ثقافة المقال

تكريم المبدعين بعد وفاتهم ..بدعة عربية مقيتة

أسعد العزوني

بدعة مقيتة نمتاز بها نحن العرب الذين نحارب الإبداع والمبدعين،ونحكم عليهم بالإعدام جوعا وحرمانا وتضييقا عليهم،ما يضطر غالبيتهم لطلب الهجرة واللجوء إلى الخارج حيث بلاد “الكفر”،التي تفتح لهم أبوابها وتهيء لهم كل أسباب التميز ،ما دام إنتاجهم سيكون لها ولأجل رفعتها وسموها،لذلك ليس غريبا أن يكون هناك عرب ومسلمون من مؤسسي ومسؤولي وكالة ناسا الفضائية الأمريكية في ستينيات القرن المنصرم.
يعيش المبدع العربي الرافض للإنسلاخ عن وطنه وأمته في ضنك متواصل ،ويكون شبه مطارد وملاحقا لأنه خالف التعليمات ،وفطن أن الله كرمه بعقل يستطيع تغيير مجرى حياة شعبه في حال إستخدمه بطريقة صحيحة ،لكنه يصطدم بالواقع المعاش ،وتلومه أمعاءه وجيوبه لأنه تعامل مع المحظور،وأذكر أن أهل بلدتي رجموا شابا في مقتبل العمر لأنه كتب رواية عن الحب ،وإتهموه بالهرطقة.
لا تقتصر علاقة المبدع العربي بالفقر والجوع والحرمان والتوهان المؤدي إلى الجنون ،بل يصبح رفيقا للسجون والملاحقة والمطاردة ،ويكون هدفا للإتهامات الوهابية والرجعية ،ويتم تصنيفه بعدة أوصاف مثل التقدمي والملحد والشيوعي وما إلى ذلك ،مع أنه لا علاقة له بتلك التهم سوى انه إطلع على تلك المرجعيات من قبيل تثقيف الذات.
تمتاز بلاد الشرق الدافئة بالعاطفة وتدفق الحنان بسبب طبيعتها المناخية ،بعكس الغرب الجليدي متبلد العواطف ،ومع ذلك يفتخرون بإصدار كتاب جديد ،أو عرض فيلم سينمائي جديد،ويرصدون الجوائز للمبدعين ،أما نحن في بلاد الشرق ،فنحفر المقابر للمبدعين لندفنهم وندفن إبداعهم ،وكأننا نخشى تهمة الإبداع ،ولكنني أقولها أن من يفعل ذلك ،إنما يطبق ما ورد في وثيقة كامبل السرية الصادرة عن مؤتمر كامبل الإستعماري في لندن عام 1907، أي بعد إكتشاف بريطانيا للنفط في الخليج.
هناك تشظي متعمد للفعل الإبداعي وأعني هنا في مجال الثقافة وأركز على التأليف ،حيث لا حقوق للمؤلفين ولا إعتبار لهم ، ولذلك نراهم يصارعون الجوع حتى الرمق الأخير ،بينما نرى الناشرين والموزعين ينعمون بالحياة الرغدة ،لأنهم في حقيقة أمرهم إمتهنوا مص دماء المؤلفين ،وإستباحوا إبداعهم من خلال تحالفهم مع البرجوازية الحاكمة التي لا تحفظ حقوقا لأحد.
لكن ما نلاحظه أحيانا أن بعض الجهات العاملة في المجال الثقافي وترتبط بالبرجوازية الحاكمة ،تنظم إحتفالا لمبدع راحل ،وتحشد له العديد من المنافقين لكيل المديح له ،مع إن أحدهم كان لا يمتلك الجرأة حتى للسلام على ذلك المبدع الراحل ،ولكنه بعد تكليفه شرب حليب السبع وغرد كثيرا.
ما أحوج المبدع العربي للتكريم وهو حي لعدة أسباب أهمها ان تكريمه وهو على قيد الحياة ،يعد إعترافا بإبداعه وتقديرا لعطائه وتشجيعا له على المزيد من العطاء والتركيز ،كما أنه في حال تكريمه حيا يشعر بإنسانيته ،ويعتز بكرامته ويعمق إنتماءه الوطني والقومي وحتى الإنساني ،وهذا ما يدعونا إلى مطالبة الجهات المعنية بالتركيز على المبدعين بدلا من تكريم الراقصات والفنانات و……………………!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “تكريم المبدعين بعد وفاتهم ..بدعة عربية مقيتة”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
    الأستاذ الخلوق أسعد
    ولقد وصفت وصفا دقيقا أحوال المبدعين من شعراء وناثرين تلك الحياة البائسة… وقد صدق الشاعر الكبير عمر أبو ريشة عندما قال :
    ما أعتاد هذا الشرق أن يهدي الى
    نبغائه الأحياء أجر مناصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق