قراءات ودراسات

إعادة قراءة وكتابة تاريخ الصراع بمنهجية قرآنية

(الحلقة الرابعة)

مصطفى إنشاصي

أوضحنا في الحلقات السابقة أن الدين السماوي الوحيد هو الإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلَ الله عليه وعلى آله وسلم، وأن ما جاء به الرسل السابقين عليهم السلام جميعاً كانت رسائل أو تشريعات خاصة بأقوامهم وزمانهم. وأوضحنا أن توراة موسى وإنجيل المسيح عليهما السلام قد تم تحريفهما، وتحولت رسالتيهما إلى دين بشري وضعي وثني! سنواصل تصحيح خطأ القراءة العلمانية الانتقائية ونثبت عدم منهجيتها في فهم طبيعة الديانة اليهودية الوضعية ومعتقداتها، من خلال ربطها بالواقع وما تمخض عنها من نتائج سياسية وواقعية كلها لصالح المشروع الصهيو – غربي، لعلَ وعسَ أن يدرك البعض خطر إعادة إنتاج تلك القراءة الخاطئة على الأجيال الحالية والقادمة!

الإيمان باليوم الآخر والبعث
قال تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (الجاثية:24). ولأن الديانة اليهودية الحالية تنكر الإيمان باليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء، والثواب والعقاب، والجنة والنار، تجد اليهود لا يتعجلون الموت، وحريصون على حياة، أي حياة وإن كانت حياة ذل، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96)! وفي الحقيقة أن اليهود الأوائل يؤمنون بعقيدة اليوم الآخر بحكم أن بني إسرائيل هم ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وأتباع رسالة سماوية قبل تحريفها، وليس كما يحاول الكتاب العلمانيين إرجاع أي أمر ديني لديهم له جذور سماوية إلى أخذهم له أو تأثرهم بمعتقدات أو خرافات الشعوب والأمم السابقة! مثال على ذلك ما كتبه المؤرخ الأمريكي (ول ديورانت): “على أن اليهود قليلاً ما كانوا يشيرون إلى اليوم الآخر، ولم يرد في دينهم شيء عن الخلود، وكان ثوابهم وعقابهم مقصورين على الحياة الدنيا، ولم تدر فكرة البعث في الخلود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون لهم سلطان في الأرض، ولعلهم أخذوا هذه الفكرة عن الفرس، أو لعلهم أخذوا شيئاً منها عن المصريين”
ومثله قاله (شفيق مقار)، وبقية رأيه أيضاً ذكره ول ديورانت: أن اليهود حذفوا الإيمان بالآخرة ليخفوا منابع الديانة اليهودية التي أخذوها عن ديانات مصر، فالديانة المصرية كانت تؤمن باليوم الآخر والحساب، ولهذا حذف اليهود بُعدهم الأخروي. ويضيف: “ولنصغي إلى ما يسلم به الدعاة اليهود أنفسهم، لا شك أن فكرة اليهود عن العالم الآخر لم تتبلور إلا في عصور متأخرة، أما تلك الأجزاء من العهد القديم الذي يُفترض أنها ألفت قبل غيرها فإننا لا نجد فيها إلا إشارات متفرقة غامضة وشديدة الإبهام في أفضل حالاتها إلى ما قد يمكن القول أنه اعتقاد ببقاء الفرد بعد موته، ولا يمكن الخروج منها إلا بأن كل ما يمكن أن يبقى من الكائن البشري بعد موته لا يزيد عن عظامه ودمه واسمه، وأن تلك البقايا يمكن أن تتواجد بعد الموت في مكان يدعى شيؤل وما من سبيل مهما تمادينا في التخيل أن ندعي أن شيؤول هذه تعني البقاء”.
وقد أخبرنا القرآن الكريم في كثير من الآيات عن إيمان اليهود بعقيدة اليوم الآخر، ولم يعترض أو ينفي ذلك أحداً من اليهود المعاصرين لنزوله في المدينة. قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة:126). وقال على لسان يوسف عليه السلام: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (يوسف:37). أما موسى عليه السلام فمنذ لحظة الاختيار الأولى له نبياً أخبره الله باليوم الآخر: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (طه:14-16).
وقد أقر اليهود بإيمانهم باليوم الآخر والجنة والنار عندما ادعى كلُ منهم أنه لن يدخل الجنة غيره، ففي التلمود اليهودي: “ولا يدخل الجنة إلا اليهود. أما الجحيم فهو مأوى الكفار ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين … والجحيم أوسع من النعيم ستين مرة لأن الذين لا يغسلون سوى أيديهم وأرجلهم كالمسلمين، والذين لا يختنون كالمسيحيين الذين يحركون أصابعهم (يفعلون إشارة الصليب) يبقون هناك خالدين”! وقد كذبهم القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:111).
ولكن إذا ما بحثنا في التوراة التلمود اللاتي بين أيدينا عن عقيدة الإيمان باليوم الآخر، والبعث والجزاء والعقاب، فإننا سنجدها مغايرة لِما أخبرنا به القرآن الكريم على لسان أنبيائهم، وما ورد على لسان علمائهم، فلم يُذكر اليوم الآخر على أنه يوم الحساب والجزاء ولم يصرح به، لا في التوراة ولا في التلمود، وهذا ما شهد به فلسفتهم، كابن كمونة وابن ميمون وغيرهما، وأن ما ورد في التوراة إشارات بسيطة عن يوم الجزاء وأنه قد يكون في الدنيا، وعن الجنة والجحيم! علماً أن فيالتوراة نصوص على أن يوم القيامة حق ولا ريب فيه، ويقول اليهود السامريون إن في توراة موسى، نص على يوم القيامة، وأن العبرانيين حرفوه إلى يوم الجزاء، وقد يكون يوماً من أيام هذه الحياة الدنيا، والنص على لسان الله تعالى: “أليس ذلك مكنوز عندي، مختوماً عليه في خزائني، لي النقمة والجزاء. في وقت تزل اقدامهم” (نث 32:34).
لذلك يفسر اليهود النصوص التي تشير إلى اليوم الآخر والثواب والعقاب والجنة والنار …إلخ، تفسيرات أنها في الحياة الدنيا وليس بعد الموت، فهم يؤمنون باليوم الآخر ولكنه لم يرد في دينهم شيء عن الخلود وكأن ثوابهم وعقابهم مقصورين على الحياة الدنيا. يقول الفيلسوف الفرنسي رينان في كتابه المسيح: إن الفلسفة اليهودية كان مقتضاها السلطة الفعلية في نفس هذا العالم فإنه يؤخذ من أقوال شيوخهم الصالحين يعيشون في ذاكرة الله والناس إلى الأبد وهم يقضون حياتهم قريبين من عين الله ويكونون معروفين عند الله، أما الأشرار فلا، هذا كان جزاء أولئك وعقاب هؤلاء.
كما أن الصادوقيين من اليهود ينكرون قيام الأموات ويعتقدون أن عذاب العصاة وإثابة المتقين إنما يحصلان في حياتهم الدنيا. أما فرقة الفريسيين فتعتقد أن الصالحين من الأموات سينشرون في هذه الأرض ليشتركوا في ملك المسيح الذي سيأتي آخر الزمان لينقذ الناس من ضلالهم ويدخلهم جميعاً في ديانة موسى أي أن بعث هؤلاء سيحصل في الحياة الدنيا، فمهما يكن من خلاف بين الفريقين فإنهما متفقان في إنكار اليوم الآخر على النحو الذي يقرره الإسلام. ومثال على أخطاء القراءة العلمانية الانتقائية أنهم قولهم: أن الصادقيون أخذوا عقيدة إنكار قيام الأموات عن فلسفة أبيقور الإغريقي! علماً أن الاختلاف بين الصادقيون والفريسيون في ذلك نشأ أثناء السبي البابلي الثاني عام586 ق.م، وفيه تمت كتابة التوراة الحالية، وأبيقور ولد عام 341 ق.م، وأن جميع الشعوب بين وادي النيل والفرات والفرس كانوا يؤمنون بعقيدة اليوم الآخر، إلا سكان ما بين النهرين، أي العراق ومنهم البابليين، وفي الغالب أن اليهود تأثروا بهم وليس بأبيقور! وبتقديرنا أن ذلك الخطأ مقصود؛ لأن كثير منهم يقلب الحقائق وينفي تأثير العقائد اليهودية في الفلسفة الإغريقية، لأن اليهود سعوا إلى تدمير الأديان والفلسفات ليسهل لهم اختراقهم وتحقيق غاياتهم التوراتية في السيادة على العالم، وليقولوا أن الصهيونية صناعة غربية بكل المقاييس الفكرية والاستخباراتية!
خلاصة الفكر اليهود عن اليوم الآخر: أن الجنة على الأرض وليست بعد الموت، وأن الجنة الأرضية خاصة بهم دون شعوب الأرض، كما وأنه لليهود مسيح ينتظرونه وهو غير عيسى المسيح عليه السلام، “وإنما هو ملك وليس نبياً. ملكاً فاتحاً من نسل داود يسمونه ابن الله. والمنقذ الذي يعيد مجد إسرائيل ويجمع شتات اليهود في فلسطين”. ومسيح اليهود الذي سيأتي آخر الزمان ويكون ملكاً للعالم يمتد سلطانه ليغطي كل الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها، وذلك بعد إعادة بناء (هيكلهم) المزعوم؛ ليس شخصاً بعينه ولكنه رمز للسيادة والسلطان لليهود الذي يكون مركزه القدس، حيث جاء في (المزمور 68/29): “مِنْ هَيْكَلِكَ فَوْقَ أُورُشَلِيمَ، لَكَ تُقَدِّمُ مُلُوكٌ هَدَايَا”. وفي التلمود: في “ذلك الزمن ترجع السلطة لليهود، كل الأمم تخدم ذلك المسيح وتخضع له. وفي ذلك الوقت يكون لكل يهودي ألفان وثمانمائة عبد يخدمونه، وثلاثمائة وعشرة أعوان تحت سلطته! “وتكون الأمة اليهودية إذ ذاك في غاية الثروة لأنها تكون قد تحصلت على جميع أموال العالم”. “وتكون تلك الأمة هي المتسلطة على باقي الأمم عند مجيئه”!

السبي البابلي وعلاقته بالسقوط الشيطاني
عقيدة الإيمان باليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء هي معيار الاختلاف في القيم والمفاهيم والأخلاق والسلوك بين جميع الأمم والشعوب قديماً وحديثاً، أي أن الإيمان باليوم الأخر هو الذي يميز الديانات إن كنت أخلاقية أو لا أخلاقية. ولأنه إذا ما تُرك الإنسان يفعل ما يشاء في الدنيا دون أي رادع من حساب أو عقاب بعد الموت، فإنه سوف يطغى ويتجبر ويعيث في الأرض الفساد، ويقضي على الحياة الإنسانية، لأن عقوبات القوانين البشرية في الدنيا لا تكفي لردعه وكبح جماح نزعاته اللا أخلاقية، فإن الإيمان باليوم الآخر يشكل رادعاً لطغيان الإنسان!
وقد كان بنو إسرائيل في بداية عهدهم يعتقدون بالمعنى الحقيقي للآخرة ويوم القيامة، لكن مع توالي المحن والابتلاءات التي لحقت بهم نتيجة معاصيهم، وخاصة السبي البابلي، فقد عمدوا إلى تحريف الدين السماوي وتحويله إلى دين بشري علماني، ولشدة ما ولدته تلك المحن لديهم من حقد على البشرية، وشعور بالصِغار والدونية من عقد نفسية ضد كل بني البشر، وضعوا فيه أهدافهم وغاياتهم الشيطانية للسيطرة على العالم أجمع وتعبيد كل الشعوب لهم! ولكي يحققوا تلك الأهداف حرفوا عقيدة الإيمان بيوم القيامة واليوم الآخر، وحولوها إلى مفاهيم دنيوية أرضية تحدث في الدنيا فقط، بحيث يتساوى فيها اليهودي المتدين الملتزم بحرفية النصوص مع تباعد العصور باليهودي العلماني الملحد الذي لا يؤمن بكثير من تعاليم الدين وغير ملتزم بحرفية النص. لذلك تجد أكثر طوائفهم لا تتورع عن ارتكاب كل الجرائم بحق الشعوب الأخرى دون أي وازع من دين أو ضمير أو أخلاق!
وفي الحلقة السابقة أوضحنا أن التحريف الحقيقي الذي حدث في عقيدة اليهود حدث في المنفى البابلي. لأن السبي البابلي كان هو الأول من نوعه في تاريخ اليهود، حيث تم فيه تدمير (مملكة يهودا) التي هي مناط الوعد في التوراة، وهدم (الهيكل) المزعوم، وتشريد اليهود خاصة زعمائهم الروحيين وسلالة الأنبياء والملوك، الذين كانوا أشد اليهود حرصاً على الكيان اليهودي وأكثرهم تعلقاً بفكر صهيون وتعصبا له! فلم يكن هذا الحدث مجرد حدث عادي في تاريخ اليهود، بل أصبح هو محور تاريخهم السياسي، “وبدأت تتشكل ملامح فكر ديني يهودي جديد، يجعل من القدس نقطة ارتكازه ومحوره، وتأخذ شكلاً يجمع بين الصوفياًعند اليهود، وتحولت إلى رمز للوطن الضائع، كما تحرك فيه التعصب الطبقي لزعماء اليهود المنفيين إلى بابل الذي كان يشعرهم أنهم كانوا متميزون وحاكمون في فلسطين، لقد تحول هذا التعصب الطبقي إلى تعصب ديني وعنصري”.
في السبي البابلي تفتقت العقلية والنفسية اليهودية الحاقدة على الإنسانية عن أكبر وأخطر مؤامرة في التاريخ ضد البشرية جمعاء، وقد تجسدت تلك المؤامرة في عقيدة الاستعلاء والاستكبار العرقي الشيطانية، عقيدة إبليس التي كانت سبب عصيانه أمر الله بالسجود لأدم وطرده من الجنة، وسبباً في شقاء البشرية جمعاء من كيده لبني آدم ليعصوا الله! تلك العقيدة الشيطانية لإبليس تحولت لأول مرة في التاريخ إلى عقيدة بشرية في (الديانة اليهودية، شعب الله المختار)! وقد صاغ أحبار اليهود المسبيين مجموعة من الغايات والأهداف السياسية الدنيوية وألبسوها ثوب ديني وقدموها لعامة اليهود والعالم على أنها عقيدة دينية سماوية، خلطوا فيها التعاليم السماوية الإلهية بالأفكار والعقائد والفلسفات الوثنية والوضعية، وحشوها بكل الأفكار الشريرة التي لم تعرف البشرية لها مثيل من قبل للانتقام من كل بني آدم!
وقد شمل ذلك التحول أسس عقيدة اليهود وتصورها الميتافيزيقي عن نهاية العالم والأخرويان، حيث أصبحت الآخرة ويوم القيامة في عقيدتهم تعني العودة إلى فلسطين، وإقامة (دولة اليهود)، وإعادة بناء (الهيكل) المزعوم، وإقامة كرسي العرش الذي سيجلس عليه ملك من نسل داود ويحكم العالم، ويجمع كل اليهود المنفيين والمشتتين في كل أصقاع الأرض في فلسطين، وتحاسب (إسرائيل) كل أمم الأرض على ما اقترفته في حقهم من جرائم وتبذير لثرواتها. فقد جاء في (سفر إشعيا: 6-9): “6لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. 7لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا”!
في السبي البابلي نشأ الفكر الصهيوني بصيغته الدينية العقائدية، وعمقه التاريخي، بالعهد لنوح عليه السلام الذي اختزله كتبة التوراة في (سام بن نوح) وتولدت عنه في عصرنا الحاضر كذبة (السامية) التي اختزلت في (اليهود)، وفي الوعد والميثاق لإبراهيم عليه السلام بالأرض من النيل إلى الفرات! وأعتقد جازماً أن هذه العقيدة لم يختلقها الغرب ويضعها في توراتهم، ولا وضعها في عقول الصهاينة في أقبية أجهزته الاستخبارية، وتأثر بها اليهود من خلال عقيدته النصرانية، ونقلوها عنها، بل الذي حدث العكس يا علمانيي وطني!!!
تلك العقيدة قامت على أساس ميتافيزيقي تبلور في وعي اليهود الأخروي الذي تمثل في خطين عريضين: خط يرى الآخرة كعودة إلى أورشليم الجغرافية وإقامة المملكة الداودية السياسية فيها على يد مخلص يلم شتات اليهود العنصري (وهذه هي الصهيونية)، وخط يرى الآخرة كبعث شخصي ومحاكمة شخصية عن الأعمال في الدنيا ثم الإحالة إلى ملكوت الله. فالخطان إذن خط مادي عنصري جغرافي شعبي، وخط روحاني شخصي ديني”.
لذلك يوم القيامة واليوم الآخرة والبعث والعقاب والجزاء في الديانة اليهودية هو العودة إلى أورشليم الجغرافية وإقامة المملكة الداودية السياسية فيها على يد مخلص يلم شتات اليهود العنصري. كتب (ول ديورانت): “جنتهم في فلسطين والبعث بعثها والنشر نشرها ويوم الحساب هو اليوم الذي يحاسبون فيه كل الأمم يوم يعود المسيح ويباركهم ويختارهم نواباً في حكم العالم وإقامة ملكوت الله”! ويقول الدكتور (محمد الزعبي): إن كانت الآخرة والقيامة والبعث في الإيمان اليهودي “لا تعني إلا قيام دولتهم، والبعث لا يعني إلا بعثها من رقادها، وليست الجنة إلا مدخلاً لرؤيته، وأما ثمار الجنة فهي استئثار بديار العالم كله وأمواله وكنوزه”. فإن الحساب في العقيدة اليهودية هو أن “تحاسب إسرائيل بصفتها دولة، جميع الذين سلبوا مالها وأرضها. إذ جميع المال لله وقد وهبه لـ(شعبه المختار)، وكل الأرض لله وقد وهبها لهذا الشعب، أما بقية البشر فحيوانات ناطقة خلقها الله لخدمة المختارين، والمخلوقين للخدمة ليسوا جديرين بالتملك”.
… يُتبع الحلقة القادمة كيف ساعدهم ذلك على الاستفادة من جميع الفلسفات الأخرى بما لا يؤثر على جوهر معتقداتهم، وليس ما فهمه العلمانيين خطأ أنهم يهود ملحدين وعلمانيين وغير ملتزمين!

التاريخ: 24/6/2019

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق