ثقافة السرد

رواية (( العربانـه )) الفصل الرابع

ولادة كفـــــــــاح

حميد الحريزي

حمل أبو مطشر ((بقچة)) صغيرة تضم ملابسه ، ودع أم مطشر وقبل  مطشر موصيا إياه أن يكون الولي من بعده ، ويلتزم بالعمل مع اسطه ((نوماس)) … رافق دليله ((واثق)) متوجها الي حيث  سيأخذه دون أن يسال … وحين علم في الگراج  وجهتهم بغداد    قال  مع نفسه (( أي ولك يمظلوم لبغداد مره وحده  لا هنا ولاهنا … انته چا ضعت بولاية المشهد  ادور لبغداد … شلون راح أتدبره …  الله كريم عليك يابو الجوادين ياباب لحوايج … لنك تسفره بوچهي وتامني بوطن ” سأله  ((واثق)) مابك يا (أبو مطشر)) ساهما .. تتكلم مع نفسك … لا تهتم صديقي كل مشكلة ولها حل …

على طول الطريق وهو مبهور بما يرى من  مشاهد المدن والسيارات المختلفة الأشكال والألوان  وهي تجري على الطرق الاسفلتيه الملتوية  كالأفاعي السوداء …  رفيقه يصف ويسمي له المدن والقصبات والأماكن  المهمة التي تمر بها السيارة  … الكفل  ، خان النص، كربلاء ،عون بن علي ، المحمودية ، الاسكندريه  اللطيفية ثم بغداد … حيث توقفت السيارة في علاوي لحلة وقد كان الوقت ظهرا …..

كان رفيقه  كريما معه حيث تناولا طعام الغداء في احد المطاعم الشعبية في  العلاوي مع أقداح من الشاي … ابتاع له  ولمظلوم علبتين سكائر ((غازي) … قائلا إن موعده مع أستاذ منير في الساعة الثالثة بعد الظهر … فعليهما إن يستغلا هذه الفترة ليتعرف أبو مطشر على بعض مناطق بغداد .. ومواقف باصات النقل وو… وقد كان واثق يقوم. بالشرح والتوضيح لمختلف المناطق والمحلات والمطاعم.دوائر والمقاهي والمطاعم …الخ

في احد المقاهي المطلة  على   نهر دجلة ، قصد واثق احد المناضد في زاوية  الكازينو .. فلمح بفرح غامر صديقه  أستاذ منير جالسا إليها … نهض مستقبلا إياه مرحبا به بحفاوة وشوق كبير… أهلا وسهلا ومرحبا بابن عمي العزيز ((سرحان)) ، رد له مظلوم السلام بأحسن منه ولم يستفسر حول ((سرحان)) إذ أوضح له واثق  إن اسمه من ألآن فصاعدا هو   ((سرحان))  وليس مظلوم حتى لا يستدل عليه أحدا من آل ((رطان)) او غيرهم ……

أمر لهم  الأستاذ بقنينتين من مشروب الكوكا كولا المثلجة  ليخفف عنهم حر تموز اللاهب ….

بعده اصطحب ((منير))  الذي أصبح  اسمه من  الآن فصاعدا ب ((سعدون)) … اصطحب سرحان عبر العديد من الأزقة والشوارع الضيقة المكتظة بالناس من مختلف الأجناس والأزياء … وما أثار دهشته الكبيرة  النساء السافرات   ، فلم يسبق له إن شاهد امراءة سافرة غير محجبة تسير في الشوارع والأماكن العامة ، والدته وأم مطشر تتدثران  بعباءتين  فوق بعضهما وتجلسان بالطريق عند مرور أي رجل ، لا يسيران إلا بعد أن يتجاوزهما … استفسر من أستاذ منير عن حال الناس اللذين سيرهم جرياً ، احدهم يسابق الآخر ، وحال هذه النساء ((العريانة)) ما لذي حصل للناس وأين  ذاهبة بمثل هذه العجلة ، من  ((فَرَّع)) النساء وطردهن من بيوتهن بدون ((عبي)) ولا ستر … هل  من عدو او حش  او حريق  هدد حياتهم فهربوا  خفافا  خوفا وهلعا….؟؟؟؟؟

ابتسم أستاذ ((سعدون))

هذا هو حال المدن الكبيرة ياصديقي .. إنها ضرورات العمل الذي يتطلب السرعة  والخفة والتخلص من كل زائد ، فلا تستغرب إن طلب منك صاحب العمل خلع ((بشتك)) وكوفيتك وعقالك … لترتدي محلها القميص والبنطلون … يعني سرحان يصير ((أفندي))…

باستغراب ودهشة كبيرة  قال ((سرحان)) :- عفه انه أبو مطشر يردوني  أصير من المفاريع .. عمي هاي ما تصير عدنه اله بالعرگه ، الزلمه يفرع ويطب للكونه شاهراً سلاحه …..

فقال سعدون :-

نعم أخي  ((سرحان  )) هذه حياة المدينة عبارة عن معركة حامية الوطيس يوميا من اجل كسب لقمة العيش والاستمرار بالحياة (جري وكدح وخفة وفطنة  وغش إن تطلب الأمر   ،يتخلف من لم يستجب لشرط  سوق العمل ويداس بالإقدام …)

والله إستاد هاي الدنيه تراوينه وتعلمنه دروس مو عله البال….. اسأل الله لا يحرمني منك ومن أمثالك إستاد بجاه الكاظم أبو الجوادين  …

شكرا  أخي ((سرحان )) وألان دعنا ندخل للعملي والمفيد ، إننا ألان سنذهب الي احد الأصدقاء  من أصحاب المطابع المعروفة في ا لعراق.. الذي هو بحاجة الي حارس في المطبعة ليلا والى  عاملا متدربا  على رصف الحروف في النهار وهو يضمن لك  أجرا  مجزيا بالإضافة الي الأكل والمنام  .. فهو من أصدقائنا المقربين  وله علم كامل بما أنت عليه  …

لكن إستاد  تره آني لا اعرف اقره ولا اكتب شلون راح  اگدر اسطر الحروف

سرحان هاي  ما عليك بيه  ، هاي شغلت(( اسطه جمال))  صاحب المطبعة وزملائك العمال في العمل …

هسه امشي وياي نصعد لهذا الفندق فهو صديقي لنستريح  شويه  … وهاك هاي العلاگه جايبلك بيه بنطرون وقميص وحذاء حتى تبدل بالفندق ، وحتى تدخل المطبعة أفندي …

والله إستاد ، هاي كلفه ، خاف ما اعرف امشي بالبنطرون والقميص والدور المصيبه مصيبة ((القندره))  … إستاد تره آني طول عمري ما لابس قندره… وخاف واحد من عمامي يشوفني أمفرع وتصير فضيحه أبو مطشر  تهيلگ بالولايه وصار يمشي أمفرع ؟؟؟؟

ضحك أستاذ منير كثيرا ، ثم طمأن ((سرحان )) وقدم له سيكارة لوكس ليهدئه  قائلا :-

((سرحان )) راح أخليك  تتدرب على المشي بالقندره داخل الغرفة لمن تتعود عليه  يالله نطلع لبره ….

صعدا الي الفندق استقبلهم صاحب الفندق مرحبا ومهللا بأستاذ سعدون وبابن عمه  القادم من الريف لرؤيته….. – أعطاهم مفتاح الغرفة  : متمنيا لهم الراحة والسلامة …

بدء سرحان  يخلع العقال  والكوفية و((البشت)) ، و((الدشداشة)) ..  ووضعهما جانبا… ثم ناوله سعدون القميص ثم البنطلون الذي بذل جهدا غير قليل ليدخل ساقيّه فيه ، احتزم عليه  بعد أن ادخل القميص بداخله بطلب من سعدون  … ناوله زوج الجوراب الذي كاد أن يتمزق بسبب خشونة  وفطور قدمي سرحان ….  ساعده  سعدون في لبس  الحذاء  ….  وحين وقف  سرحان قال ..

أشوف روحي چني طاير  ، بروح أبوك  إستاد خل اتوچه عليك لا طيح … اشو چني راچبلي  بعيره مو ((قندره)) .. چني فوگ النخله …_ تذكر  ذلك حين ركب الطائرة متوجها الي ألمانيا  موفدا من قبل الحزب  واخذ يضحك من نفسه  آنذاك  _  بالاتكاء على سعدون اخذ ينقل خطواته بحذر وبطأ  كطفل  يتعلم المشي  توا …

لف ملابسه العربية ووضعها داخل بقچته التي جلبها من أهله  ……..

غادرا الفندق بعد أن شكرا صاحب الفندق … فابتلعنهم شوارع بغداد  مساءا ، سرحان لا يكاد يصدق ما تراه عيناه مما يرى  ، خصوصا وقد أخذت الناس تتدافع بالمناكب وهي  تسير مسرعة لا يدري الي أين ، وخصوصا السافرات الحسناوات وهن يتقافزن كالغزلان  بين الرجال بخفة وسرعة مذهلة رغم إنهنَّ يسيرن َّ على  ((بسامير ))  السكاربيل العالي ، كيف  لا يسقطنَّ أرضا!!!!؟؟؟؟…..

والله يعمي سنه لو أدرب  أم مطشر حتى تمشيله خطوتين  بالسكاربيل ما أتدبره..

إستاد ((سعدون)) ماتگلي بروح أبوك هاي الوادم نسوان وزلم ليش كاره الهدوم … الزلم مفرعه والنسوان مصلخه وهدومه مبزنگه … شنهي  الخام غالي  بغداد يو هذا بخل  ….؟؟؟؟

ابتسم سعدون قائلا :-

اخوي سرحان خل أسألتك عندك وبمرور الأيام تعلمك الولايه إسراره وإخباره  … أكل الناس ولبسه  وعاداته  متعلقة  بأسلوب عمله وحياته  … العمل هنا هو أبو السواني  والأعراف ……

بعد مسيرة غير قليلة،  اعتاد سرحان ألسير بالحذاء  … شُبِعت عيناه بنفس المشاهد  في كل  المناطق التي مروا بها  في شوارع بغداد ، الرشيد  الرصافي  شارع غازي  الميدان … الخ حتى وصلوا المطبعة التي  قصدها سعدون  …

دخل إستاد سعدون وخلفه  ((سرحان)) فوجدوا الاسطه ((جمال)) وبعضا من عماله يهمون بالخروج من المطبعة بعد ان انتهت  نوبة عملهم االيومية وهم وسط أكداس من الورق بمختلف الألوان والإحجام ، وعدد من المكائن الحديدية كأنها جمالا باركة ….

استقبلهما جمال أحسن استقبال مرحبا باساتذ سعدون وبابن عمه سرحان ،  لأنه سبق وان علم بقدومه من الأستاذ … تسامرا وتذكرا ودار بينهم حديث حميم القسم الأكبر منه لا يعرف ((سرحان )) معناه ومبناه  انه حديث مثقفين  .. اصطحبهم جمال خارج المطبعة لتناول وجبة العشاء على شرف ((سرحان)) ضيفهم العزيز وشغيل المطبعة وحارسها الجديد … كان عشاءا دسما شهيا من الكباب العراقي اللذيذ  تبعته أقداحا من الشاي ((السنگين))  وسجائر الغازي……. بعدها طلب الأستاذ الأذن تاركا سرحان  صحبة اسطه ((جمال)) متمنيا له عملا جيدا وصحبة سعيدة  مع زملائه العمال  واعدا إياه بأنه سيزوره بين حين وآخر وأخباره سيسمعها من الاسطه ((جمال))..

عاد اسطه ((جمال))  بصحبة ((سرحان))  الي المطبعة  ، عرفه  بزميله الحارس السابق الذي رحب به  مرحبا، دله على مكان  منامه وتواجده وما هو مطلوب منه ، وجد  ((سرحان)) من زميله  الألفة والفهم المشترك فهو من أصول ريفية أيضا من  العمارة ،  مطمأنا إياه  بأنه سيعيش وسط هؤلاء الناس بأمان وسعادة وحب ، فهو سيسافر صباح غد  عائدا الي أهله في العمارة  بعد أن امضي أكثر من عام  في المطبعة ولم يشهد من منتسبيها غير الطيب والمحبة والمساعدة وقد  “اكسبوني الكثير من الخبرة والمعرفة التي كنت  اجهلها”..

في صباح اليوم التالي  التقى  وتعرف بالعمال  والأسطوات العاملين في  المطبعة  وكانوا جمعيا  لطفاء طيبين  متعاونين ، ائتلف  معهم وأحبهم وأحبوه ،  بعد أكثر من أسبوع اقترح عليه اسطه جمال أن يتعلم  رصف الحروف في ألواحا خاصة ، فرغم جهله القراءة الكتابة  سيعمل وفق صور الحرف ومكانه  في الكلمة ومكان الكلمة في الجملة … وقد رسم له اسطه جمال الحروف  وأعطاه نماذج منها  … وبدء ((يتمرن )) عليها طيلة فترة انفراده بنفسه  ليلا في المطبعة … فأحرز تقدما كبيرا في تشخيص الحروف وأسماءها وبالتالي كتابتها وقراءتها  مما شجع الأسطوات الي تكليفه  برصف  بعض الألواح وفق ما مكتوب أمامه  وما يراد منه .. كرس  كل جهده وقدرته وفطنته   من اجل  إجادة هذا العمل الممتع الذي تعلم من خلاله على الكثير من  المعارف  التي كانت أشبه بالطلسم بالنسبة له،    انه لم يصدق  تعلمه القراءة والكتابة خلال عدة أشهر بعد إن كان هذا حلما شبه مستحيل بالنسبة له ، كما انه  اخذ يحل شفرة العديد من المفاهيم والمصطلحات التي يتحدث بها ((الأفندية ))   وغيرهم أمثال ((أستاذ  منير)) واسطة نوماس واسطه جمال وبعض العمال والأسطوات  في المطبعة …. كما انه  اقبل  بدافع لا يوصف في  التعرف على معنى ومضمون  ((الشيوعية )) من خلال بعض المطبوعات في المطبعة وبعض الكراريس التي يجلبها له اسطه جمال او بعض العمال  حين يسألهم عن بعض المصطلحات  في مختلف المجالات السياسية والأدبية والعملية والثقافية العامة … تعرف أسماء ماركس وانجلس ولينين  وستالين وفهد  ووووو. ديكتاتورية البرولتاريا الرأسمالية ، الاشتراكية، الأدب الواقعي  ، الرواية القصة ، والشعر الثوري  وووو

حاز ((سرحان)) على المهارة الكافية بشهادة الأسطوات في المطبعة  رفعت درجته الي مرتبة عامل ماهر وتحسن مردوده المالي الذي كان يرسل فائضه الي عائلته حين يلتقي ولده او الاسطه ((نوماس)) وغيره من معارفه هناك ممن يثق بهم … وقد زادت همته ونشاطه  أكثر فأكثر حين وردته بشرى ولادة ابنه الثاني  الذي  اقترح إن يسميه  ((كفاح))….

وبمناسبة  قبول عضويته وولادة  ولده ((كفاح)) وترقيه درجة  في عمله المهني ،قرر اسطه جمال أن  يقيم  حفلة  ووليمة خاصة على  شرفه على شاطئ دجلة ….

التأم الجمع مساءا  ، طابت الجلسة  قرب نهر الدجلة الذي كان يتدفق  ماءه  احمراً ((دهله حميره)) جعلت ((سرحان )) يتذكر ايام  زراعة  العنبر في ريف المشخاب ،   وسحره ضوء القمر وهو يرسل شعاعه  على كل  بني البشر  دون تفريق ، حركة السفن والزوارق في النهر ، شباك الصيد ،  اخذ الجميع يتبادلون  القريض وابيات الابوذية التي  تعبر عن هموم ولعواعج الكادح العراقي …. طاب الحديث فطلبوا منه أن  يسمعهم صوته الجميل الذي طالما استمعوا إليه  وهو واقف خلف مكائن الطباعة ،  بلغ الشوق به أشده لأهله و لام مطشر حبيبة الروح ، بعد ان  دارت كؤوس  ((الزحلاوي)) والبيرة في الأيدي  ، متذكرا  (زبيب ))  غنوده الذي  فهم الآن ماهو  وما مفعوله…. انطلق صوته  منسابا  مغردا  شجيا   ساحرا لعذوبته  و بلاغة قوله  … توسعت حلقة السامعين  من الحاضرين في الكازينو ومن الصيادين اللذين  ركنوا زوارقهم  وأسرعوا نحو هذا الصوت المذهل  جمالا وسحرا  … تبرع بعضهم ببعض سمكات  والآخر  بالمقبلات  وووو فأصبحت  وليمة سمك   واحتفالية  لم يشهد الشاطئ مثلها من قبل … تعلق الحضور ب((سرحان )) صوتا وخلقا …  عاش الجميع ساعات من الفرح والبهجة  والطرب   والتمتع بسحر  شواطئ دجلة  وسمكها اللذيذ….. اختتموا حفلهم بعد منتصف الليل  وعاد ((سرحان )) الي المطبعة هو والاسطه ((جمال)) ..ودعه ودلف الي  مستقره ….. وحين اختلى  بنفسه وراجع ما آل إليه حاله وتكشف له المخبوء والمستتر مما لم يعرفه … ضحك من نفسه  وجهله  ” أي مظلوم  ولك هاي الشيوعية طلعت عالم من الفكر والعلم  والمعرفة ، كاشفة أسرار الماضي  والحاضر وأفاق المستقبل ، الآن واضح  ليش انته وغيرك تعيشون الحرمان والفقر والقهر ، الفلاحين والعمال والكسبة …..الخ : وعرفت ليش يطاردون  استلذ منير ، ويخافون من مناشير الشيوعية … وانته عبالك الشوعيه علويه… باچر ومن كل  ولازم  افاتح الاسطه جمال وهو صديق حميم  لأستاذ منير حتما شيوعي ، لازم أوصله  واحچيله  رغبتي بالاتصال بالحزب “

عند صباح اليوم الثاني  انفرد ((سرحان )) باسطه ((جمال)) طالبا منه أن ينظم له لقاءا  سريعا  بأستاذ منير  لأنه  لا يعرف شيئا عن عمله ومكان سكنه … وعده  الاسطه خيرا …. وبالفعل  قال إن الأستاذ  سيلتقيه بعد يوم غد  وهكذا كان  إذ التقاه في  احد المطاعم الشعبية  في  شارع الكفاح    حول وجبة غداء  (( تمن فوگاه ))  …

نعم  اخ ((سرحان)) عرفت انك طلبت مقابلتي ، هل ضايقك احدهم في العمل  ؟؟ هل لديك مشكلة  مع احد؟؟؟

لا أستاذ المسالة لا تتعلق  بالعمل ، بل هناك أمر خاص  أود  مفاتحتك به  بشكل منفرد…… فأجابه   ،على الرحب والسعة  أبو ((مطشر)) تفضل  سار بمحاذاة نهر دجلة  ، فقال  سرحان:-

أستاذ منير  آني عندي رغبة  الانتماء للحزب الشيوعي ، بعد ما عرفت  شنهو الشيوعية  ، وبعد ما عرفت  إن الحال ما يتغير  بدون وجود مثل هذا الحزب  ليدافع عن الفقراء والكادحين والمظلومين  في كل مكان …. فأجاب أستاذ منير:-

اسمع  ياصديقي  بعد ما تعرفت عليك   وأنت تبيع اللبلبي  ، وعرفت أخلاقك وكرهك للظلم وشجاعتك وإحساسك بالقهر، توقعت   انك ستجد طريقك يوما لحزب الكادحين ، ولكن  لا أنا  ولا غيري من الرفاق فاتحك بالأمر وأنت تمر في  مشكلة عشائرية  ، ربما تضطر للموافقة  طلبنا مقابل  إيجاد حل لمشكلتك ، أما الآن وقد انتهت هذه المشكلة وأصبحت حرا في العودة ال دارك واهلك وفضلت البقاء في عملك في المطبعة … وبعد ان تعلمت القراءة والكتابة واطلعت بنفسك على الفكر من مصادره  وعرفت سيرة أعضائه من خلال معاشرتك لهم  وحبك لهم … فاكتب رسالتك  وأعطها للرفيق جمال لإيصالها للحزب وسيأتيك الرد عن طريقه ،فجمال هو احد الكوادر الشيوعية ،وأنت الآن برعايته وسأتصل به أنا لابلاغه برغبتك…. شكره  سرحان شكرا كبيرا   وعاد للمطبعة فرحا و متحمسا للعمل ، وهو ينتظر الاسطه ((جمال)) وكأنه إنسان جديد آخر  إضافة له صفة الشيوعي الكثير من الهيبة  والاحترام ….

وبالفعل كتب رسالته  كما افهمه اسطه جمال  ووعده  ان يأتيه الرد بعد اطلاع  الرفاق واخذ موافقتهم  على طلبه … وهكذا كان  فقد ورده الرد الايجابي  بقبوله مرشحا لعضوية الحزب   في الوقت الحاضر وسيوضع تحت التجربة النضالية العملية لمدة ستة أشهر قابلة  للتمديد للبت في عضويته من عدمها

اخذ ((سرحان )) يضاعف عمله وقراءته  ويوضب حضور اجتماعات خليته الحزبية التي كانت تشكل  من عمال المطابع وبعضهم ضمن مطبعته التي يعمل فيها، كان  يزور عائلته  كل ما سنحت الفرصة لذلك ، واخذ يزور  أعمامه وأبناء قريته ، منورا مثقفا   مقيما كل فرد من أفراد العائلة للأقارب وبقية الفلاحين  وأصدقائه ومعارفه الآخرين ،  أصبح  ولده الأكبر((مطشر )) شابا يافعا يتقدم  في عمله المهني ((النجارة )) ويبرع  فيه بشكل أعجب  الاسطه ((نوماس)) الذي اخذ يقطر له الفكر  الاشتراكي وفقا لمدركاته وقدراته مما  جعله يصبح من نشطاء  ((الاتحاد العام لطلبة العراق)) البارزين  في النجف ومنطقة الفرات الأوسط ….اخذ الناس يلمسون التغيرات الكبيرة التي  ظهرت على شخصية وسلوك  ((سرحان )) واستطاع  ان يقنع أم مطشر  ببقائه  هناك في بغداد لأنه أصبح ملك عمله الجديد  قبل أي شيء آخر  ، استطاع ان يبني له  قاعدة قوية في الريف وفي المدينة ، وبين أصدقاءه وزملائه في العمل  بالإضافة لصداقته التي توثقت يوم بعد آخر مع صيادي الأسماك منذ يوم الحفلة  المشهودة على  ضفة النهر ….  اخذ نجم  ((سرحان )) يسطع كعامل واعي  مثقف محبوب  صاحبة جماهيرية كبيرة بين العمال والصيادين والفلاحين .. وهذا ماكان يتوقعه له الأستاذ منير…. بعد مرور الستة أشهر الذي كان  ((سرحان)) يعدها يوما  بعد آخر منتظرا اليوم الموعود على أحر من الجمر … ……. جاء  هذا بمناسبة ولادة الحزب في شهر آذار عشية الاحتفال بذكرى  ميلاد الحزب في 31 آذار 1934فابلغه  مسؤول الخلية  بأنه  وعدد من الرفاق الآخرين  حصلوا على  شرف العضوية في الحزب وكان أاسمه الحركي ((عاصف))…. احتفلت الخلية  بميلاد الحزب وبميلادهم الجديد بمنحهم شرف العضوية في حزب الفقراء والكادحين  ….. قرر  سرحان ان يحتفل بهذه المناسبة  العظيمة  … ان يدعو((جمال)) وبعض رفاقه وأصدقاءه الي سهرة  جميلة على ضفاف دجلة  مع أصدقاءهم من الصيادين ….. وكان لهم ذلك  إذ احتفلوا في الهواء الطلق    في ليلة قمراء   نور القمر  براقص موجات  دجلة  ،كما يزين سماء  بغداد الصافية،  مسحت الرياح  عن وجهه المشرق بعض  قطع من غيوم متفرقة  فتألق نوره مع  صدى صوت ((سرحان )) المتدفق عذوبة ورقة  كتدفق  مياه نهر ((المشخاب)) وهي تعانق شتلات ((العنبر))  التي تتضوع عطرا ،بلغ الفرح والمرح  منتهاه في هذه اللية السعيدة ….. ازداد ((جمال)) فخراً  برفيقه الرائع الممتلئ حماساً ونشاطاً وحيوية  وجرأة …..  أصبح مثالاً رائعاً للشيوعي المأمول……..

بعد مرور فترة على منحه شرف العضوية … طلب منه ان يتفرغ عدة ايام ،  لحضور  دورة تدريبية خاصة حول  عمل وتصليح وصيانة الطابعات بطلب من الحزب بلغ به بشكل فردي عن طريق الرفيق ((جمال)) … غُطيَّ أمر غيابه  بسفره الي عائلته في النجف  فالأمر يجب ان  يكون في غاية السرية والكتمان حتى على رفاقه  … وهكذا التقى  ((سرحان )) الرفيق (( سعدون )) الذي أوصله بدوره الي البيت الذي تمت فيه الدورة  ، تمكن  (( عاصف ))  من اجتيازها بشكل يثير الإعجاب  نظراً لحماسهِ  وتجنيد كل طاقته من اجل خدمة عمله النضالي وتطور حزبه فذلك يقرب الفقراء من يوم الخلاص كما  يرى….

عاد  ((عاصف )) الي عمله في المطبعة  وبعد مرور عدة أسابيع  قرر الحزب ان يتفرغ الرفيق ((عاصف )) لمهمة خاصة وعليه يجب تغطية انقطاعه عن  عمله  في المطبعة  بادعاء  سفره الي بلدته  والتحاقه بعائلته  بسبب  ظروف خاصة … وبالفعل ترك ((عاصف  )) عمله مودعا  زملائه ورفاقه ومنهم الرفيق  والصديق ((جمال)) ، ليذهب الي بلدته وتفقد عائلته وأطفاله  وأبناء عمومته  ليودعهم بعد  ذلك ،على أن  يزورهم وقت تسمح له الظروف  مستقبلا.. عاد  وهو  ممتلئ  ثقةً وفخراً بتطور  الخلايا التي أسسها في الريف ، وتطور عمل ولده ((مطشر))  ، والنمو السريع والمعافى لولده ((كفاح)) الذي كان  فطنا جميلا ذكيا  متفوقا في دراسته في المدرسة…… وعمله في النجارة مع الاسطه نوماس بدلا من أخيه  ((مطشر)) الذي تفرغ للدراسة……..

التقى الأستاذ ((سعدون)) فور  عودته الي بغداد  وفق  موعد مسبق متفق عليه … رحب به   معبرا له بفخره واعتزازه   لتفانيه في سبيل قضيته  وحزبه ، والآن  يطلب منه الحزب   ان يعمل في إدارة و تشغيل  مطبعة من النوع الذي تدرب عليه من اجل زيادة فعالية إعلام الحزب ووسائل تحريضه وتواصله مع جماهيرية في ظل المستجدات السياسية   على الساحة الوطنية  وبروز دور الحزب القيادي في  قيام وقيادة ((جبهة الاتحاد الوطني)) من اجل الخلاص من التطام  الملكي الرجعي الموالي  للرأسمال العالمي  الانگلو اميريكي…. تقدم سعدون أمامه مبلغا إياه ان يتبعه ويفعل ما يفعله ….. توقف  ((سعدون)) في موقف احد الباصات  فتبعه  ((سعدون )) ليصعد ألبا ص خلفه دون ن يجلس الي جانبه او يكلمه ….  في المنطقة التالية نزل ((سعدون )) فتبعه  ((عاصف )) سار   ((سعدون )) متوجها لأحد ألأزقة بعد   ان  تأكد بان لا احد  كان يتابعه او يراقبه… انتظر ((عاصف )) وافهمه انه   سيلتقي  بالرجل والمرأة  القادمين  من الاتجاه المعاكس  لخط سيرهما … سيسألهما  بعض ألأسئلة ليثبت له  بأنهم المقصودين  بلقائه  وعندما يتركمهما عليه ان    يمثل لقاءه يهما كأنه صدفة ،يقبل بعضهما البعض   الأول باسم ((فالح)) والثانية((مليحة))  كأنهم من معارفه ومن أقرباءه التقاهم بالصدفة هنا  وعندها   سيتولى الأمر  الرفيق والرفيقة اللذين التقيتهم …. وهكذا كان

فعل ما طلب منه حين لقاءه ((فالح)) و ((مليحة)) سلم  عليهما بحرارة وهم ردوا عليه بمثله كذلك ، السؤال  عن الأهل والأصدقاء والعيال وإنها صدفة جميلة  ان يلتقيا به .. وما عليه إلا ان يذهب معهما لدارهما فهو ضيفهم اليوم

رغم حرارة هذا الحديث ومظهر عفويته كانت عينّا (( سرحان )) لم تفارق ((مليحة)) أخت فالح ، لاشك انه سبق  وان  رأى هذه  الفتاة  في مكان ما يجب ان يتذكر  ، طولها ، شكلها ، عيونها، صوتها   إلا إنها سافرة ولهجتها بغدادية …

أللهم أنعلك يالشيطان .. أيصير اهيه … لالا موهيه  وين ذيچ  وين هاي ، الله  يخلق من الشبه سبعين .. لالا موهيه موهيه  .  بس يبين بعده گليبك يرفرف عليه ..

سار معهم مسافة ليست ببعيدة … اتجها نحو دار في احد ((الدرابين )) البغدادية القديمة ،  أدارت  ((مليحة )) المفتاح في باب الدار  ، فتح الباب ، دخل الثلاثة للدار وجدها دار بسيطة ذات أثاث متواضع جدا … يتوسطها تنور وأكوام من الحطب …الخ.

جلس الثلاثة  على بساط  يغطي أرضية الغرفة  ، قال فالح :-

رفيق ((عاصف)) أنت الآن في احد بيوت الحزب و((مليحة)) بمثابة  شقيقتك ، تشاركك السكن في لدار وأنا ابن عمكما …..

الدار تضم آلة طابعة للحزب سوف تكون أنت المشرف المباشر والمشغل لهذه الآلة المهمة جدا بالنسبة للحزب في الوقت الحاضر.. ستأتيك طلبات الطباعة منسوخة باليد لتقوم بطباعتها حسب الأعداد المطلوبة وفي الأوقات المحددة… أما توزيعها فستكون من مسؤوليتي  فانا سأكون يوميا هنا لاستلام أرغفة الخبز  التي  تتولى خبازتها ((مليحة )) باعتبارها خبازه توفر الخبز للمطاعم والبيوت   لمن يطلبها … ستكون كمية من المناشير بين أرغفة الخبز مؤشرة بعلامة خاصة  سأوصلها للحزب بطريقتي الخاصة ليتولى الرفاق والأصدقاء بتوزيعها  … أما القسم الثاني فستتولى ((مليحة)) طريقة إيصالها للحزب… كل اتصالاتك ستكون عن طريقي … أي طلبات لك ولمليحة وللطابعة سأقوم بتوفيرها لكم … والآن أودعكم والى لقاء..

انفرد ((مظلوم)) بمليحة التي كانت اسما على مسمى جمالا ورشاقة وحسن حديث…

أطلعته مليحه  عل غرفة داخليه … ازاحت  ((الكانتور)) جانبا فظهرت   بابا  خلفه  … تحتوي الغرفة على آلة الطابعة وكمية ن الأوراق والأحبار وما إليه من مستلزمات الطباعة  أفهمته ان هذا مكان عمله  ، ليقوم بطباعة  كل ما يطلبه الحزب منه المنشورات والبيانات الحزبية….. الخ… التي ستتولى هي و((فالح)) عملية توزيعها … قسما منها يجب إيصاله عبر وسادة نوم بها  .. ليقوم ((ابولطيف )) بتقسيمها حسب الطلب الي   كميات   مخفية وسط  وسائد  قطنية اصغر  يأتي مكلفون باستلامها منه  عن طريق إشارة محددة للتسلم والاستلام ….

كانت مليحة تتحدث معه وتشعر انه سارح ومشغول رغم سماعه لها ، بأمر آخر ، على لسانه سؤال وكلام  يتردد في البوح به لها  فبادرته بالقول:-

نعم يا أبو مطشر  حدسك وتوقعك وشكك صحيح تماما  فانا ((غنوده)) التي  عرفتها سابقا وقد ماتت   لتولد بمحلها ((مليحة )) الشيوعية زوجة الرفيق الشيوعي ((مشتاق)) السجين  في نقرة السلمان  لعشرة سنوات … فبعد  ان افترقنا  وعلمت بهروبك من المدينة تعرفت مشتاق بالصدفة  فكان ودودا  طيبا صادقا  .. يفيض حبا وحنانا وإنسانية ، كان يعمل في احد محلات  (معيوف )) للقماش  ، كانت لنا علاقة حب  كبيرة  توجناها بالزواج  وترك معيوف وزمرته  …. ترك  ((مشتاق )) العمل معه  وتوارينا للعمل في    بغداد … الي حين إلقاء القبض عليه قبل اقل من سنة  من قبل الأمن  وحوكم محاكمة شكلية  بدعوى قيادته للتظاهرات  وتوزيعه للمنشورات ….. بقيت لوحدي  ، كلفني الحزب للتفرغ  لإدارة الأوكار الحزبية  والقيام بمهام  مختلفة  في مختلف المدن العراقية  … ومنذ ذلك الوقت نذرت نفسي وجهدي وكل حياتي للحزب ولزوجي الحبيب الذي انتشلني من مستنقع الرذيلة والانحطاط والتردي… كان مشتاق ضحية  انهيار احد الرفاق في السجن تحت التعذيب … وها أنا الآن  أقوم بدور الأخت ألخبازه للرفيق  ((عاصف )) الذي هو أنت  للعمل من اجل  طباعة وتوزيع  منشورات الحزب وبياناته  … فمن هذه اللحظة أنت أخي ورفيقي في النضال علينا إسدال الستار على الماضي  الذي تعرفه وأتمنى ان تكون بمستوى المسؤولية الكبيرة …

أصيب  ((عاصف )) بالذهول والعجب  مما سمع ومما رأى كيف دارت الأيام وما هو سر هذا الفكر  في تغيير سلوكيات الناس   من حال الي حال لا   يمكن تصورها في الخيال … وإلا من يصدق  ما وصل إليه ((مظلوم) الفلاح والعربنچي   الجاهل الي ما وصل إليه ، ومن يصدق ما وصلت إليه ((غنوده)) الغجرية  لتكون مليحة  المناضلة الشيوعية تضحي بشبابها وراحتها ومتعتها من اجل قضية كبرى تجر عليها الويلات من سجن وتشريد وتعذيب ..

أمام مثل هذه الصورة والتحولات الكبرى في حياة الناس ومثالها مظلوم وغنوده… والأمثلة الكبيرة لشياع ومشتاق وأستاذ منير ونوماس وجمال  ووو عظم أمام عيني((عاصف )) الفكر والحزب ومسيرته الكفاحية الجبارة  .. فضاعف حماسه  واقسم ان لا يدخر جهدا من اجله…  وان تكون علاقته علاقة الر فقة والأخوة  الصادقة النقية البعيدة عن الغرائز  الحيوانية  ب (0مليحه )) بعد ان ماتت والى الأبد   ((غنوده)) على يد المناضل  (( مشتاق))…

واصل ((عاصف )) عمله في المطبعة ،ازدادت نشرات الحزب وبياناته على بعد قيام ((جبهة الاتحاد الوطني)) بين القوى  الوطنية العراقية ، اثر الجهد الكبير والتبدل النوعي في  سياسة ونشاطات الحزب فأصبح له دور كبير  في قيادات نضالات الجماهير العراقية من اجل التحرر والانعتاق …

كان عاصف يتابع  بألم كبير أخبار  الانقسامات  والخلافات والصراعات بين القيادات الحزبية  ، التي كانت لاتعدوا ان تكون خلافات شخصية من اجل  تبوء المواقع العليا في القيادة  الحزبية  .

” أي ولك يمظلوم هذوله هم مثل  شيوخ الأفخاذ عدنه كله أتريد تصير شيوخ عموم وتگوم تامر وتنهي ، هاي احنه وين ما نروح  شايلين امراضنه ويانه، چا وين الوعي  والفكر  ”

بعثت في روحه الأخبار الأخيرة  بوحدة الفصائل الشيوعية  بفضل حنكة ومهارة  وكفاءة الرفيق ((سلام عادل)) مزيدا من القوة والاندفاع والحماس فظل يسهر الليالي لطباعة  منشورات الحزب  وبياناته وأبدع في  صيانة الطابعة والمحافظة على كفاءتها لأنها كانت  ذات أهمية استثنائية في مثل  ظروف الحزب   آنذاك ، كان و ((مليحة )) يبدعون أساليب ووسائل استلام وتسليم الرزم  المطبوعة .. كانت هذه المطبوعات تلهم حماس الجماهير والتفافها حول الحزب الشيوعي وتبينها لسياسته وبرامجه  وتزيد من استعدادها  للتضحية من اجل  تحقيق أهدافه  المتمثلة في ((وطن حر وشعب سعيد))،  هذا الشعار الذي أصبح  يتردد على كل لسان نظرا لعمق وبلاغة وغنى مضمونه.. كانت  السلطة  تفقد صوابها لعدم قدرتها على  كشف هذه البيوت والأوكار السرية للشيوعيين ومطابعهم .. رغم جيش مخبريها السريين ووكلاء أمنها ومخابراتها  التي  باءت بالفشل ولم تستطع إخماد صوت الحزب الذي ظل عاليا ومسموعا في كل المناسبات الوطنية  والقومية والأممية عبر منشوراته ومسيراته وتظاهراته الداعية للخلاص من الحكم التابع لقوى الاستعمار  والرجعية .. والعمل  للحفاظ على الثروة الوطنية   العراقية وان تكون  لصالح  كادحي الشعب  وجماهيره الفقيرة والمهشمة ….

كان((عاصف))  يتواصل مع عائلته بين حين وآخر وكلما سنحت الفرصة  للقيام بذلك وقد يستمر غيابه عنهم لعدة أشهر….  فقد أصبح ((مطشر)) قائدا طلابيا  معروفا ، وتألق(( كفاح)) في دراسته ، وقد رزق ببنت اسماها ((سوزان )) لازالت في دور الصبا … كانت العائلة تتدبرعيشها من خلال الدنانير القليلة التي خصصها الحزب  لهم  نظرا  لتفرغ  والدهم للعمل الحزبي ، كما ان ((نوماس))  كان  يمدهم  ببعض المساعدات رغم انقطاع ((مطشر )) عن العمل بسبب  انتقاله الي بغداد للدراسة  في كلية الحقوق … وكانت ((مليحه )) ما تحصل عليه  ترسله لحبيبها وزوجها السجين ..

من خلال المناشير والأدبيات المطبوعة من قبله ولقاءاته المتقطعة بالرفيق ((سعدون )) كانت الكثير من البشائر  لقرب يوم وفجر جديد في العراق يلوح في الأفق .. هناك معلومات عن قوة تنظيم الحزب والحركة الوطنية عموما وهي تزداد بشكل مدهش في القوات المسلحة ضباطا وجنودا  ومراتب … تشكلت قواعد وخلايا رصينة للحزب في الريف والمدن والقرى العراقية  من أقصاه الي أقصاه ، أصبحت المنظمات المهنية والديمقراطية قوة فاعلة في الحراك الاجتماعي  والسياسي العراقي  كاتحاد الطلبة والشبيبة  ورابطة المرأة  والجمعيات الفلاحية والنقابات العمالية  ونقابات الأطباء والمعلمين المحامين ،الصحفيين العراقيين .. وخصوصا في قطاع السكك والكهرباء والنفط والموانئ والنسيج الخ …….

في أوقات الاستراحة التي تتخلل ساعات العمل يجلس ((عاصف)) و ((مليحه)) حول قوري الشاي وبعض ماتعمله  ((مليحه)) من ((الكليجه)) بالسمسم  او بعض أرغفة الخبز الحار بعد  إنهاء وجبة من الخبز  ليتناقشون ويتبادلون الرأي في مختلف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد او مناقشة بعض البيانات والبلاغات الحزبية التي كانت تصدر عن قيادة الحزب … كانت أحلامهما تحلق عاليا في عالم الخيال والأمنيات لما ستحققه الثورة  القادمة والتي سيكون لحزبهم دور كبير في قيادتها …. ما ستحققه للعمال والفلاحين والنساء والشباب  ، يتفقون على ان الثورة  ستعمل على  :- القضاء على البطالة وستدور آلاف المعامل والمصانع في البلاد ، كذلك سيتم توزيع الأرض على الفلاحين والتخلص من الإقطاع البغيض ،  ستزول بيوت ((التنك)) و((الطين))  لتحل محلها البيوت الجميلة المضاءة والصحية لعموم أبناء العراق ، ستضمن الثورة حياة كريمة وسعيدة للغجر كما تتمنى مليحة فيتخلص أهلها من حياة الامتهان والمذلة فيصبحون مواطنين  عراقيين   يتمتعون بالجنسية العراقية  والتساوي في الحقوق والواجبات مع بقية إخوانهم العراقيين ن تفتح المدارس في كل مكان ويتم القضاء على الأمية والجهل ، تنشر دور العلم والجامعات  والسينما والمسرح والمكتبات في كل مكان ، يعيش العراقيين  بدون تمييز على أساس الدين او العقيدة او الجنس  او اللون ……ووووووو

كانت مليحة تتساءل

لكن رفيق هل ترى ان القوى المعادية التي تضرر من الثورة  هل ستسكين ،  وكيف  سيتم التصدي لها ؟؟؟

– والله  يا مليحه  بالتأكيد هذوله ما راح يسكتون وبالخصوص  شركات النفط  والإقطاعيين وأتباعهم من الدجالين … ومن لف لفهم من الطفيليين  وسراق الثروة الوطنية العراقية… طبعا ستشتد طبيعة الصراع الطبقي بين أنصار الثورة وأعدائها بين جموع الكادحين والمهمشين وبين بقايا وشراذم وأنصار القوى الاستغلالية والطفيلية وبدعم من القوى الرجعية والرأسمالية في العالم وبالخصوص أمريكا وبريطانيا وحلفائهما…

– ولكن اللي  أشوفه ان الجماهير سوف تدافع عن مصالحها ولن تسمح بالردة …. لكن اليخوف صدگ يارفيقه  آني خايف من الخلافات  والصراعات بين رؤوس الحزب  ، بين من هم في السجن ومن هم في الخارج … خصوصا واحنه شفنه هذا الصراع بالعمل السري والظروف الصعبه فبالتأكيد سيكون اشد وأصعب في ظروف العمل العلني وإغراءات المناصب والمكاسب.. وهذا الأمر سيضر ضررا بالغا بقضيتنا وعلى الهيكل التنظيمي للحزب…

– أكدت مديحه ما  ذهب إليه ((عاصف)) قائلة أنا من خلال تجربتي وخبرتي الطويلة مع الرجال  والنساء ومن خلال عمليآخر.نا  التقي بأفراد من الظلم  حقا ان يسموا بالشيوعيين او الشيوعيات…

– هل تعلم يا رفيق مدى المصاعب التي واجهت الرفيق ((مشتاق)) ليضمني للحزب لا لشيء إلا لأني غجرية وليس لأي سبب آخر … وهذا ما يتناقض تماما مع  ما يدعو له الحزب والفكر الشيوعي عموما في احتضان واحتواء المظلومين  وخلاصهم وزجهم في آتون النضال من اجل حريتهم وكرماتهم باعتبارهم ضحايا بنية اجتماعية واقتصادية معينة  تتميز بالاستغلال والاستلاب  وامتهان كرامة الإنسان ومنهم الغجر…. واني أرى ان  الإنسان من الصعوبة بمكان ان يكون شيوعيا  فكرا وتصرفا  وسلوكا  وكل منا يحمل قدر من قذارة  وتردي الواقع الذي نعيشه في لا وعينا…….

– وبعدين يا رفيق  انته تشوف اشلون تتخذ القرارات فنحن  نتلقى وننفذ دون ان يكون لنا  دور فاعل في  القرار  ولا في طريقة تنفيذه وهذا مرض ربما سيمتد مع قيادة الحزب لما بعد  مرحلة العمل السري وهو أمر خطير سيؤدي بالتأكيد الي الفردية والديكتاتورية  والبيروقراطية في عمل الحزب .. ولو آني عله گد حالي من الفهم والاستيعاب ولكن هناك أمور يمكن ان يفهمها الإنسان  على بساطته خصوصا إذا كان صادقا  مع نفسه وفكره… وإلا  كيف يمكننا ان نفسر  سيادة دكتاتور او مستبد في حزب شيوعي يؤمن بالقيادة الجماعية ويحترم   رأي كل رفاقه  لازالت لا تدعو  الي النقيض  الفكري . وهذا ما حصل في الحزب الشيوعي الشقيق.. والتي لم تكشف إلا بعد وفاته ولا أظن أنهم قد وضعوا لها الآليات والأساليب التنظيمية والفكرية التي تمنع من ظهورها مرة ثانية…. ظل ((عاصف))طشر إذا اگلك هذا الحال يشبه حال عشائرنا ، فلشيخ العشيرة الرأي  الأول والأخير في اتخاذ القرارات  فيما يخص  عشيرته وحفاظه على انتقال الشيخة بين  أبناءه  بالوراثة وعلى أفراد العشيرة البسطاء  الخضوع والتنفيذ … يعني شويه ساعدني رفيق  آني يجوز ما اگدر  اعبر عن ما يدور في  راسي من أفكار  لكن اگول لو چان اكو حرية التعبير عن الرأي لقاعدة الحزب وقياداته الفرعية لما أصبح ستالين دكتاتورا وإلا أين القيادة الجماعية للحزب  أين المكتب السياسي واللجنة المركزية وقيادات المناطق ووو… وهنا  يمكننا ان نقول ان هناك خللا  ما مجود في  بنية الحزب ككل متعارضة تماما مع الفكر الماركسي …. فإما ان  يكونوا على درجة كبيرة من اللاوعي او أنهم مغلوبين على أمرهم بفعل شللية  القائد  وأحكامه السيطرة  على السلطات والأجهزة القمعية في الدولة والسلطة  ، ماذا يعني انتخاب السكرتير مدى الحياة ….  هل الحزب والمجتمع  الذي صنع هذه الشخصية غير قادر على خلق مثيلها او أكفأ منها .. وان كان الأمر كذلك فمعنى  ذلك ان الفكر الماركسي بكامله على خطأ  الذي يرى  ان  ليس هناك فروق كبيرة بين بني البشر إلا بقدر اختلاف ظروف حياتهم  واختلاف البنية الاجتماعية الاقتصادية التي يعيشون في كنفها …….

– ظل  ((عاصف)) مذهولا  ومندهشا من حديث  ((مليحة)) هذه الأفكار والتصورات والآراء التي كانت تدور في مخيلته ولكنه  لم يستطع التعبير عنها  كما عبرت عنها  ((مليحة )) … يبدو إنها لم تكن خبازه فقط أنها بحق مفكرة  ومنظرة  وتمتلك من الجرأة والقدرة مما لا يمتلكه الكثيرون …

– والله يارفيقه مليحه آني  ما چنت اتصورچ بهل الثقافة والقدرة على التعبير وكأنك قد قرءتي أفكاري وتصوراتي … يبدو  ان الرفيق ((مشتاق))  كان مفكرا فذا ورفيقا شيوعيا  كفوءا  …. عمي انتي مو خبازه انتي ((كروبسكايا))*…

– ضحكوا  وأداروا  أقداح ((الشاي  خمرة الثوار)) كما  يقول الرفيق فهد

وعلى حچايتچ  رفيقه  يصبح قائد الحزب كالمرجع الديني    مقدس لا يرد له قول نقي  خالص من الدنس … استل  أبو مطشر سيكارة مزبن  من داخل علبته المعدنية ولعها من ((الچولة )) التي كانت أمامهم …..والله يارفيقه إحنا بالنسبه للشيوعية   أخذناها منهج حياة  ونريدها مثل ما فهمناها   من الكتب ومن  محاضرات الرفاق  الكبار …..

هسه يارفيقه تخل تچي الثورة ويحلها ألف حلال … نخل تنكسر المچرشه والله كريم ههه

بدت مها كثر جدية وصرامة في  حديثها نظرت إليه وهي تنفث حسرة عميقة وتقول :-

وهاي هيه المصيبه الچبيره يا رفيق … يبدو ان  حالتنا كحالة الأم الحامل التي  تجهل جنس مولودها  هل هو ذكر أم أنثى  ولا هي بأي شهر من الحمل  .. وإذا كان  احد الجنسين فلم يفكر الأبوين باسمه ، كذلك لم تحضر له والدته  الملابس والدثارات اللازمة عند  ولادته ، ولم تجري اللقاحات  الواجبة  لوقايته قبل ولادته  ولا  تمتلك قابلته الأداة النظيفة والأسلوب الأمثل لقطع حبله السري وبالتالي قطع علاقته بشكل سليم  مع   بيئته السابقة ، وعندها سيتعرض المولود الي الإصابة بمختلف الإمراض والعاهات  وان عاش فسيعيش ضعيفا وهنا  مشلولا او شبه مشلول تسيره الظروف المحيطة وغير قادر على مقاومتها… وستبدأ مشاكل وشجارات والديه منذ يومه الأول حول  اسمه  وحول من سبب له المرض والإهمال وووووو

هذا الحديث البليغ  والعميق من قبل ((مليحه)) أعاد ((عاصف )) الي سابق جديته ومتابعته للحديث  قائلا :-

رفيقتي العزيزة أنا اتفق معك تماما في ما تقولينه ، وأقول صراحة  أنا تعلمت منك كثيرا  يبدوا انك لم تعجنين الطحين فقط  ومن ثم تخبزينه فيكون خبزا حارا شهيا  بل أنت تعجنين الأفكار والأسئلة  ثم  تخبزيها في فرن الحياة والفكر الماركسي لتأتي بمثل هذه الروعة والدقة والعلمية ، ولكننا لم تتاح لنا فترات النقاش  وتداول الرأي إلا  أوقات استراحتنا المحدودة ، ويبدو لي ان اغلب الرفاق وخصوصا في القيادة  لم تتاح لهم فرصة  هدوء واستراحة  لغرض أثارت مثل هذه الأسئلة والأفكار وإنما انهمكوا تماما في الوضع التنظيمي والسياسي والفعاليات الجماهيرية ففاتتهم  مثل هذه التساؤلات … ولكني أقول ان ما بعد الثورة سيكون انشغالهم اكبر  وبذلك  تبقى هذه الأسئلة والإشكاليات  من دون إجابة  مدروسة  وقد نتعرض نتيجة ذلك لأخطار كبيرة …. الموقف من الوحدة العربية ، ومساواة المرأة والرجل ، والقضية القومية للقوميات الأخرى الكردية والتركمانية وغيرها ، الموقف من الدين وكيفية التعامل مع المتدينين  ، االارض  وكيفية توزيعها على فقراء الفلاحين: تأميم الثروة النفطية ، التعامل مع القوى والأحزاب الوطنية بمختلف  انتماءاتها وتوجهاتها  ووووو…

نعم  رفيقي العزيز  وأنا أرى  ان مثل هذه الأسئلة والإشكاليات  يفترض الإجابة عليها في مؤتمر للحزب الذي لم يعقد مؤتمره الثاني منذ  التأسيس ولحد ألان  ليتم من خلاله رسم سياسة الحزب ومواقفه المختلفة الحالية والمستقبلية وخصوصا احتمالات التغيير التي تبدو في الأفق القريب … يجب تعميق الممارسات الديمقراطية المركزية الواعية داخل التنظيمات الحزبية  وإشراك أعضاءه وأصدقاءه في رسم وتنفيذ سياسة الحزب وخطه الفكري ومعرفة ماذا يريد …. بالتأكيد أنت تعرف  ما جرى وما يجري داخل سجن نقرة السلمان وبقية السجون الأخرى  التي تغص بالشوعيين  وكوادره من مختلف المستويات وطبيعة الخلافات  والممارسات  هناك …. يجب عدم إغماض العيون عنها بل دراستها وفهم جذورها وأسبابها  وإمكانية علاجها.لأنه كمالي سيصبح الحزب أشبه بسفينة من دون ربان   وان  وجد الربان لا يمتلك بوصلة  كفوءة .. وبالتالي ستصبح كل القوى الوطنية والديمقراطية  بدون ربان وليس لحزب وحده … لأنه  كما نرى هو القائد الأكفأ والأقدر لقيادة عملية التحرر الوطني الديمقراطي ……

نعم  رفيقتنا العزيزة والآن  خلص نفط ((الچولة)) والچاي برد ، وهسا كلمن يروح لشغله ، ومثل ما احنه هسه  نفكر  بهل  الأمور أكيد الكثير من رفاقنه يفكرون بمثل هذه الأمور  ، المهم الآن ان نضع ثقتنا الكاملة بقيادتنا  ونترقب  قوادم الأيام الحبلى بالكثير من الأحداث …… بعد عدة ايام تعزز الوكر بالأم ((تسواهن )) وهي  رفيقة  متوسطة العمر   تمتلك وعيا  سياسيا وثقافة رفيعة ومعلومات غزيرة في مختلف  جوانب الحياة وتجيد اللغة العربية والكردية والتركمانية والانگليزية  بالإضافة للغتها الأصلية العبرية – فهي كما علموا رفضت مغادرة وطنها العراق فقررت البقاء وقد  تزوجت من احد الرفاق في الحزب  ورفضت  الهجرة  مع  أبناء قومها اللذين  اسقطوا الجنسية العراقية  وهجر  عددا كبيرا منهم الي فلسطين المحتلة   بالتنسيق بين الصهيونية العالمية والسلطات الرجعية،  و بسبب الخوف من ما  يتعرضون له  من قبل قوى شوفينية  متطرفة او دينية متشددة  بالتواطوء مع أجهزة الأمن الحكومية كا الهجوم على بعض دورهم العبادية من قبل قوى ((مجهولة))-  ،  كانت  الرفيقة ذات مهام كبيرة ومتشعبة ومنها كتابة وترجمة وتصحيح المقالات والبيانات بمختلف اللغات … كانت تقوم بكل ذلك وكأنها ابنة الأربعة عشر سنة  بسرية وهدوء تام  ،تبدو كأم   بسيطة طيبة من جنوب العراق ….. واستطاعت ان تُغنِّي  ((عاصف)) و((مليحة )) بالكثير وان تسمع منهم الكثير دون تكلف و ادعاء ……وهكذا مرت   الأسابيع والأشهر والأمور تسير بشكل مرضي ، وقد كانت مناشير الحزب تشير الي تصاعد المزاج الثوري بين الجماهير الشعبية، وتوطد العلاقات مع القوى والأحزاب الوطنية الأخرى وبمستويات متفاوتة…….. وذات يومالأخبار المتفائلة من شهر تموز 1958 كاد((عاصف)) ان يطير من الفرح وهو يطبع منشورا للحزب  باللغة العربية والكردية والتركمانية يبشر  بقرب فجر جديد .. ويوجه كل منظماته الحزبية وأصدقائه  لللتهيوء لحدث هام في العراق بات ليس بعيدا… وسط هذه الأخبار  المتفائلة  بدت بغداد  مشرقة  فرحة   تتجمل من اجل  عرس كبير .. مما قلل من  وقع  لهيب حر تموز واضافه  للهيب نشاط وحماس  رفيقات ورفاق ال حزب الشيوعي   .. وهم ينتظرون يوما جديدا ليس ككل الأيام وعيدا ليس ككل الأعياد… يوم ستعلنه ديكة  الأكواخ وبيوت الصفيح  الرشيقة   وليس ديكة   القصور  الخاملة السمينة الكسلى …

وذات يوم  في  طليعة الثلث الثاني من  شهر تموز دخل  عاصف الدار وهو يتهلل فرحاً بعد عودته من اجتماع طارئ مع قيادة الحزب  … سألته مليحة :-

ما ألا مر  رفيق  ((عاصف)) أراك اليوم في غاية الفرح والتفاؤل هل من أمر جديد ؟؟؟

نعم نعم .. ان هناك  ماهو جديد  ينتظر خلف أبواب الزمن المتسارع  … يجب ان نهيئ كل البيانات والمنشورات  التي سترافق هذا  ألحدث المهم … “حضروا عليّه فتح المظروف ا و طباعة محتوياته إلا حين يأتيني إشعار بذلك…”

إني أرى الفجر السعيد يقترب ،…..

ليلة الرابع عشر من تموز   سجرت  ((مليحة )) التنور واعدت كمية كبيرة من  العجين ، وقفت على التنور وأخذت رائحة الخبز الحار تمل فضاء الدار والجوار … لا تدري هي لمن تعد الخبز فقد تجاوزت  مرات ومرات  عدد ما مطلوب منها للمطاعم والبيوت  …

كانت تكلم   النجوم.المتلألئة  التيجديد.تومئ  لها ان اخبزي  فيوم غد ليس ككل الأيام … اعدي خبزك لفجر جديد .. لا تيأسي فنحن معك   لا يغيبنا إلا  فجر يوم يحمل البشر والفرح … الكل ينتظر الصباح …. تستمع لصوت مطبعة  ((عاصف )) وهي لا تتوقف عن العمل  تدور وتدور وتدور  دون كلل .. لا تعرف ما يطبع الرفيق وليس لها ان تعرف قبل الأوان  ،أم (تسواهن )) غادرت قبل ثلاثة ايام متوجهة الي العمارة كما قالت لحضور زفاف  ابنة أخيها ولابد من  تواجدها هناك يوم الزفاف ….

((أبو عادل)) القهوچي  أعاد تنظيف  المقهى وضاعف عدد   قواري الشاي   والأقداح   يقول:-

ان حفلا كبيرا  سيقام في المقهى قريبا ولابد من الاستعداد …. بدأت فلول الغيوم تنسحب من السماء شيئا فشيئا بفعل رياحا  بدت  كالنسيم العليل تهب من الشرق على بغداد … كانت تراقب تدفقا لافتا لشهب  ترجم الشياطين  بقوة  هذه الليلة ، الكل يترقب الحدث الكبير… قلوب حرى تترقب  تدفق ينابيع الفرح… أخرجت القدور ، وأطلق سراح قناني العطور  ، أوقدت المواقد واعدت الموائد  ترقبا للزائر الجديد …. اقتربت الساعة لتعلن بداية بث إذاعة بغداد كالعادة امتزجت دقات الساعة مع دقات قلوب  بنات وأبناء العراق ، قلوب  تنتظر وعيون تترقب … مع الافتتاح الأول للبث جاء البيان الأول للثورة ((في الساعة السادسة من صباح 14 تموز 1958 ومع بدء البث الإذاعي المعهود من إذاعة بغداد ، قرأ العقيد الركن عبد السلام محمد عارف بصوته البيان الأول للثورة معلنا نهاية الحكم الملكي وقيام الجمهورية العراقية…))**

مع الكلمات الأولى انطلقت زغاريد بيوت ((التنك))والطين  ودكت الأرض دبكات    عمال وفلاحي وأحرار العراق انه اليوم الموعود  …. تعالت الزغاريد امتزجت الأصوات ، فتحت الشوارع  اذرعها للجماهير الهادرة بحياة الثورة و الخلاص من حكم  المستغلين والمستبدين عملاء الاستعمار … كانت مليحة تتقدم الجموع .. رفعت اللافتات  وعلت الهتافات …  وسط تواصل بيانات الإذاعة وهي تدعوا الجماهير لمساندة وتأييد ثورتها المباركة  …  تلقفت الأيدي منشورات الحزب وهي تدعوا لنصرة الثورة وملاحقة قوى الظلم والظلام……

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق