ثقافة المقال

الدبلوماسية الثقافية وتخليد “ألبير كامو”…

إسلام كعبش*

لمّا تأكدت أنّ الصراخ توقف … والثرثرة خمدت، ذهبتُ إلى مكتبي وأخرجت ورقة ودونت هذا المقال.. حينما يستطيع هذا الأديب الجامع للفكر من مُختلف أفنانه إثارة الجدل و تحريكه في الأرض، فهذا يعني أنّ ألبير كامو شخصية لا تموت، حتّى ولو نفخوا فيها روح الإعلام والسياسة من طرف بني جنسه ذوو البشرة البيضاء !!!، فليس بالأمر البسيط أن يستطيع إنسان لا يملك إلّا قلمه وفنّه وإبداعه، ليخلق وراءه ناسا آخرين يثورون ضدّه لأسباب مختلفة أشهرها الخيانة مثلا  وهذا بعد أكثر من أربعين سنة على وفاته، إنّه لأمرٌ عظيم و مشرّف له أوّلا، وللّغة التي يكتب بها نصوصه الأدبيّة، و يُخلّد بواسطة مفرداتها مجد شخصياته وأفكاره وما فيها من روح خالدة.

إنّ الأصوات التي تعالت مُؤخرّا سواء من جهة ما تُسمى “الأسرة الثورية” في الطارف، أو بعض الكتّاب الجزائريين ضدّ إقامة احتفالية مخلدّة لهذا الأديب الفرنسي “النوبليّ” الخالد، والتي أشرف عليها السفير الفرنسي في الجزائر شخصيا، لم تحمل إلّا رفضا إيديولوجيا وسياسيا لمثقف كبير لم ترق شهرتُه إلى هذه الجهة “الوطنية” جدّا !!! فأرادت أن تقف في وجه هذا التكريم التذكاري المجيد، الذي ترعاه الجمهورية الفرنسية من خلال سفارتها في الجزائر، وهذا يدخل في صميم عملها وعمل أّي سفارة دولة حقيقية في العالم، بحيث تكون نقطة للتعريف بالبلد وبتُراثه وثقافته ورجاله ونسائه و من خدموه من الأحياء و الأموات أمام مُختلف الأجناس، وبالتالي فتح مجال ثقافي راقي لتعزيز الحوار الحضاري واندماج الثقافات بعيدا عن الحساسيات والنعرات وحتّى التاريخ المأساوي في لحظة من اللحظات .

لقد قرأتُ مختلف التصريحات الرّافضة لهذه المبادرة الاحتفالية ، فوصلت إلى فكرة أنّ مهاجمة ألبير كامو صارت هي الهدف من كل هذا و التشكيك في عبقريته الفكرية، حتّى وصل الأمر بأديب معروف على الساحة الأدبية الجزائرية ليصف كامو بأنه ليس بالظاهرة الأدبية، وما تحصّله على جائزة نوبل للأدب إلّا وراء دعم فرنسا نظير موقفه المساند لاستعمارها الجزائر  وراحت مختلف التصريحات تدور في هذا القالب، حتّى وإن كانت الكثير منها لم تمح قامته الإبداعية ككاتب صاحب مبدأ ورُؤية تجسدّت في “فلسفة العبث” و”أسطورة سيزيف” .

إنّ تلك النظرة “شوفينية” بامتياز، فقد أرادوا بطريقة أو بأُخرى تغيير جنسية “البير كامو” من فرنسية إلى جزائرية !! فمسقط رأسه جزائري أرادوه أن يُؤثّر على أمّه  ” إشارة إلى أنّه اختار أُمّه على العدالة “، فيصير جزائريّا رغماً عن أنفه، و هو الابن لأب فرنسي و أمّ إسبانية، أي أنّ الحضن الأُسريّ الذي احتضنه منذ الرضاعة كان أوروبيّا لاتينيّا، بالرغم من رائحة التراب الجزائري المنتفضة من جسده النحيف و هذا ما يُفسره التحاقه بالمقاومة الفرنسية أثناء احتلال ألمانيا النازية لوطنه، ومساهمته الفكرية في تأسيس نشرية تحوّلت بعد تحرير باريس إلى صحيفة مشهورة تحت عنوان “المعركة”، وكانت لسان المُقاومة الشعبية، و ممّ زاد من عُمقها وتغلغلها في الوسط الثقافي الفرنسي مشاركة الفيلسوف ” جون بول سارتر” في تحريرها، وكتابة مقالات بتوقيعه على صفحاتها .

طالعت عديد التصريحات لأدباء جزائريين كثيرين انتقدوا هذا الأديب المثير للجدل من زاوية موقفه الصّامت للقمع الفرنسي ضدّ الجزائريين آنذاك، ومنهم الكاتب “حميد غرين” الذي قال ” أنّ البير كامو لم يُرد جزائر الجزائريين ” أو أنّه لم ” ُيرد استقلال الجزائر”، وكذلك الأديب القاطن بباريس “ياسمينة خضرة” في تصريح له منذ أكثر من سنة على أعمدة الصحيفة الفرنسية ” لومانيتي” بحيث وصف كامو ” بدونكيشوت زمانه ” وغيرها من الآراء والمواقف التي لا تخدم الجدل حول البير كامو ككاتب ألّف العديد من نُصوصه في بلادنا و كمُبدع إنساني عظيم ، وكصاحب مذهب في الفلسفة تدور اهتماماته الرئيسية حول: الأخلاق، الإنسانية، العدالة، الحب، السياسة.. كلّ هذه الأمور الفكرية كان لا بُدّ أن نفتحها ونُعالجها بطريقة حضارية، ونُحاول أن نقارنها مع مُختلف القضايا التي حاول كامو الوصول إليها، حتّى وإن وجدنا نصّا من نُصوصه اقتبس مسرحيا ومُثل في تل أبيب !!!، إذا لا بُدّ من فتح حوار ثقافي حول هذه الشخصية، وانطلاقا من إنتاجها نصلُ ربّما إلى” العبثية ” التي كان يُريد أن يُلحقها للجميع، بواسطة نزعته الوجودية أيضا.

أعجبني ما كتبه الأستاذ “السعيد بوطاجين” في مقال له تحت عنوان ” كامو: السؤال الذي حيّر المدينة” والمنشور في ملحق الأثر لجريدة “الجزائر نيوز” بتاريخ 07 فيفري 2012م : ” إذا كان بعض الجزائريين يعتقدون أنّ البير كامو جزائري، وهم أحرار فإنّهم مطالبون بالاحتفاء به بعيدا عن أيّة وصاية ..”، إنّها الحقيقة الواضحة للعيان رغم مُعارضة “الوطنيين” الذين لا يفصلون في حُكمهم على المفكرين بينهم و بين أوطانهم، و كذلك بينهم و بين فلسفتهم العميقة في الوجود أيضا.

إنّها الدبلوماسية الثقافية…

تابعتُ باهتمام الخرجات الكثيرة للسفير الفرنسي في الجزائر السيد “اكزافييه دريانكور” ومن بينها ما صرّح للصحافة الوطنية منذُ أسبوعين عن الخطوط العريضة لسياسة ” الدبلوماسية الثقافية ” في الجزائر، وأردتُ الوقوف على هذه القضية الهامّة والفكرة العبقرية، وإعطائها البُعد الذي لا بدّ أن تلقاه كي نعرف أين نحن كشعب جزائري يملك ثقافته المتعددة الأوجه سواء داخل محيطنا الجغرافي أو على الصعيد العالمي، خاصة حينما يُصرح سعادة السفير أنّ 14 مليون أورو مخصصة لدعم التعاون العلمي والنشاط الثقافي الفرنسي هنا، منها 17 بالمائة لتدريس اللغة الفرنسية، بالإضافة لحديثه عن مؤسسة “المركز الفرنسي” بالجزائر، وهي الخطة الفرنسية الجديدة في تعزيز مكانة اللغة الفرنسية في إطار الفضاء الفرانكفوني العالمي، خاصّة أنّ الجزائر بتاريخها ومكانتها على الصعيد البشري والديموغرافي تحتلُّ حيزا مهمّا في الإستراتيجية الجديدة في سياسة فرنسا الثقافية حول العالم، ومنافسة الغريمة الانجليزية التي صارت لغة العالم معتمدة على التفوق الأمريكي عسكريّا وثقافيّا وإعلاميّا… تحت إطار “استعمار العولمة” الجديد، و نهاية العالم التي نظر لها المفكر والفيلسوف المحافظ الجديد ” فرانسيس فوكوياما “… إنّها استراتجية نشر الثقافة “المحلية العالمية” !! وسط شعوب أخرى واحتوائها وتعزيز مكانة الناشر والمالك لها وسط الآخرين، وتحويلهم إلى تابعين لذلك السيّد الذي يملك القدرة على إغراق أمم أخرى بتراثه المتوهج تتصدره اللغة وهي المفتاح الرئيسي لهذه السياسة، فألبير كامو تمّ تكريمه من طرف جمهورية بلاده تحت إطار هذه السياسة الراقية، وهذه العملية الجيوستراتيجية في عصر صارت فيه المادّة طبقا لذيذا فوق موائد الجميع، فحينما تُكرم أديبا وطنيًّا دافع عن مصالح بلده الثقافية أوّلاّ، فأنت حقّا تّدافع عن أمّة حيّة، وهذا ما تقوم به فرنسا ويقوده “الكي دورسي” بمختلف سفاراته و قنصلياته عبر العالم، لذا لا يُمكن أن نقف في وجه هذا التكريم، لأنّ دولة قوية وراءه تحمل رُؤية و فكرا يُخلّد عظمائها، ولا بُدّ أن ننظر إلى أفعالنا وما قدمناه لأنفسنا و تاريخنا ؟؟ وماذا منحنا لعُظمائنا من مكانة في العالم الذي يجهلنا؟؟ ثمّ ماذا يعني أن تُبرمج دور النشر الفرنسية إصدار أكثر من مائة عنوان مختلف بمناسبة الذكرى الخمسين لما يُسمونه ” انتهاء حرب الجزائر” وتبقى المعنية بالأمر يتيمة من أيّ إصدار ثقافي أو فكري حول المناسبة؟؟ ..ما عدا تلك المطالبات الانتهازية المتكررة لفرنسا بتقديم الاعتذار للجزائر على الجرائم المقترفة ضدّ الإنسان الجزائري منذ 132 سنة من الاستعمار، سأنهي هذا الكلام بما أنهى به مقاله السالف الذكر الأستاذ ” السعيد بوطاجين “: ” ومع هذا … إذا حدث أن قارنّا البير كامو ببعض مثقفينا وكتابنا و مسئولينا وسياسيينا، فنستنتج أنّه لم يُسئ إلينا كما أساء هؤلاء مجانا، وقد نُفكر آنذاك في تكريمه بتمثال و شارع و جامعة وذاك أضعف الإيمان “.

*كاتب وباحث جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق