ندى
الحاملونَ لواءً في المدى خفقا

أكبرْتُ عاصمةَ الفيحاءِ شامخةً
تُسطّرُ الآنَ في تاريخِ مَنْ سَبقا

والعزُّ في الشَّامِ شمسٌ لا غروبَ لها
وإنَّما المجدُ منْ أهدابِها شَرُقا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق