ثقافة المقال

50 سنة تمر على اغتيال الروائي مولود فرعون على يد منظمة الجيش السريOAS

كمن قادته نسائم الحرية إلى حتفه

بقلم : محمد عاطف بريكي*

قبل إعلان وقف إطلاق النار عشية 19 مارس1962 بلغت وحشية المستعمر الفرنسي ذروتها، لم يتقبل الفرنسيين مصيرهم في النهاية التي دونها شجعان الجزائر برؤوس الرصاص.130 سنة من الإستعمار لم يبقى لها سوى أيام و تنفصم من سلسلة التاريخ التي حاكتها فرنسا بالدم و الدموع ، بالنهب و السطو و إذلال شعب بكامله.أيام فقط و يتركون كل شيء من وراءهم، لكن ليس بتلك البساطة، فقد تأججت جذوة الحقد في تلك الأيام و صارت نارا مستعرة كالجحيم و بلغ الجنون أوجه عندما بادر بعض الفرنسيين و معهم نخبة من الأقدام السوداء الى تأسيس كومندو الموت تحت تسمية “منظمة الجيس السري”OAS التي إستعملت آخر ما تبقى لفرنسا من أساليب لتصفية الشخصيات الوطنية المطالبة بالإستقلال أو زرع الموت المجاني بين الجزائريين .كمشة من تلك الذخيرة الحية وجدت فارغة يوم 15/03/1962 في أعالي العاصمة بالضبط في شاتوروايال حيث وجدت رصاصاتها و قد إستقرت في جسد الروائي مولود فرعون الذي أغتيل قبل أربعة أيام من إعلان وقف إطلاق النار.

أغتيل مولود فرعون في ظرف شديد التعقيد و حساس بالنسبة للفرنسيين.لقد إنهزمت فرنسا الكولونيالية و لم يعد لها مكان في الجزائر.

مولود فرعون كان من بين المثقفين الواعين بما يحدث في زمانه و لطالما قدم قراءته الذكية و المتنورة للوضع  وكشف عورة السياسة الفرنسية في الجزائر و عرى وشائجها الكاذبة.”إنتهى كل شيء و لم يبق ما يمكن إصلاحه”. بهكذا عبارة علّق فرعون على عودة ديغول الى سدة الحكم في فرنسا سنة 1958 .كان رده واضحا فيما يخص السياسة الجديدة التي أتى بها ديغول الى الجزائر المستعمرة و التي أطلق عليها “سلم الشجعان” ذلك الشعار البرّاق الذي حمل خلفية من الخبث جاء للذين يحلمون بالتعايش بين الجزائريين و الفرنسيين بدون عنف و لا ثورة هكذا أرادها ديغول لأولئك ممن تشبعوا بمبادئ مدرسة الأهالي التي أسسها جول فيري على فكرة فرنسا العظمى.لكن بحلول 19 التاسع عشر من مارس 1962 تبخرت كل تلك الخيالات من رؤوس الحالمين و بات أمر إستقلال الجزائر واقع لا مفر منه.

يغتال مولود فرعون في أوج الحقد الفرنسي عشية وقف إطلاق النار، و إن كان فهم متأخرا نهاية المطاف بالنسبة لفرنسا في الجزائر.و كان قبلها ممن سكنتهم خيالات حول إمكانية التقارب بين المسلمين و الكولون في إطار سلمي راق و هي الروح التي إستمدها الرجل من مدرسة الجمهورية الثالثة و ما نعنيه النظام السياسي الذي حكم فرنسا من سنة 1870 الى سنة 1940 و التي جعلت منه رجلا مسالما لا يميل للعنف.كان فرعون يرى بعين المتفحص كيف إستغلت الإدارة الكولونيالية أصحاب الأطروحة الإندماجية لتطوعهم لصالحها،لم تكن عملية سياسية ذات أبعاد إستعمارية في الظاهر بل أعمق من ذلك من خلال دفعها ذوي الوعي الوطني الى الراديكالية و العنف الثوري هي نفسها النخبة التي تتلمذت في مدارس المستعمر اصبحت عرضة للإقصاء. ففرنسا لم تكن تحب إلا نفسها اما الجزائريين فمهما تقربوا منها سيظلون أؤلئك الأهالي الأوباش ليس هذا فحسب كان لزاما على دعاة التقارب من الجزائريين نبذ ذواتهم و إحتقارها كي يصبحوا أكثر قابلية للذوبان في فرنسا العظمى. و هذا ما تفطن إليه مولود فرعون بفضل وعيه الثوري المتطور – و هو يشبه الى حد م المسار الذي عرفه فرحات عباس  في كفاحه السياسي الواعي – و في نفس الوقت التمزق الذي عانى منه بعد إندلاع الثورة التحريرية لكنه لم يبقى صامتا،ففي صباح نضوج الأزمة أعلن  مولود فرعون موقفه من الثورة من علياء”الدروب الوعرة” قائلا:”و أنت يا أمي كوني مطمئنة فقد آن الأوان أن اسلك معك الطريق الى أعالي الجبال و سيكون طريقا وعرا كغيره من الطرق و لكنه طريق مجهول لا يعرفه أحد.” موقفه هذا  كانت نتيجته موتته مفاجئة في أعالي العاصمة برصاص كومندو منظمة الجيش السري الذي فهم رسالة مولود فرعون جيدا:فالأم التي تكلم عنها فرعون لم تكون إلا الجزائر و اما الطريق الوعرة التي إختار أن يسلكها فلم تكن سوى طريق الثورة ! Mouloud Feraoun

*كاتب وباحث جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق