قراءات ودراسات

قراءة انطباعية في المشهد الشعري الفلسطيني

د. لطفي زغلول

إستهلال: قبل العام 1918 كانت بلاد الشام جزءاً من الدولة العثمانية التي انهارت في العام المذكور في الحرب العالمية الأولى التي انتهت بانتصار الحلفاء آنذاك. كان الولاء والإنتماء في بلاد الشام للعقيدة وليس للجغرافيا، وقد بدأ استخدام مصطلحي فلسطين وفلسطيني غداة تقسيم بريطانيا وفرنسا بلاد الشام بينهما بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فاصبحت هناك كل من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن. منذ ذلك التاريخ المذكور، بدأت تتجسد الوطنية الفلسطينية التي لم تخرج في يوم من الأيام عن إطارها الأشمل العربي والإسلامي، وقد لعبت في تجسيد هذه الوطنية وتطويرها عدة عوامل منها:

إعتماد الإنتداب البريطاني المسمى الجغرافي “فلسطين”.

قبول الفلسطينيين هذا المسمى كرد على تحديات مسمى “أرض إسرائيل “و”أرض الميعاد”، ومجمل أهداف الحركة الصهيونية ونواياها آنذاك تجاه فلسطين.

صدور وعد بلفور الذي فتح بوابة الهجرات الصهيونية على مصراعيها إلى فلسطين.

إنتشار المسميات الإقليمية في العالم العربي– مصر– سوريا – العراق– لبنان– الأردن إلخ .

فيما يخص الشعر الذي نحن بصدده ، فننوه إلى الحقائق التالية:

إن أي شعر يطلق عليه شعرا فلسطينيا قد بدأ مع الإحتلال البريطاني لفلسطين.

ما قبل هذا الإحتلال، كان الشعر عاما، تغلب عليه إسلاميته شأنه شأن أي شعر في جغرافيات إسلامية أخرى ناطقة باللغة العربية، وكانت خاضعة للدولة العثمانية.

تقاطع خطوط خارطة الشعر الفلسطيني الحقيقي ذي الهوية الفلسطينية مع خطوط خارطة النضالات الفلسطينية في كل نقاطها .

قدر الشعر الفلسطيني أن يكون نضاليا، وأن يولد من رحم النكبة الفلسطينية في الدرجة الأولى، إلا أن هذا لم ينف عنه صفات أخرى عكست مرآتها ذاتية الشعراء الفلسطينيين، وصورت ظروفا إجتماعية، وإنسانية، وعاطفية، ووجدانية أخرى.

بطبيعة الحال فان التوجه الديني، والإطلالة الفلسطينية على القضايا العربية الأخرى،  كان لهما مساحة ما في جغرافيا الشعر الفلسطيني.

قراءة إنطباعية في المشهد الشعري الفلسطيني

ثمة سؤال يطرح نفسه في مضمار قراءة الراهن الشعري الفلسطيني واستقراء واقعه: هل حقا هناك شعر فلسطيني، أم أن ما يقال من شعر في فلسطين ما هو في الحقيقة إلا جزء لا يتجزأ من المنظومة الشعرية العربية؟. للإجابة عن هذا السؤال فإننا ننطلق من الحقائق التالية: أولاها أن الشعر الفلسطيني من حيث استخدامه اللغة العربية وتقنيات الشعر العربي – البحور والأوزان والقوافي– في إطار أسلوبي القصيدة العربية العمودية أو قصيدة التفعيلة، فهو عربي ولا يختلف البتة عن أي شعر عربي آخر. أما من حيث هو فلسطيني فكون غالبيته قد توحد بالقضية الفلسطينية، والتصق بها، وخرج من رحمها، فأصبح والحال هذه مرآتها وصوتها وضميرها، فهو إما يعاني مرارة الإنتداب البريطاني وبطشه، وهو إما معتقل وراء القضبان على تراب وطنه المغتصب المحتل، وإما مطارد حينا، وجريح حينا آخر، أو شهيد يروي بدمه التراب الذي ثار من أجل استعادته، وإما أنه مازال منفيا على حدود هذا الوطن، يحلم بالرجوع في صباح يلوّن النوّار فضاءاته بعد ليل خريف طالت لياليه. هو بين هذا وذاك مناضل لا يعرف الراحة، ولا يلقي عصا النضال إلا على تراب الوطن، وقد أشرقت عليه شمس نهار لا تغيب عنه الحرية.

هذه هي المركبات الرئيسة لمحتوى الشعر الفلسطيني التي شكلت هويته والمساحة العظمى من فضائه وانتمائه. إن قدره أن يكون جنينا في رحم النكبة، وأن تلده هذه النكبة ليكون رضيعها، فطفلها، ففتاها، فإنسانها الذي الذي لا يهرم ولا يشيخ ولا يخون أحضان أمه فلسطين الأرض والإنسان والإنتماء.

في المحصلة هناك شعر فلسطيني له شخصيته واهتماماته وأطره ومداراته التي جسّدت هويته. نحن هنا لا نبغي من وراء هذا الحديث رسم حدود ثقافية أو سياسية تفصله عن عالم الشعر العربي الذي أصبح له مع الأيام في كل قطر ناطق بالعربية اهتمامات وأطر ومدارات ومحطات يتقوقع عندها في قمقم مغلف بسيادته القطرية الضيقة التي تسرطنت على جسد قوميته وعروبته. هنا لا بد من تعريف للشعر الفلسطيني الذي نحن بصدده. إنه بكل بساطة بعيدة عن السفسطة الكلامية: “كل كلام صادر عن شاعر فلسطيني داخل الوطن، أو في الشتات التزم تقنيات الشعر العربي المتوارثة”. لايقف هذا التعريف عند هذا الحد من البساطة، فثمة معايير أخرى تخص المضمون .

نظرا لانعدام مرجعية نقدية فلسطينية، أو حتى عربية، والتزام من نصبوا أنفسهم نقادا خطوط المدارس النقدية الغربية، يظل الحكم على القصيدة الفلسطينية يخضع لاعتبارات الأهواء والذائقات الشخصية، إضافة إلى مدى التزام هذا الشعر بمعايير الفصاحة والبلاغة اللغوية، وكل ما يمت إلى تقنيات الشعر العربي المتوارثة. أما من حيث المضمون فلا يستطيع أي “ناقد” أن يغض الطرف عن الموضوع فيما إذا كان مستجدا، أو مجددا أو أنه مجرد اجترار لما قبله، إضافة إلى الصدقية العاطفية في دافعية القصيدة.

هنا لا بد من التنويه إلى أمر هام جدا يتعلق بالأغراض الشعرية بغية ألا يفهم وكأنها مقصورة على تداعيات القضية الفلسطينية وإفرازاتها. إن الشاعر الفلسطيني إنسان كامل التكوين والمشاعر والأحاسيس والرؤى يحب وطنه، يدافع عنه، وفي ذات الوقت له قلب يحب ويعشق، وله روح تناجي الرب في ملكوته، وله عين تسافر في مغاني جغرافيا الجمال، وله انتماءات قومية وإنسانية أخرى، ولكنه ليس أسير عاطفة واحدة.

أختتم هذه المعايير بإعطاء مساحة ما للمتلقي، فالشعر يقال في مجمله له، ولولاه ما كان شعر ولا شعراء. هنا نصل إلى مفترق طرق خطير. إن كل شعر يستثني المتلقي أو يتعالى عليه، أو لا يعايش شجونه وأشجانه، يظل غارقا في ديجور الورق الذي كتب عليه، أو مدفونا في غبار صفحات الكتاب الذي يضم رفاته.

إذا كانت القضية الفلسطينية بكل تداعياتها تحتل المساحة العظمى من فضاء الشعر الفلسطيني، فإن هذا الشعر لا يعيبه ولا ينتقص من قدره ومكانته أن تكون فضاءاته مضاءة، أوأنها مشتعلة بأوار لهيب الجرح الفلسطيني الذي لم تخمد جماره منذ نيف وستة عقود من الزمان. حين يكون الوطن مغتصبا ومحتلا، فإن الشعر ساعتئذ لا ينبغي له أن يقف مكتوف الأيدي على الحياد، أو متفرجا، أو لا مباليا غير مكترث، أو هاربا إلى مدارات غير مدارات وطنه بكل شجونها وأشجانها.

إن الشعر الفلسطيني الحقيقي صادق مع نفسه ووطنه أرضا وسماء وقضية ومتلقيا، يكرس ذاته للقضية بكل أبعادها واتجاهاتها. قدره أن تكون مساحة تحركه تحت مظلة منظومة ألوان النار والجراح والنفي والإنتفاض على حراب الجلاد. إذا كان الشعر العربي الآخر في كل قطر عربي لم يكتب له أن يعاني مايعانيه الشعر الفلسطيني، وليس له وطن مغتصب ومحتل، فراح يضرب في متاهات آفاق تتقاطع وفق قناعاته مع مقتضيات اللحظة الراهنة التي حط رحاله عندها، فهذا شأنه، وإن كانت كثير من الموضوعات التي يلهث خلفها لا تمت إلى الواقع العربي بصلة، وإنما هي تنبع من تداعيات مفاهيم خاطئة أفرزتها عقد العالمية والعولمة والعصرنة والحداثة وما بعد الحداثة، والتي هي في حقيقتها خروج من الجلد، وارتماء في أحضان الآخر، ودوران في أفلاكه بغية نيل رضاه، واستصدار شهادة حسن سلوك حضارية، تكرس الفوز باعترافه والتطبيع معه.

ننوه إلى أن هذه المداخلة عن الشعر العربي لم تجىء عرضا، وإنما هي مقدمة لحديث لاحق عن عدوى أصابت شريحة من الشعراء الفلسطينيين الذين ألصقوا بأنفسهم صفة الحداثيين، فانقلبوا على الشعر قلبا وقالبا، فأصبحوا يهيمون في واد، والشعر الحقيقي في واد، والمسافة بينهما كالمسافة بين الأرض والسماء. هنا إنني آمل ألا يفهم من حديثي أنني ضد الحداثة. كلا وكلا وألف كلا. إن الحديث عن الحداثة في الشعر شيء، وهذا الذي تفيض به مجاري أجهزة الإعلام شيء آخر. إنه كلام مبهم، مطلسم، لا يمت إلى اللغة العربية التي نعرفها بصلة، دخيل عليها، إنه كلام ركيك غير متجانس، مفكك، تشتم منه رائحة الغش والخداع والتعالي على المتلقي. أخيرا لا آخرا لا معنى له، فيه من التقليد الأعمى ما فيه. هنا يتمحور مرتكز رئيس يلعب دوره المفصلي في مسيرة الشعر الفلسطيني الذي يفترض به أن يحافظ على جلده، فلا يخرج منه، ولا يغادر ماءه المتمثل في قضيته بكل إفرازاتها وتداعياتها كيلا يختنق.

إن أخطر مهمة، وأنبل هدف للشعر الفلسطيني أن يكون له وطن حر الأرض والسماء والإنسان، يتفيأ بين أحضانه ظلال الحرية والأمان، ساعتئذ فلن يقف على أطلال الماضي إلا لكي يتنسم نفح أريجه والتواصل معه انتماء، واقتباسا لسناً من ذاكرته يضيء مساحة من فضاء راهنه، إلا أن المساحة الأكبر ستضيئها إفرازات اللحظة الزمانية المكانية “الزمكانية” التي سيرسو عندها.

إذا كان هذا هو المفترض والمنطقي والعقلاني، فثمة شريحة من “شعراء” الوطن تأبى إلا أن تمتطي خيالها الجامح ،وتقفز على هذا المنطق، وهذه العقلانية في مجمل المسيرة الشعرية، تاركة وراءها كل هموم الوطن وكوارثه وأحزانه وآلامه إلى ما تتوهم أنه عالم العصرنة والعولمة والحداثة وما بعد الحداثة، وهي بهذا ليست أكثر من ضحية أحلام يقظتها، أو أنها بصحيح العبارة منساقة وراء أهداف يصنعها الآخر، وتقوم هي بتسويقها لحسابه بصورة أو بأخرى.

في هذا الصدد ثمة أسئلة تطرح نفسها بإلحاح: أهو الجحود أم ضعف الإنتماء؟ أم هو الإحباط واليأس؟ أم هو الفراغ الثقافي؟ أم هو فقدان الثقة بالذات المغلف بمشاعر الدونية والنقص؟ أم هو خلق انطباع بالتفرد والتميز والإبداع والتجديد والتحديث والثورة على القديم والموروث؟ أم هو تجاوز لكل الحدود المحظور تجاوزها؟ أم هو التطاول المقصود بقصد الإشهار على القيم السائدة أيا كانت بقصد تسليط الأنظار على هذه “الجراءة” وهذا “التحدي المبتكر”؟ أم هو تسويق مدفوع الأجر للآخر؟. تظل كل الإحتمالات قائمة، “ويظل المعنى في بطن الشاعر”، إلا أنها في المحصلة آلية مكشوفة، لحمتها التعالي والتميز المزيفان اللذان يمكن اشتمام رائحتهما تتصاعد دخانا وقتاما من تلك النصوص الخرقاء الغارقة في الطلسمة والأسطرة والخرافة، مصاغة بلغة يتعمد كاتبها الغموض والتشويه والإنزياحات الغريبة، وهي في واقعها وحقيقتها لا تنتمي إلى منطق أوتمت بصلة إلى عقلانية تقوم عليها أية لغة ونخص هنا اللغة العربية. إنها باختصار نصوص مرقعة ليس ثمة من روابط أو جسور بين كلماتها أو جملها أو فقراتها. وإذا كان كاتبها يتوخى إحداث الإدهاش والصدمة لدى المتلقي، فإنه قد أحدثها، ولكن باتجاه معاكس لما أراد، فساق المتلقي من أول سطر أو سطرين إلى حالة من النفور والرفض والتقزز، ذلك أن هذا المتلقي من الذكاء والفطنة والقدرة على إدراك النوايا المبطنة لهذه النصوص الفارغة من المحتوى، والمفتقرة إلى عناصر التأثير والإلتصاق بالذاكرة، وهي في النهاية مولود لم يخرج من صلب أصالة الوطن، ولا من رحم ثقافته، وما هو إلا ثمرة سفاح ثقافي.

معايير تصنيف ذاتية

في قراءتنا للشعر الفلسطيني، لا بد لنا هنا من الوقوف عند الناص، حتى يكتمل المشهد الشعري بحديه: النص والناص. الناص هو الشاعر مبدع النص الشعري والمتحكم بإحداثيات تأثيراته على مجمل المشهد الشعري العام والمتلقي في هذا الإطار. في اعتقادنا أن جل ّ التصنيفات السابقة أو حتى الراهنة للمبدعين العرب ومنهم الفلسطينيون- وهذا ينطبق على أشكال الإبداع كافة، وليس الشعر فقط– وتحديدا على مدى سنوات القرن العشرين المنصرم، وبدايات القرن الحادي والعشرين الحالي، قد طفحت على سطح المشهد الشعري دون أن تكون مستندة إلى أسس علمية أو موضوعية، وأن قدرا وافيا من الإعتبارات الذاتية والخاصة قد ساهمت في إفرازها. هنا لا بد من الوقوف عند حقيقة مفادها أن شريحة من الشعراء، وهم قلة معدودة – و المعنيون هنا – قد أتيح لها فضاء من الإنطلاق والإنتشار لم يتح لكوكبة أخرى ذات قاعدة عريضة ظلّت مغمورة لا تقل إبداعا وعطاء، وربما تفوقت بعطائها وإبداعها على من صنفوا “نجوما” أو “رموزا”، وليس أدلّ على ذلك مما تطالعنا به بعض الصحف والمجلات بين الفينة والأخرى من قراءات لسير بعض هؤلاء الذين أشفق عليهم بعض الكتاب أو الأكاديميين، فنفضوا بعض غبار الزمن والنسيان عن ذكراهم، في حين ما زال الكثيرون في انتظار من ينفض هذا الغبار المتراكم على ذكراهم، أو أنهم مازالوا مدفونين في ضباب الإنكار والتجاهل، والتناسي. عند هذا المشهد الحزين، لا بد من التنويه إلى بعض العوامل التي أفرزت وأبرزت شريحة ما من المبدعين، ويهمنا هنا الشعراء، بغض النظر عن مدى جودة نصوصهم الشعرية. لا ينبغي علينا أن نتجاهل حقيقة أن المجتمع الفلسطيني شأنه شأن كل المجتمعات العربية مجتمع تسيطر عليه النزعات الأبوية والتسييدية، وثقافته مثخنة بالرموز التي تسبغ عليها الألقاب التي تفرض عليه ولا يفكر مرة في محاكمتها أو تقييمها. ومثالا لا حصرا “أمير الشعراء– كبير الشعراء– شاعر القطرين– الأخطل الصغير– شاعر شعراء العصر– “، وحديثا شاعر المليون- شاعر العرب، شاعر الأسبوع- إلخ من هذه المسميات، وإذا كان الفلسطينيون لم يمنحوا شعراءهم مثل هذه الألقاب وبمثل هذا الإتساع، إلا أنهم من ناحية أخرى فد بالغوا في تعظيم بعض “شعرائهم”، أو أنهم أبرزوا مكانتهم، وكأن رحم الوطن والإبداع لم يلد غيرهم. مرة أخرى ليس ثمة من داع للخوض في تفاصيل هذا الموضوع نظرا لحساسيته. خلاصة القول إن المغالاة في التعظيم والتكريم واقتصارهما على فئة دون سواها، وسواء كان ذلك عن قصد أو دونه، فمن المؤكد أن لهما آثارهما السلبية، كونهما يفرزان انطباعا خاطئا للأجيال الراهنة واللاحقة مفادها أنها أحكام قطعية لا ينبغي الخوض فيها أو محاكمتها، ومن ناحية أخرى يخشى أن تفسر هذه المغالاة – وهذا احتمال وارد – أن الأجيال المبدعة القادمة لن تصل إلى ما وصلت إليه “هذه الفئة، وفي هذا إحباط لهذه الأجيال، وتجن على الحقيقة، وفيه ما فيه من خداع ونفاق وكيل بأكثر من مكيال، فالإبداع أيا كان شكله ليس مملكة أو إمارة، وليس هناك ملوك أو أمراء له. إن الحقيقة التي لا تقبل الشك فيها أن هناك مبدعين يفرضون إبداعهم وأنفسهم على المشهد الإبداعي دون عمليات تعظيم وتلميع وتفخيم وتتويج وتنصيب، ذلك أنه لا توجد مرجعية موضوعية مجردة من الإنحياز، وتملك الآليات والوسائل، حتى تدعي أنها تحوز على هذا الإمتياز والإحتكار. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: ما هي المعايير التي على أساسها تم إفراز المبدعين في القرن العشرين المنصرم تحديدا حيث منحوا مثل هذه الألقاب التي ظل مفعولها ساريا حتى هذه الأيام؟. ليس ثمة كبير عناء في الإجابة عن هذا السؤال. لقد لعبت عدة اعتبارات رئيسة دورها في هذا الإفراز منها المكانة العائلية، فثمة فرق في شهرة شاعر ينتمي إلى أسرة متنفذة  لها وزنها الإجتماعي والإقتصادي والسياسي الخ، وشاعر ينتمي إلى أسرة فقيرة ليس لها أي وزن. وكذلك الحال بالنسبة  للتحصيل العلمي، والجنس “ألذكورة أو الأنوثة”، فالشاعرات نلن نصيبا وافرا من الإهتمام والحظوة والأضواء والتقرب منهن كونهن كن قلة نادرة، وأكثر إضاءة لفضاء الرومانسية. الأهم من ذلك حظ الشاعر فيما لو تكرمت عليه دار نشر، وأصدرت له مجموعة شعرية أو أكثر، وهذا ينطبق على الصحف والمجلات التي كانت تصدر آنذاك، ذلك أن الكلمة المقروءة كانت أهم وسائل التعريف والإشهار والدخول إلى عالم الشاعر. في أيامنا الحالية، لا ينبغي إنكار حقيقة مفادها أن الألقاب قد تراجع سوقها وتحديدا بالنسبة للشعراء. إلا أن ثمة ما ينوب عنها، وما هو أهم منها نظرا لتغير مظاهر العصر وتبدلها. إنه التكريم بكل أشكاله والتبجيل والتعظيم بدون حدود لفئة من هؤلاء الشعراء، ومثالا لا حصرا اقامة الأمسيات الشعرية الموجهة والحافلة– طباعة أعمالها وتسويقها، فرضها على وسائل الإعلام، الكتابة عنها، منحها الجوائز والإعتمادات المالية لهدف أو لآخر. في عصر الفضائيات أصبحت هناك خطورة أكيدة تتمثل في كونها غدت وسيلة إشهار، ويخشى والحال هذه أن يصبح الظهور على شاشاتها معيارا لمكانة شاعر بين قومه. ويقيني أن هذا آخذ في التبلور هذه الأيام لما لهذه الوسيلة الإعلامية من تأثير قوي ليس له نظير. إذا ما أضفنا إلى ما سلف عوامل أخرى ذات أهمية، ومثالا لا حصرا علاقة الشاعر بدور النشر وكافة أشكال الإعلام، ووزن الوظيفة التي يشغلها الشاعر، أو المؤسسة التي ينتمي إليها، أو قربه من مراكز اتخاذ القرار، فإن المشهد عندئذ يعكس صورة بعيدة عن أن تكون واقعية، بل يمكن وصفها بأنها مصنعة ومصطنعة. وفي المقابل هناك صورة أخرى وراء الضباب المفروض، لا بد وأن تكون أكثر واقعية، وتحمل في احشائها رؤى واعدة لم يواتها الحظ في الخروج إلى النور. الأنكى من ذلك كله تلك الأسئلة الغبية، والجارحة، والتي تتعمد إيذاء الغير، والتي لا تبصر أبعد من أنوفها. مثالا لا حصرا: في حال أن غيّب الموت أحد هذه “الرموز الشعرية”، ما تأثيرات غيابها على المشهد الشعري؟. هذا نمط من هذه الأسئلة التي لا تؤمن بالتعددية الإبداعية، وكأن أرحام النساء لم تلد إلا هذا الشاعر، وكأن الشعر “أصبح يتيما” بعد وفاته.

إن الإبداع لا يقف عند إنسان، ولا ينتهي برحيله. إن رحيل شاعر فلسطيني عن الساحة الإبداعية، لا يعني أكثر من رحيله، وهو أمر يحدث شئنا أم أبينا. إنه لا يعني أنه الواحد الوحيد الذي تقام له أفخم الجنازات، وأرقى النصب التذكارية، ولا يعني الإحتفال بذكراه السنوية. ثمة حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن البال لا يوجد في عالم الشعر ” شاعر فرد”، وإنما هناك تعددية.

 

 

*شاعر وباحث أكاديمي فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق