قراءات ودراسات

“المفارقة في الأقصوصة”

صبحي فحماوي

تعتبر “المفارقة” أو “عكس التوقع” من أهم مميزات الأقصوصة..وكذلك “السخرية”، التي تتضح في رد الفعل. ويقول جاسم خلف الياس: ” تعد المفارقة لعبة عقلية ذكية, إذ على الرغم من أنها استراتيجية في الإحباط واللامبالاة وخيبة الأمل؛ إلا إنها في الوقت نفسه تنطوي على جانب ايجابي، فهي سلاح هجومي فعّال، وهذا السلاح هو الضحك الذي يتولد عن التوتر الحاد وليس عن الكوميديا.
وإذا كانت المفارقة تعني في ابسط صورها القصصية جريان حدث بصورة عفوية على حساب حدث آخر هو المقصود في النهاية، أو هي تصرف الشخصية تصرف الجاهل بحقيقة ما يدور حوله من أمور متناقضة لوضعها الحقيقي، فهي تقانة قصصية يهدف القاص من وجودها النصي الخروج على السرد المباشر وهو خروج يبعث على الإثارة والتشويق.
ويقول محمد يوب : المفارقة هي فن قول شئ دون قوله حقيقة؛ أي أننا في المفارقة نتوصل إلى فهم المعنى المقصود، ليس من خلال ما يدل عليه لفظا؛ بل بما يكمن في اللفظ الذي قيل من معنى لم يدل عليه القول. إنها تؤدي المعنى الدقيق وتُحدث أبلغ الأثر بأقل الوسائل تدبيراً، وذلك بخلق بنيات أو مسارات يحكمها التناقض والاختلاف؛ حيث يحيل الضد على ضده فيضيئه دلاليا، كما هي مفارقة الموت والحياة، والمر والحلاوة، و السواد و البياض…. أي أنها تتمثّل في أوجه التّناقض والتّضاد في علاقات وأطراف يجب أن تكون متوافقة، وكذلك فيما يظهر لنا عكس حقيقته، حيث نرى العبث في الجد، والزيف في الحقيقة، ولهذا تتّصل المفارقة في كثير من صورها بالتّهكم والسخرية والدهشة واﻷلم واﻹحساس بالفجيعة والمأساة، وحيث المفارقة تسير عكس أفق انتظار المتلقي، فتصدمه بقفلتها المدهشة؛ و القاص هنا ينتقي كلماته وعباراته في اتجاه تقابلي.
وترى الدكتورة نبيلة إبراهيم أن المفارقة تبرز في مستويين للمعنى، ضمن شريحة واحدة في التعبير؛ في مستوى سطحي يعبر عنه باللفظ، ومستوى عميق لم يعبر عنه، تجده يُلح على القاريء كي يستخرجه..من خلال التعارض أو التناقض على المستوى الشكلي للنص..
ويرى صلاح الدين سر الختم أن مصطلح المفارقة، هو أن تفهم لفظاً على عكس معناه، أو تكوِّن فكرة عن شيء على عكس حقيقته . ويعتبر المفارقة من أهم مقومات النص الإبداعي ، خاصة في الأقصوصة. سواء كانت مفارقة في اللغة بين الدال والمدلول والدلالة؛ أقصد مرونة الدلالة بين اللفظ والمعنى. أو مفارقة في الموقف بين التصور أو المعرفة والفهم لعكس الحقيقة. أو مفارقة في الحركة بين الحركة الطبيعية للإنسان والحركة غير الطبيعية ،سواء كانت آلية أو حيوانية أو معوقة ( و هذه عادة توظف في الكوميديا ). وفي «قاموس أكسفورد» وجدنا أن المفارقة تشير إلى التخفي تحت مظهر مخادع، والتظاهر بالجهل عن قصد.
والقاص لا يكتب الأقصوصة من أجل التفنن في اختيار الكلمات؛ وما تحدثه من جمالية وشعرية آسرة؛ وإنما يكتبها من أجل تبليغ رسالة معينة؛ فيها حمولة معرفية ورؤية إلى العالم؛ حيث الخطاب القصصي القصير جدا بقدر ما يستحضر رونق الكلمة البليغة وجمالها، بقدر ما يغوص في باطن الشخصية كاشفا عن أغوارها؛ مقربا صورتها من القارئ.
ويحيل عبد الله المتقي مفهوم المفارقة إلى تقنية بلاغية وجمالية يكون فيها المعنى المرموز في تضاد مع المعنى الظاهري..وهي تقنية لغوية ذكية تعمل على المجاورة بين الأضداد، والالتئام بين المتناقضات، على شكل لغوي بلاغي يراد به نقيض معناه الظاهر، كأن تقول لمن لم يحسن اللعب أنه؛ لاعب ماهر..”
وتقول الدكتورة نوال بن صالح أن المفارقة تتمثل في أوجه التناقض والتضاد في علائق وأطراف يجب أن تكون متوافقة وكذلك في ما يظهر لنا عكس حقيقته حيث ترى العبث في الجد، والزيف في الحقيقة. ولهذا تتصل في كثير من صورها بالتهكم والسخرية والدهشة والألم والإحساس بالفجيعة والمأساة”. وقالت إن المفارقة تقوم “على أساس أن ما نُسلم به وما نقبله هو أمر لا يجب أن نُسلم به من وجهة نظر موضوعية. فالمفارقة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل أو بتعبير مقابل أن تقوم على افتراض ضرورة الاتفاق في واقعة الاختلاف”.
القصة القصيرة جداً في تراث الأدب العربي
إن هذا اللون من الكتابة، الذي سمي بالتوقيعات، نشأ في عهد عمر بن الخطاب، ثم استمر في العصر الأُموي، ثم أزداد اهتمام الكتاب به، والخلفاء، ورجال الدولة به في العصر العباسي (132هـ- 656هـ). وأذكر فيما يلي توقيعاً كُتب في العصر الأموي:
• كتب ربيعة اليربوعي إلى معاوية بن أبي سفيان ، يسأله أن يعينه على بناء دار له بالبصرة، بإثنى عشر ألف جذع من النخل، فوقَّع معاوية على رسالته بقوله:
“أدارك في البصرة، أم البصرة في دارك؟”
• وأذكر أقصوصة على شكل توقيع في العصر العباسي ، تقول:
” كتب عامِلُ مصر إلى المنصور، يشكو نقصان نهر النيل، فوقَّع المنصور على الكتاب بقوله: “طهر عسكرك من الفساد، يعطك النيل القياد”.
• ومثال ذلك ما كتبه الصاحب بن عباد حين رفع إليه أحدُهم رقعة يذكر أن بعض أعدائه يدخل داره فيسترق السمع، فوقّع ابن عباد فيها:
“دارنا هذه خان، يدخلها مَنْ وفى ومن خان.”
• ويعتبر”المثل” من جذور الأقصوصة، ومن هذه الأمثال:
” تدخّل في ما لا يعنيه، فلقي ما لا يرضيه.”
• وكذلك “الرسالة المقتضبة” مثل الرسالة المقتضبة من الطفلة اليمنية إلى الرئيس اليمني
المخلوع: “انت ضعيف امام قدرة الشعب.”
• و”المقامات” مثل التي كان بديع الزمان الهمذاني يبتدئها بقوله: “حدثني عيسى بن هشام قال:”
وكل ما سبق ذكره وكثير غيره، هو فنون أدبية نثرية كان لها قيمة كبيرة بين سائر فنون الأدب العربي، ويعتبر أساساً لهذا الفن القديم-الجديد “الأقصوصة”، والتي هي جنس أدبي مختصر بعبارة مكثفة.. وفي اعتقادي أنها أفضل وسيلة فنية أدبية لتصوير الموقف الذي يتخذه شخص ما، تجاه ما يتعرض له من مفاجأة، وذلك باختصار شديد..

المفارقة في قصص العرب
ذكرت أن القصة القصيرة جدا موجودة في كتب العرب.. وللدلالة على هذا التراث الجميل، نورد ما يتضح في أقصوصة “هند بنت النعمان والحجاج” في كتاب “المستطرف في كل فن مستظرف” لشهاب الدين الأبشيهي، الذي يحوي طرائف من أحاديث الناس في ذلك الزمن، إذ نقرأ :
” رُوي أن هند بنت النعمان كانت أحسن أهل زمانها فوُصِف للحجاج حسنها، فأنفـذ إليهـا يخطبها وبذل لها مالاً جزيلاً، وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم ودخل بها.. ثم دخل عليها ذات يوم فوجدها تنظر في المرآة وهي تقول:-
وما هند إلا مهرة عربية………سليلة أفراس تحللها بغل
فإن ولدت فحلاً فلله درها.. وإن ولدت بغلاً فجاء به البغل
فانصرف الحجاج راجعاً ولم يدخل عليها، ولم تكن علمت به ، فأراد الحجاج طلاقها فأنفذ إليها عبد الله بن طاهر، وأنفذ لها معه مائتي ألف درهم ، وهي التي كانت لها عليه ، وقال يا إبن طاهر طلقها بكلمتين ولا تزد عليهما ، فدخل عبد الله بن طاهر عليها فقال يقول لك أبو محمد الحجاج “كنتِ فبنتِ.” أي أصبحت طالقاً. وهذه المائتا ألف درهم التي كانت لك قِبله ، فقالت: اعلم يا ابن طاهر إنا والله كنا فما حمدنا، وبنا فما ندمنا، وهذه المائتا ألف درهم، بشارة لك بخلاصي من كلب بني ثقيف”..
والمفارقة في هذه القصة، أن القارىء كان يتوقع أن تفرح هند بزواجها من الحجاج بن يوسف الثقفي ذائع الصيت، ولكننا نفاجأ (بمفارقة) كون هند لم تحسب حساباً لهذا القائد القوي الشخصية..فلو قالت القصة أن هنداً تزوجت بالحجاج، وانتهى الأمر. لما كان في القصة ما يشدنا، نحن القراء.ولكن كونها تقول: “وإن ولدت بغلاً فجاء به البغل” فهنا مفارقة تدهش القاريء، وتجعلنا نفهم مشاعر كثيرة منها، لدرجة أن معظم القراء العرب يتندرون بها ولا ينسونها..
المفارقة إذن تُشهر القصة، وقد نقول أن لا قصة جيدة من دون مفارقة مدهشة..
ولا تخضع مثل هذه النصوص القصصية لمفهوم القصة الحديثة، فحوى البحث، ذلك لأن الأدب يتطور، ولكن تبقى القصة العربية القديمة كالبنية التحتية للقصة العربية الحديثة، التي هي موضوع ملتقانا هذا. ولكنني أستطيع أن أقول أن جذور القصة القصيرة جداً، موجودة في الأدب والتراث العربي القديم، ولا أوافق على القول أن من أسسها هو الكاتب النرويجي فلان، أو التشيلي علاّن.. بل علينا أن نبحث عن جذورنا العربية في كثير من المراجع..
وفي كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني قصص كثيرة نذكر منها:
“قال الخليفة سليمان بن عبد الملك لعمر بن أبي ربيعة: ما يمنعك من مدحنا؟ قال عمر:
إني لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء”…والكتاب زاخر بمثل هذه القصص…
وفي هذه القصة، (مفارقة) مذهلة ، إذ أننا أمام شاعر- مجرد شاعر- يرفض طلب خليفةٍ يُعد من أشهر خلفاء بني الامية الأقوياء، إذ أن ابن أبي ربيعة يُظهر غير ما يبطن..وذلك بحُجة أنه لا يمدح غير النساء…والخليفة أعلى بكثير من مقام النساء.حسب مفهومهم الاجتماعي آنذاك. ولكنه ربما في قرارة نفسه كان لا يرغب في مدح الخلفاء، إذ يشعر أنه أعلى من غيره من الشعراء المرتزقة، وهي سُنّة مُسترخصة للتمسح على أبواب الخلفاء آنذاك ، كما نعرف، وربما كان عاشقاً، يحب النساء، فيجعلهن في مرتبة أعلى من مرتبة الخلفاء، كما أننا اليوم نرى أن الشاعر عمر بن أبي ربيعة ، أشهر قيمة في التاريخ من الخليفة سليمان بن عبد الملك.
ومن ضمن التوقيعات نقرأ أقصوصات كثيرة، كما في كتاب “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان” لأحمد ابن خلكان: “رفع احد منهي الأخبار إلى الصاحب بن عبّاد ورقة كتب فيها أن رجلا غريب الوجه يدخل داره ويتلطف لاستراق السمع، فوقّع ابن عبّاد تحتها: “دارنا هذه خان، يدخلها من وفى ومن خان.”
وهنا مفارقة كون القارىء لا يتوقع من ابن عباد مفارقة أن يسخر فيها من بيته، الذي هو ملتقى مفكري الشيعة وأئمتهم آنذاك، فيعتبره(خاناً) أي فندقاً يضم اسطبل حيوانات ركوبة، وهذا ما يسمح بدخوله لمن وفى ومن خان.
المفارقة في الأغنية الحديثة
وحيث أن الإدهاش هو هدف رئيس من أهداف الأقصوصة، كما هو في القصة والرواية، فإن من أهم وسائل الإدهاش هو المفارقة. وكما ساهمت وسائل الاتصال الحديثة في انتشار الأقصوصة، فلقد ساهمت الأغاني الحديثة في ترسيخ مفهوم الأقصوصة، أو القصة القصيرة جداً مثلما جاء في الأشعار القصيرة للأخوين رحباني، التي تشدو بها فيروز قائلة بصوتها الساحر:
“بأيام البرد..وأيام الشتا..
والرصيف بحيرة، والشارع غريق..
تجي هاك البنت من بيتا العتيق…
ويقول لها : انطريني ، وتنطر عالطريق..
ويروح وينساها..وتتبل بالشتي.”
وهنا شاهدنا فتاة بريئة..قادمة من بيتها العتيق، والدنيا برد، والمطر شديد..لدرجة أن الرصيف بحيرة ماء، والشارع يطفو بالماء غريقاً..وهي على موعد مع حبيبها المخادع، إذ قال لها: (انطريني ) انتظريني، فوقفت تنتظره في هذا الجو الذي لا يحتمل.. ما نزال هنا متعاطفين مع موقف رومانسي صاخب..ننتظر قصة حب بريئة لفتاة لم تَخبر التعامل مع هكذا مواقف..القصة سائرة في موقف عاطفي مؤثر، منسجم مع المشاعر الإنسانية.. ولكن انتظار البنت يطول..والمطر الغزير والبرد الشديد، يكادان يهدّان المسكينة…ولكن المحبوب النذل لم يأت، ذلك لأنه نسيها أو ربما تناساها، أو ربما لم يستطع الوصول إلى هذا المكان في هذا الجو، إذ فضّل الحفاظ على صحته، بدل لقاء الحبيبة..التي تركها واقفة يبللها مطر الشتاء..هنا ننصدم بمفارقة كسر التوقع، إذ أن الحبيب طلع نذلاً فلم يأتِ..وهذه الصدمة غير المتوقعة للبنت، تؤثر فينا نحن القراء أو سامعي الأغنية التي تشدو بها فيروز الساحرة..
هكذا نفهم المفارقة..تصوروا لو أن البنت جاءت في موعدها، والتقت من تحب، وسارت معه في الطريق، لكانت القصة عادية، قد لا تشدنا كما صدمتنا بذلك الموقف المؤثر، بكونه كاسراً للتوقع.
وهكذا استطاعت المفارقة المفخَّخَة في وسط الرسالة أن تدهشنا، وتجعلنا حتى هذه اللحظات نلهج بمحاسن القصة الرحبانية الأنموذج.
وقال أ.د. عبد الرحيم مراشدة في دراسته لكتاب أقصوصات بعنوان “قهقهات باكية” لصبحي فحماوي؛ أن الذي يدهشنا في هذه الأقصوصات هو المفارقة، وعنصر المفارقة وحي آخر من أفق التجربة التي تخلق نصها، لتعطي سمة للالتزام فيه، فليس الإمتاع إلا جزءا خاصا، والثيمة التي تحملها أقصوصاته، ليست مقحمة على العمل، إنما تأتي كإشعاع قصير لكن له أثره، إذ أنك تبدأ بقراءة موقف لا تتوقع النهاية التي يدفعك السارد إليها.. كأن يقول في أقصوصته- رقم 11- في مجموعة “قهقهات باكية” بعنوان: “حرية الرأي:
“”قد أخالفك في الرأي، ولكنني على استعاد لتقديم روحي فداء أن تقول رأيك بحرية….. عبارة، قالها واحد كذاب، ثم قام، وقتل آسيا وإفريقيا كلها بصمت مطبق.”..” …في الشطر الأول من الأقصوصة، نفهم أن السارد يتحدث عن الحرية المكفولة لدرجة متناهية، رغم كل اختلاف..ولكنك تفاجأ في الشطر الثاني من الأقصوصة مفارقة لم نتوقعها..مما يدهش القارىء، ويجعله لا ينسى مضمون هذه الأقصوصة.
وهكذا نلاحظ أن عنوان المجموعة ” قهقهات باكية ” يعبر بدقة عن مضمون أقصوصات فحماوي، إذ يتكىء على عنصر المفارقة في أقصوصاته، وخلقِ ألق الإثارة لدى القارئ ، فهو يحرص على تلبية ذوقه، إلا أنه يظل يحتفظ لنفسه بعنصر الإدهاش في ومضة خاطفة تلمع، لتسعد المتلقي بما هو جزء من الإدهاش والإمتاع.
1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق