قراءات ودراسات

مكانة مالك بن نبي في الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي المعاصر

الدكتور  جيلالي بوبكر

مقدمة: إنّ وزن المفكر أو الفيلسوف بين المفكرين والفلاسفة يصنعه فكره وتحدده فلسفته، و”مالك بن نبي” واحد من المفكرين والفلاسفة ذكرته نظريته في الحضارة، صنع مكانته فكره الإصلاحي المتميز، فتألّق نجمه في سماء الحركة الإصلاحية التجديدية في العالم الإسلامي المعاصر، وذاع صيته خارج العالم الإسلامي، وصار واحدا من كبار قادة الفكر ورواد الفلسفة، في عصرنا هذا.، اعتنى بفكره وفلسفته العديد من الباحثين، بعضهم يدرس ويحلل ويدافع، وبعضهم ينقد ويقوّم، وأهمية هذا الفكر وهذه الفلسفة والعناية بها والوقوف عليها بالتحليل والتقويم… كل هذا يعود إلى كونه فكرا اعتنى بقضية الحضارة، ومسألة البناء التاريخي، وهي قضية تهم كل فرد وتهم كل مجتمع وكل أمة وتهم الإنسانية جمعاء، خاصة وأنّ الحضارة بالمعنى الحديث والمعاصر تعني التقدم والازدهار في المجال الاجتماعي والاقتصادي، كما تعني السمو الأخلاقي، والتقدم العلمي والتكنولوجي، وتقابلها– ليس البداوة- ظاهرة التخلف وتعني الانحطاط الاجتماعي والضعف الأخلاقي والتدهور الفكري والفساد والفوضى، وكل ما يسيء إلى حياة الإنسان كفرد وكمجتمع. والإنسان يطمح باستمرار إلى الأفضل في الفكر والعمل والحياة عامة.، فهو ينفر من التخلف، ويطلب الحضارة والتقدم، وبما أنّ “مالك بن ني” تفلسف حول الحضارة وشروطها وعناصرها وموانعها وعوامل انهيارها، وحول التخلف وأسبابه وموانعه فاستهوى ذلك المثقف والمفكر والباحث، وجاءت أهمية العناية بهذا الفكر في قضية البناء الحضاري والتاريخي بشكل عام.

1– موقع فكر بن نبي في خط الإصلاح والتجديد

لقد تعرّض العالم الإسلامي منذ الحروب الصليبية إلى العدوان المسلح من قبل أوروبا، وفشلها في السيطرة عليه بالقوة جعلها تتخذ سبلا أخرى تهدف إلى السيطرة على الشعوب الإسلامية بشكل يحقق النفوذ السياسي عليها، وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين استطاعت أوروبا أن تحتل كافة البلدان الإسلامية التي شهدت حملات التبشير والاستغلال والاستعمار، ناهيك عن التخلف والضعف والانحطاط الذي كانت عليه من قبل، وهي ظواهر عمل الاستعمار على إبقائها بروح من الكراهية والحقد.

حرص الاستعمار على إقحام العديد من المفاهيم والتصورات الخاطئة في الإسلام ليجنب المسلمين التمسك بدينهم في مبادئه الصحيحة السمحة، لأنه هو قوتهم ومصدر عزتهم فعمل على إضعاف المسلمين وزعزعة ثقتهم في إسلامهم أولا وبالذات، حتى يفقدوا مصدر القوة ، ثم يتمكن من تثبيت أقدامه في الأرض الإسلامية.”[1]

لقد نجح الاستعمار وهو يسعى إلى تحقيق أغراضه في استخدام بعض الحركات التي قامت بقبول سلطة المستعمر، وقيام العديد من المستشرقين بإظهار الخلافات وتأكيد النقائص الفكرية والمذهبية بين جماعات المسلمين وشعوبهم، مع تزييف الكثير من مبادئ الإسلام وتعاليمه وقيّمه  وانعكس ذلك بوضوح في ظهور أصوات المثقفين التي نادت بإتباع الغرب فيما بلغه من فكر طبيعي  وإنتاج مادي، والابتعاد عن سبيل الأصالة والتميّز وأبرز مثال على ذلك حركتا أحمد خان وميرزا غلام أحمد“.[2]

في مقابل التيار المسالم للاستعمار والداعي إلى قبوله والمؤيد للعيش معه والانغماس في ظروف حياته برز تيار معادي حرص كل الحرص على محاربة الاستعمار وفضح جرائمه البشعة في حق الشعوب والدين والوطن، تيار يدافع عن الإسلام والمسلمين ويكشف عن التزييف والتحريف الصادر من داخل العالم الإسلامي والقادم من خارجه، مؤمن كل الإيمان برسالته، ملتزم بدعوته إلى ضرورة الإصلاح والتجديد في إطار مبادئ وتعاليم الإسلام الصحيحة، فلم تستطع الدوائر الاستعمارية الانفراد بالتوجيه في البلاد الإسلامية، وكان عدد من المفكرين والعلماء المصلحين الذين اضطلعوا بهذه المهمة الشاقة تصدّرهم “جمال الدين الأفغاني”، و”محمد عبده”، و”عبد الرحمن الكواكبي” و”محمد رشيد رضا”، و”محمد إقبال”، و”عبد الحميد ابن باديس” وآخرون، لعبوا أدوارا كبيرة في إرساء أسس الإصلاح والنهضة والتجديد، فشهد العالم الإسلامي نهضة إسلامية حقيقية في العصر الحديث.

إنّ الحركة الإصلاحية والنهضة الإسلامية التي برزت بقوة بفعل مجهود “جمال الدين الأفغاني” ومن جاء بعده أفرزت اتجاها انتهج أسلوب مقاومة الاستعمار ومحاربته في جميع مظاهره الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ودعا إلى الجمع بين الأصالة والإبداع في غير تعارض أي الأصالة والتجديد في إطار المبادئ الإسلامية. فكانت مهمة الاستعمار صعبة رغم كثرة وتنوع الوسائل الإجرامية المستعملة والأساليب المتبعة لتثبيت كيانه عسكريا وسياسيا وفكريا وثقافيا.

من الطبيعي أن يحارب الاستعمار كل حركة أو عمل فردي أو جماعي يسعى للنيل منه، فهو مقبل وباستمرار على زرع روح اليأس والوهن لدى الشعوب المستعمرة، لكنه وجد مقاومة مستميتة وعنيفة من قبل تيار آمن أصحابه بالإسلام وبالرسالة الإسلامية وتنكروا لجميع الأفكار التي تكرس الاستغلال وتقضي على الذات الإسلامية والتاريخ الإسلامي وتراث المسلمين، ورفضوا مساكنة العدو وممالئته والعيش معه بعادات وتقاليد وقيّم دخيلة على حياتهم لا تنسجم مع ما آمنوا به، فتعرضت الصيحات المؤيدة للاستعمار لانتقادات حادة فانتُقدت حركة “أحمد خان” ودعوة “ميرزا غلام أحمد” وانتقدت أساليب المستشرقين وراح النقاد يصنعون المناهج والأساليب لشرح الإسلام وتقوية المسلمين.

نجد كل تلك الانتقادات والشروح والمناهج في كتابات العديد من زعماء الإصلاح والتجديد مثل كتابات، “جمال الدين الأفغاني” في “العروة الوثقى” وكتاب “الرد على الدهرين” وكتاب “تجديد التفكير الديني في الإسلام” “لمحمد إقبال”، وكتب “محمد عبده” وكتابات “محمد رشيد رضا” وغيره .

إنّ ظهور حركة الإصلاح الديني والاجتماعي ارتبط بأوضاع المسلمين في العصر الحديث، ولما كانت الأوضاع الاجتماعية والدينية والسياسية واحدة شملت فكرة التجديد والنهضة سائر البلاد العربية والإسلامية، ومن الطبيعي أن البلاد المستعمرة يطمح مفكروها إلى التحرر من ربقة الاستعمار، فكان هذا الطموح خلف كافة الإبداعات في مجال الفكر والأدب، ووراء كل مشروع  سياسي ووراء كل حديث عن الثورة والسيادة والاستقلال، إلا أن النهضة أو الثورة أو التحرر كل هذا ارتبط بحالات عاطفية نحو هموم الواقع المعاش، فأنجبت الأزمة الشعور الطبيعي بالخطر فتحرك الوعي وتحركت معه الدعوة إلى التجديد والإصلاح.

لقد انطلق الفكر الإصلاحي الديني والاجتماعي مع “محمد بن عبد الوهاب” في القرن الثامن عشر الميلادي، الذي تأثر بفكر كل من “الحنابلة” و”ابن تيميه” وابن القيم” ومدرسة السلف، تأسست “الحركة الوهابية” وانتشرت في المغرب وقامت على الدعوة إلى الرجوع بالإسلام إلى عهده الأول القائم على التوحيد مع ضرورة تخليص تعاليم الإسلام من الشوائب التي أدت إلى تدهور أوضاع المسلمين، فسيطر على كيانهم الركود والجمود، فكانوا عرضة للاستعمار الذي كان يعيش حالة يسودها التقدم العلمي والتقني والاستقرار الاجتماعي .

ظهر في اليمن محمد بن علي التوكاني“، وفي العراق كل من “شهاب الدين محمود” المتوفى سنة 1852م و”محمود شكري” المتوفى سنة 1944م، وفي تونس “محمد علي التونس المتوفى سنة 1859م، ورفاعة الطهطاوي المتوفى سنة 1873م، وظهرت البهائية في إيران والمهدية في السودان التي دعت إلى الجهاد، وكل هذه الحركات أجمعت على العودة بالدين إلى عهده الأول، وحثت المسلمين على أن يشربوا من النبع الصافي لهذا الدين لتعود لهم حريتهم وكرامتهم وهيبتهم ويسترجعون مجدهم السابق في الحضارة والعلم والتقدم والازدهار .

يكاد يتفق الباحثون في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث على  أنّ أول من بعث اليقظة في العالم الإسلامي من سباته بحق هو “جمال الدين الأفغاني” وزرع في أبنائه روح الثورة ودعا إلى إصلاح النفوس والعقول وحارب الجهل والخرافات والدجل، استطاع الرجل بشخصيته القوية أن يؤثر في نفوس العديد من الشغوفين بالتجديد والتغيير في البلاد الإسلامية وعلى رأسهم “محمد عبده” و”محمود سامي البارودي” و”سعد زغلول” وغيرهم من أهل العلم والفكر والأدب والسياسة والدين .

كان “جمال الدين الأفغاني” يدعو إلى الوحدة والتحرير وينبذ الظلم والاستكانة للاستعمار، اختلف مع بعض المصلحين الذين سابقوه وآخرين عاصروه في منطلق الإصلاح، أهي العقيدة أم الحكم والإدارة أم النفس والعقل؟. لئن كان محمد بن عبد الوهاب يرمي لإصلاح العقيدة، ومدحت باشا يرمي إلى إصلاح الحكومة والإدارة، فالسيد جمال الدين الأفغاني يرمي إلى إصلاح العقول والنفوس أولا ثم إصلاح الحكومة ثانيا وربط ذلك بالدين”.[3]

بعد وفاة “جمال الدين الأفغاني” سنة 1897م جاء دور تلميذه “محمد عبده” الذي حمل مشعل الإصلاح والتغيير، واتخذ لنفسه طريق أستاذه ، إذ شغله حال التربية والتعليم فثار في وجه الإتباع والتقليد، ودعا إلى تحرير الفكر والعلم والتربية والتعليم من ذلك، كما دعا إلى إصلاح اللغة العربية مما هي عليه من وهن وضعف وعدم القدرة على الاستيعاب والتطور والتجديد.

صار “للشيخ محمد عبده” أتباع وتلاميذ يرددون ما يقول ويدافعون عن منهجه في الإصلاح وعن الغايات التي يصبوا إليها، استطاع أن يفهم الإسلام، ويعي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة في العالم الإسلامي، ويجمع بين الجديد والقديم – الأصالة والمعاصرة- فكتابه “رسالة التوحيد” وكتاباته في “العروة الوثقى” التي أسسها مع أستاذه “جمال الدين الأفغاني” تكشف بحق عن مستوى الإصلاح ودرجة التجديد اللذين بلغهما “الشيخ محمد عبده” حيث جمع بين النشاط الديني والسياسي وبين الحرية والقدر، واعتبر العقل فضلا إلهيا لا تعارض بينه وبين الدين.

لم يتفق “الشيخ محمد عبده” مع معاصريه في العديد من المسائل، وكانت له مواقف رائدة، فهو يرى أن علم الكلام ليس وسيلة كافية للتأسيس للعقيدة والدفاع عنها، فمنهج القرآن عنده هو الطريق الأصلح لعرض مبادئ وتعاليم الإسلام، لأنه يقوم على الفطرة ويراعي الإقناع، كما دعا إلى التحرر من التبعية المذهبية، وينبذ التعصب ويقرّ بالاجتهاد لمن هو مؤهل لذلك، إن السبيل الذي سلكه ليس إثارة الحماس وشحن العواطف والدفع إلى الاندفاع والمغالبة بل هو طريق يهتم بالتربية والتعليم والتثقيف والتوجيه، وكان يدعوا إلى النهضة ومقاومة الاستعمار، توفي رحمه الله سنة 1905م.

أخذ “عبد الرحمن الكواكبي” على عاتقه كغيره من المصلحين مهمة الإصلاح والتجديد التي شغلت معاصريه، هذه المهمة التي دعت إليها ظاهرة الضعف والتخلف و الصور التي شهدها العالم الإسلامي، لذا وجب تحديد المرض وتشخيصه والبحث عن طرق وأساليب العلاج “الدواء” هو ما عمل لأجله “عبد الرحمن الكواكبي” في كتابه “أم القرى” انتقد السياسات والحكومات كما انتقد الأمة في كتابيه “أم القرى” و”طبائع الاستبداد”.

إنّ ظاهرة الضعف في العالم الإسلامي كما يراها “عبد الرحمن الكواكبي” كامنة في الدين، مثل التحجر والإعراض عن العمل، وفي السياسة كغياب الحرية في الفعل والرأي وفي الحياة الأخلاقية والاجتماعية كالجهل و البؤس والحرمان، دعا لمحاربة الاستبداد والطغيان وإصلاح الراعي والرعية وتخليص الإسلام من البدع والخرافات، دعا إلى الثورة والتغيير وضرورة العودة إلى مشارب الإسلام الصافية، فالنهضة لا تقوم والاستقلال لا يتحقق بدون ذلك، توفي سنة 1902.

من النماذج الأصلية التي كان لها وزن كبير في الفعل النهضوي الإصلاحي في الجزائر وخارج الجزائر “عبد الحميد ابن باديس” الذي يمثل رائد الحركة الإصلاحية في الجزائر خاصة و في العالم العربي والإسلامي بوجه عام، تصدى للاستعمار الفرنسي بالمواجهة في أكثر من جبهة، عوّل كثيرا على تربية النشء وإعداده وتثقيفه ليشرب من النبع الصافي للإسلام من خلال الكتاب والسنة ومما تركه السلف الصالح، فصنع جيلا كانت له الريادة  في المحافظة على الأصالة في الأمة الجزائرية لتثور ضد الاستعمار وعملائه، ودعا إلى النهضة التي تقوم على التربية والعلم، مع ضرورة إصلاح التعليم، ومحاربة الجمود والأوضاع المزرية، وبهذا المنهج يمكن ترقية المسلم الجزائري في حدود إسلاميته التي هي حدود الكمال الإنساني، وحدود جزائريته التي بها يكون عضوا حيّا عاملا في خلق العمران البشري، وحدود عربتيه التي تمنحه مع الجزائرية والإسلامية الشخصية التاريخية الثقافية المميزة”.[4]

آمن “عبد الحميد ابن باديس” إيمانا قويا بأنّ الإصلاح الصحيح يبدأ بالتربية الصالحة التي تصنع إنسانا صالحا يأخذ على عاتقه مهمة المحافظة على ما أنجزه الأولون، ويعمل على الوصول إلى الإبداع، كما أن الإصلاح عملية تقتضي التغيير في داخل الفرد وينعكس ذلك على السلوك، ثم يظهر التغيير في العلاقات وسائر النشاطات الاجتماعية، فتغيّر المجتمع نحو الأفضل مرهون بتغيّر فكر وسلوك الفرد نحو الأفضل، وإصلاح النفوس والأعمال شرط إصلاح الأوضاع داخل المجتمع، “على أن يتجه الإصلاح إلى إصلاح العقائد أولا وإصلاح الأخلاق ثانيا لتقويم النفس وبناء الفضائل، إذا أن الباطن أساس الظاهر وأن منطلق النهضة هو الإسلام الذاتي الذي يقوم على الفكر والنظر والإدراك المميز بين الحسن والقبيح والحق والباطل وأن الطريق إلى الإسلام الذاتي هو التعليم، تعليم الأفراد والجماعات، البنين والبنات، الرجال والنساء”.[5]

تأثر “عبد الحميد ابن باديس” بزعماء الإصلاح والنهضة في العصر الحديث مثل “جمال الدين الأفغاني” و”محمد عبده”، وتأثر بالأوضاع السياسية والاجتماعية والتاريخية للجزائر، أسس “جمعية العلماء المسلمين” التي عملت على تمييز الهوية الجزائرية عن الذات الفرنسية أو الذات المتفرنسة، ورفع شعار التغيير الذي تنظمنه وتدعو إليه الآية الكريمة: ﴿إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.[6] رافضا الانغلاق والتقوقع في الذات من جهة والانغماس والاندماج في الثقافة الفرنسية من جهة ثانية، وسارت حركة الإصلاح والنهضة في الجزائر في هذا الاتجاه الذي كان له دور كبير في بعث الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية ورفع التحدي أمام القوة الاستعمارية فكانت المعركة وتحقيق الاستقلال.

إنّ الدعوة إلى الإصلاح مرتبطة بالظروف التاريخية التي عرفها العالم العربي والإسلامي، فمحاولة “مصطفى كمال أتاتورك” فصل الدين عن الدولة وعن السياسة في سنة 1924م وإلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا وتأثير ذلك العالم الإسلامي عرّضه إلى تطاحن فكري بين التيار المحافظ وتيار التجديد.

إنّ التيار المحافظ بزعامة “محمد رشيد رضا” المتوفى سنة 1953م و”شكيب أرسلان” المتوفى سنة 1946م و”حسن البنا” المتوفى سنة 1949م دعا إلى تجاوز التقليد وإلى الجمع بين الدين والعلوم الطبيعية وإلى تعلم اللغات الأجنبية وإصلاح نظم التربية والتعليم بما ينسجم مع القيّم والتقاليد الموروثة، لأن الاستسلام للحضارة الغربية لا يجلب سوى الشقاء والاضطراب وضياع الذات والتمكين للاستعمار. أما تيار التجديد الذي هو نتيجة فعل وتأثير التقدم العلمي متمثلا في آراء عديدة لدعاة كثيرين أمثال: “قاسم أمين” المتوفى سنة 1908م الذي دعا إلى بناء المجتمعات العربية الإسلامية على علوم العصر ونتائجها وإلى تحرير الأفراد من الجهل خاصة المرأة. و”أحمد لطفي السيد” الذي دعا إلى عزل الدين عن السياسة وقال باستحالة إقامة قومية على مبادئ الإسلام و”علي عبد الرازق” المتوفى سنة 1966م الذي طالب بفصل الدين عن الدولة في كتابه الإسلام وأصول الحكم“، وأشاد بحركة “مصطفى كمال أتاتورك”، ثم جاء “الأديب طه حسين” الذي فُتن بالمدنية الغربية ودعا إليها، واتسع نطاق الحركة الإصلاحية ليشمل بلاد المغرب العربي و”عند عبد الحميد ابن باديس” في الجزائر المتوفى سنة 1940م وعند الفاسي في المغرب المتوفى سنة 1972م.

إنّ الطابع الشمولي الذي اتسمت به الحركة الإصلاحية الحديثة في العالم الإسلامي جعلها تتخطى حدود الجزائر أو مصر أو الهند لتشمل العالم الإسلامي أجمع خاصة وأنّ المشرق العربي ومغربه كان تحت وطأة الاستعمار الأوروبي الذي حمل معه معالم حضارية تتضمن عناصر هوية المستعمر وأساليبه الرامية إلى طمس معالم الشخصية الإسلامية والعربية من خلال حملات تبشيرية وسياسية وثقافية، تصدى لها زعماء الإصلاح في الغرب والشرق، فكان “لمالك بن نبي” دور ريادي في رفع التحدي والالتزام بالرسالة والنهوض بالمسؤولية في التأسيس للإصلاح والتجديد والنهضة والثورة، لأجل بناء جيل قويّ بالإيمان والأخلاق والعلم وثابت على مبادئ الوحدة والهوية والتاريخ، تأثر كغيره بالفكر الإصلاحي الحديث في العالم الإسلامي، فألم به واستوعبه وقال فيه رأيه.

من كبار المصلحين في المشرق الإسلامي “محمد إقبال” المتوفى سنة 1938م الذي تمسك بقوة بفكرة العودة إلى الذات وإعادة بناء التفكير الديني، وقام “محمد إقبال” بدراسة تحليلية تقييمية للحركات الإصلاحية الحديثة التي شهدها العالم الإسلامي فيعتبر “ابن تيميه” من كبار المصلحين الذين فتحوا باب الاجتهاد، كما قارن بين وضع المسلمين ووضع أوروبا الديني البروتستانتي، كما درس الإصلاح في العالم الإسلامي وفي أوروبا، استنتج أن معظم المحاولات الإصلاحية في العالم العربي والإسلامي لم تبلغ درجة النظرية ولم تصل إلى مستوى النسق الفلسفي ذي الطابع الشمولي، ذلك ما دفع “محمد إقبال” إلى تبني مشروع التجديد والإصلاح وحرص على تطبيقه وألّف لهذا الغرض كتابا بعنوان تجديد التفكير الديني في الإسلام“، وقال في منهجه الإصلاحي: إني حاولت أن أعيد بناء الفلسفة الإسلامية معتمدا على التراث الفلسفي في الإسلام وعلى أحدث التطورات في مختلف ميادين المعرفة الإنسانية.[7]

انتقد “محمد إقبال” دعاة التجديد في الشرق، إذ يقول فيهم: إنني يائس من زعماء التجديد في الشرق فقد حضروا في نادي الشرق بأكواب فارغة، بصناعة مزجاة في الفكر والعلم، إنّ البحث عن برق جديد في هذا السحاب عبث وإضاعة للوقت فقد  تجرد هذا السحاب الجهام عن البرق القديم فضلل عن البرق الجديد.[8]

انتقد بشدة “محمد إقبال” ما دعا إليه “مصطفى كمال أتاتورك” معتبرا إياه غير مفيد للعالم الإسلامي وكان مفيدا لأوروبا من قبل، ويقول في هذا الموضوع: إننا نرحب من أعماق قلوبنا بتحرير الفكر في الإسلام الحديث، ولكن ينبغي أن نقرر أيضا أن لحظة ظهور الأفكار الحرّة في الإسلام هي أدق اللحظات في تاريخه، فحرية الفكر من شأنها أن تنزع إلى أن تكون من عوامل الانحلال…أضف إلى هذا أن زعماء الإصلاح في الدين والسياسة قد يتجاوزون في تحمسهم لتحرير الفكر الحدود الصحيحة للإصلاح ، إذا انعدم ما يكبح جماح حميتهم الفتية.[9]

لم يكن فقط في الجزائر “عبد الحميد ابن باديس” من حمل راية الإصلاح ودعا إلى التجديد بل ترك جيلا التزم بالرسالة والمسؤولية، ولازال يناضل ويؤثر، ولاشك أن مفكرا “كمالك بن نبي” قد تأثر بالفكر الإصلاحي في الجزائر وفي كل قطر من أقطار العالم العربي والإسلامي، خاصة وأنّ الظروف التي شهدتها حياته، هي واحدة ومتماثلة إلى حد بعيد لدى أبناء الأمة العربية والإسلامية فكريا وسياسيا واجتماعيا، وهي ظروف مليئة بالتخلف والانحطاط والانعزال، اهتم مالك بشدّة بقضايا أمته، والصعوبات التي تواجهها في سبيل النهوض من جديد، فدفعته تلك إلى تحليل الواقع وتقصى التاريخ وبمنهج علمي استلهمه من انتماءه الديني ومن تكوينه العلمي والتقني، وأبدى آرائه ومواقفه في كتابات عديدة وضعها جميعا في سلسلة مشكلة النهضة ومشكلات الحضارة.

من الموضوعات التي شغلت بال “مالك بن نبي” الفكر الإصلاحي الديني والاجتماعي الذي شهده العالم العربي والإسلامي، والمصائب التي حلّت به، فدرسه وحلله، فهو  يرى أن الدعوة إلى النهضة والإصلاح والتجديد التي شغلت بال المصلحين المحدثين تعالج موضوعات كثيرة مثل الاستعمار والجهل هنا، والفقر والبؤس هناك، وانعدام التنظيم، واختلال الاقتصاد أو السياسة في مناسبة أخرى، ولكن ليس فيها تحليل منهجي للمرض، أعني دراسة مرضية للمجتمع الإسلامي، بحيث لا تدع مجالا للظن حول المرض الذي يتألم منه منذ قرون.[10]

إنّ الرأي الشخصي أو المزاج أو المهنة حسب “مالك بن نبي” معطيات لا تسمح بإقامة الموضوعية في التحليل والتصور والتفسير، فكل مصلح وصف الوضع وحلله تبعا لمعطى ذاتي معين، فرأي رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني: أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما رأي رجل دين كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ …الخ على حين أن كل هذا التشخيص لا يتناول في الحقيقة المـرض بل يتحدث عن أعراضه“.[11]

لعلّ أهم ما شغل بال مالك بن نبي وجعله من المفكرين القليلين يضعك في سياق بن خلدون الذي تقدّم على زمانه، موقفه من الحراك الإصلاحي الإسلامي في عصره، إذا كان مفكرو النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي اضطلعوا بالدفاع عن الهوية وتحسين صورة الإسلام وشرح تعاليمه في وجه الهجمات التي يتعرض لها باستمرار وفي وجه مساوئ الأيديولوجيات الأخرى الغربية والشرقية، ففلسفة الحضارة والتاريخ لدى بن نبي تجاوزت موضوع الهوية والدفاع عن الدين وانصبت على تحليل الواقع المعيشي بمنهج علمي يركز بالدرجة الأولى على أسئلة الحضارة:

– ما هي الحضارة؟

– ما هي شروطها؟

– ما هي موانعها؟

– لماذا خرج المسلمون من الحضارة؟

– كيف يعودون إليها؟

وهي أسئلة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية لصيقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، انصرف عنها رواد الإصلاح في العالم العربي والإسلامي الحديث واكتفوا ببذل الجهد في توصيف الوضع القائم ورصد سلبياته وشرح الإسلام ومحاولات التوفيق بينه وبين منتجات الحضارة الغربية الحديثة، وتراوحت اتجاهات الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر بين مؤيد للغرب ولحضارته وبين معارض لهما وبين من يقف في الوسط مضطلعا بالتوفيق والتلفيق، ولم تمس صميم مشكلة التخلف وأزمة النهضة.

إنّ البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في فكر مالك بن نبي وارتباطه بالواقع المعيشي وبالمنهج العلمي هو الذي انتهى به إلى إرساء نظرية الحضارة التي تجاوز بها مفكري عصره، واكتشف قصور الفكر الإصلاحي النهضوي المرتبط بالإسلام وفشله في حل مشكلة النهضة التي هي في أصلها مشكلة حضارة وليست مشكلة تخلي عن الدين، ففي الدين عوامل الحضارة وأسباب النهوض والأمر يعود إلى فهم الدين والتعاطي معه، فالتخلف مثل التحضر يحل بالمسلم وبغير المسلم، والإسلام عامل تحضر إذا تمكّن المسلمون من تحريكه نحو الإقلاع والبناء الحضاريين، وإلاّ كيف نفسر تخلّف المسلمين وتقدم غيرهم، فالإسلام ليس مجرد شعارات تُرفع ونسك تُقام وشروح تُبرز محاسنه وتفند أقاويل ودعاوى خصومه وأعدائه، بل الأمر يتعلق بالمنهج الإسلامي المتبع من طرف المسلمين في التعاطي مع الواقع والحياة عامة.

سلسل مالك بن نبي جميع كتاباته بالفرنسية والعربية تحت عنوان مشكلات الحضارة ،وكان حريصا على تحديد الوضعيات وطرح المشكلات بدقة وتحليل الوقائع باستخدام المنهج العلمي والصرامة المنطقية، ركز على الحضارة وقدم نظريته فيها مستخدما أوضاع العالم المتخلف بصفة عامة وظروف العالم العربي والإسلامي بصفة خاصة ،انتقل بفكر متميز له خصوصياته المنهجية والعلمية ونجح أيّما نجاح في تشخيص الداء وتحديد الدواء لشعوب مريضة بالتخلف والضياع ولا نجد سوى الحضارة والتجديد الحضاري لتتجاوز محنتها.

2– فكر بن نبي في أعين معاصريه

ومكانة “مالك بن نبي” وقيمة منهجه في البحث والطرح والمعالجة وفي المراجعة والنقد والتقويم ووزن فلسفته الإصلاحية ودور فكره وأهمية التجديد الحضاري عنده كل ذلك تبلور في موافق المفكرين والباحثين الذين عاصروه أو قرءوا له، فهذا هو يقول عن نفسه : “كان مولدي في الجزائر عام 1905، أي في زمن كان يمكن فيه الاتصال بالماضي عن طريق آخر من بقي حيّا من شهوده، والإطلال على المستقبل عبر الأوائل من رواده. هكذا إذن فقد استفدت بامتياز لا غنى عنه لشاهد، حينما ولدت في تلك الفتـرة”.[12] ويقول كذلك عن واجبه وعن رسالته نحو أمته: “إنني حضرت إلى القاهرة للقيام بواجبين: أحدهما يخص مهمتي كاتبا يريد نشر كتاب “الفكرة الإفريقية الأسيوية” وقد يدلكم عنوانه على صلته بالقضية الجزائرية، سواء اعتبرناها من الناحية الداخلية “توجيهات تخص الكفاح” أو من الناحية الخارجية “كنشر هذه القضية في المجال الدولي” وأما الواجب الثاني الذي حضرت من أجله إلى القاهرة، فهو يتعلق بشخصي بصفتي جزائريا أسهم في الكفاح ضد الاستعمار منذ ربع قرن، ويأتي الآن كي يواصل هذا الكفاح تحت راية الثورة الجزائرية”.[13] ويقول في كونه مصلحا: “كنت أعيش بباريس وأحمل بها وحدي لواء الإصلاح في وجه العواصف والأعاصير التي كان يثيرها الاستعمار على خصومه”.[14]

يذكر العديد من المفكرين فكر وفلسفة ومنهج “مالك بن نبي” وينعتون ذلك بالقوة والمتانة والدقة واليقين، وهذا “الأستاذ راشد الغنوشي” يعتبر مالك بن نبي” “مدرسة في الفكر  الإسلامي الحديث، لم ينصب فكره على النص الإسلامي، وإنّما على مناط تطبيقه على المجتمع من إعادة بناء الحقيقة الموضوعية في نظر العقل السلم، بالكشف عن سنن البناء الحضاري وتطوره في اتجاه القوة والضعف فمالك يرى أن الحضارة ليست نظرية  في الفلسفة وفي المعرفة عامة مهما كانت جميلة ومتناسقة حتى ولو كان الإسلام ذاته، وإنما الحضارة إنجاز في عالم الزمان والمكان، ثمة تفاعل فكرة مع واقع بحسب شروط موضوعية لا تتخلف”.[15]

يصف شخصية “مالك بن نبي” وخصاله أحد تلاميذه المقربين “الأستاذ عمّار طالبي” وقد اتسم فيما يرى التلميذ أستاذه “بفكر حاد، وذهن نفاد يعاني و يفكر ففكره فكر حي، فعاّل مركز، تغلب عليه الصور العقلية، لا الصور اللّفظية، فيما يتكلم و فيما يكتب. يشعر في أعماقه بأن له رسالة وبالرغم من الصعاب التي واجهته في حياته الشاقة، فإنه لم يتزلزل في يوم، ولم يشعر بأن عليه أن يترك رسالته، ويلقي بعبئها، وشخصيته شخصية أخلاقية ملتزمة بالأخلاقية الإسلامية الصافية، ذو أصالة وهمّة عالية، وأنفه شامخة، عوده لا يلين في الحق، و قلبه لا يخشى فيه لومة لائم، و لعل تكونيه الرياضي والعلمي وسمه بالوضوح، لا لبس فيه، وذلك في يقيني ما أصّل فيه فضائله العقلية ورسّخ ميزاته الأخلاقية”.[16]

تألّق نجم “مالك بن نبي” في فضاء فلسفة الحضارة فـي عصرنا الحاضر، و”طرح أفكارا أو فرضيات كثيرة في غاية الأهمية، لكن الثقافة الفقهية والوعظية والمنهجية الآلية أو الحرفية في التعامل مع الوحي والواقع والتراث والمستقبلهمشّت هذه الأفكار الجنينية الهامة وحرمتها من النمو الطبيعي، واستكمال نضجها، وإفادة الأمة بها، في وقت هي أشد ما تكون احتياجا إليها. وبهذا وقع له مثلما وقع لابن خلدون قبله عندما لفّه ليل الانحطاط الحضاري، ولم تمكن ظروف الأمة أفكاره الجديدة من النمو والتبلور والنضج والتمثل في واقع الأمة. وللعلماء الاجتماعيين المسلمين مسؤولية كبيرة في ربط حلقات هذه المدرسة الحضارية، ومواصلة تأكيد حضورها، وتحويلها إلى محور ارتكاز أساسي في المنظومة الثقافية للحركة الإسلامية والأمة عامة، باعتبارها المصب الحتمي لبقية الروافد الفكرية الأخرى في عملية البناء الحضاري”.[17]

يذكر خصاله العديد من الباحثين والمفكرين، فهو عندهم “ليس كاتبا محترفا، أو عاملا في مكتب مكبّا على أشياء خامدة من الورق والكلمات، ولكنه رجل شَعَرَ في حياته الخاصة بمعنى الإنسان في صورتيه الخلقية و الاجتماعية. وتلك هي المأساة التي شعر بها بن نبي بكل ما فيها من شدة، وبكل ما صادف من تجاربه الشخصية النادرة من قساوة. وهي التي تقدم المادة الأساسية لمؤلفاته سواء “الظاهرة القرآنية” أو الدراسة“.[18] التي يقدمها اليوم كأنشودة بهيجة يحي بها “كوكب المثالية” الذي يسجل فجر الحضارات منذ العصور المظلمة…وتكوين المؤلف كمهندس قد ساعده دون شك في التصور الفني للأشياء، ولكن ثقافته المزدوجة تسمح له بأن يصل هذا التصور بالخطة الإنسانية… ونضيف إلى هذا أن الأمر لا يتعلق بعمل مفيد للجزائر فحسب، لأن هذه الدراسة تتعدى بعبقريتها حدود الجزائر، لكي تضم مجال العالم الإسلامي كله، حيث أنّها تتضمن المشكلة الإنسانية في سائر عناصرها ونحن نأمل أن تخدم هذه الدراسة سير النهضة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، للذين يجب أن تتوافق صحوة ضميرهما مع ضابط النغم في الضمير العالمي، الذي يبحث بصورة مؤثرة عن وسائل طمأنينته في طريق السلام والديمقراطية”.[19]

لقد كان “مالك بن نبي” ناقدا، انتقد حركة النهضة ونظر إليها نظرة تحليلية، وأبرز فيها المساوئ والمحاسن، كما انتقد وضع المسلمين وما آل إليه حالهم من تعاسة وبؤس ومن انحطاط حضاري، واهتم كثيرا بقضية الإصلاح والتجديد، وتمحور فكره على مسألة الحضارة التي أهتم بها المفكرون المسلمون في العصر الحديث، مثل “جمال الدين الأفغاني” و”محمد عبده” وغيرهما، هؤلاء الذين انتقد فكرهم “مالك بن نبي” واكتشف عيوبا منهجية في حركة الإصلاح عندهم، ومع تقديره للكثير من الجوانب الإيجابية فيها فهو يرى “بأن الحركة الإصلاحية لم تهتم بالفكر باعتباره أداة إيجابية ذات فعالية و حركة، ولكنها نظرت إليه باعتباره زينة وترفا فافتقدت الفعالية المطلوبة التي تعتبر عنده من الأسس الأولى التي يجب الاهتمام بها ليكون للفكر أثره الإيجابي”.[20] ويتسم “مالك بن نبي “في فكره حسب أحد المفكرين المقربين إليه “الدكتور محمد المبارك” بأنه “ليس مفكرا كبيرا وصاحب نظرية فلسفية في الحضارة فحسب،  بل داعيا مؤمنا يجمع بين نظرة الفيلسوف المفكر ومنطقه، وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره، وإنّ أثاره في الحقيقة تحوي تلك الدفعة المحركة التي سيكون لها في بلاد العرب أولا وفي بلاد الإسلام ثانياً أثرها المنتج و قوتها الدافعة، وقلما استطاع كاتب مفكر أن يجمع بين سعة الإطار والرقعة التي هي موضوع البحث، وعمق النظر والبحث وقوة الإحساس والشعورإنه ينهل من نفحات النبوة ويتابع الحقيقة الخالدة”.[21] ويقول عنه “الأستاذ أنور الجندي” : مالك بن نبي يختلف كثيرا عن الدعاة المفكرين والكتاب، فهو فيلسوف أصيل له طابع العالم الاجتماعي الدقيق الذي أتاحت له ثقافته العربية والفرنسية أن يجمع بين علم العرب وفكرهم المستمد من القرآن والسنة والفلسفة والتراث العربي الإسلامي الضخم وبين علم الغرب وفكرهم المستمد من تراث اليونان والرومان والمسيحية”.[22]

يستخلص الباحث من دراسته لأفكار مالك بن نبي حول الحضارة والتخلف والثقافة والإصلاح والتجديد، أنّه المفكر والفيلسوف، والناقد والمصلح. يحتل فكره مكانة بارزة في الحركة الإصلاحية الإسلامية المعاصرة، وتمثل نظريته في الحضارة والتاريخ اجتهادا في الفكر والفلسفة لم يسبق إليه أحد قبله، انبثق هذا الاجتهاد الفلسفي من الإسلام والفكر الإسلامي وواقع العالم الإسلامي والشعوب المتخلفة عامة من جهة، ومن الحضارة الغربية والفكر الغربي من جهة ثانية، إن مالك بن نبي يمثل بحق رائد فكر وصاحب تجديد وواحدا من كبار دعاة الإصلاح والتجديد والحضارة.

إنّ المتصفح لفلسفة “مالك بن نبي” في الإصلاح ولنظريته في الحضارة والتجديد، يكتشف عالما فكرياً فلسفياً مليئاً بالمفاهيم وغنياً بالتصورات وفريداً في نوعه وجديداً في العديد من جوانبه، خاصة فيما يتعلق بالحضارة وعناصرها وشروطها وأطوارها، فهو يري أن ظاهرة التخلف ليست طبيعية في البشر، بل تعود إلى أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وتستفحل عندما تغيب الشروط والأدوات اللاّزمة للنّمو الفكري والأخلاقي والاجتماعي، هذا النًمو هو السبيل إلى التحضر، تقابله مجموعة من المشاكل والوضعيات والظروف الفاسدة المنهارة في حياة الفرد والجماعة في جميع جوانبها الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، هذه المشاكل والظروف والوضعيات ترتبط بظاهرة التخلف والانحطاط، وتقوم الحضارة باعتبارها إطاراً يضمن لكل فرد داخل المجتمع مطالبه وحاجاته في كل طور من أطوار وجوده، بإعطائه الأدوات واللوازم الضرورية للمجتمع النامي المالك لقدرات فكرية واجتماعية واقتصادية إرادة استعمال سائر القدرات في حل المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلف، والحضارة هي التي تكوّن هذه القدرة وهذه الإرادة معًا، وهما لا تقبلان الانفصال عن دور المجتمع النامي، فالحضارة هي شرط إيجاد القدرة والإرادة لتجاوز التخلف والتدهور في ذات الفرد وفي مجتمعه، وهي ترتبط بالإنسان والتراب والزمن والفكرة الدينية التي تجمع بين العناصر الثلاثة في مركب واحد هو الحضارة. ولها عمر وأطوار هي: طور الروح، طور الأوج، و طور الأفول، تسبقها مرحلة ما قبل الحضارة وتليها مرحلة ما بعد الحضارة، لكل واحدة من المرحلتين خصائص ومميزات، وتشترط الحضارة التغيير على أسس القاعدة الإلهية التي تعبر عنها الآية القرآنية: ﴿إنّ الله لا يغيرّ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾.[23]

ظاهرة التغيير مجالها النفس أولا ثم المحيط الخارجي ثانيا، تشرط القدرة على الإبداع والقدرة على الإنتاج، ولا تقوم على التكديس والاستيراد بل على البناء، وأن تلد الحضارة منتجاتها لا العكس، لأنّ العكس يستحيل منطقيا وماديا، ويغرق المجتمع في الشيئية من جهة وفي المديونية والتبعية الحضارية من جهة ثانية، وتشترط التوجيه الأخلاقي والعملي والفني الجمالي، وهي شروط تضمن الانسجام والتكامل بين المجهود الإنساني المبذول في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع مع سنن وقوانين الآفاق والهداية والتطلعات، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تكفل تلك الشروط التكامل والانسجام بين المجهود الإنساني والسنن الكونية مع جملة الشروط النفسية والاجتماعية والروحية والمادية من أجل النمو والازدهار في جميع مجالات الحياة الإنسانية.

الحضارة بالمعنى المذكور هي فعل بنائي تقتضي أُسُساً فكرية وروحية وجهوداً كبيرة في عالمي الأشخاص والأشياء، وذلك يشترط مخطط تربية يهدف إلى تغيير الإنسان في الداخل وفق شروط معينة ليتمكن من أداء دوره في المجتمع ويحقق البناء الحضاري.

إذا كانت الحضارة بناء لا تكديسا واستيرادا فهي فاعلية إنسانية تقوم على تغيير الإنسان في عالمه النفسي أولا ثم تغيير محيطه ثانيا، وتحصل هذه الفاعلية بتوفر جملة من الشروط والعوامل النفسية والاجتماعية والروحية والمادية، وبتوفر الإرادة والقدرة على إبداع المعرفة وإنتاج الأشياء، واستغلال ذلك لخدمة الإنسان وضمان راحته، ولفصل الحضارة الحقيقية عن الحضارة المزيفة، فالأولى تلد منتجاتها أما الثانية فهي من صنيع منتجات حضارات الغير، والتجديد الحضاري ظاهرة إنسانية ترتبط بالحضارة وبشروطها وعناصرها وأطوارها وازدهارها وتكون سابقة على الحضارة فتصنع النمو والتحضر والازدهار، كما تكون ملازمة لها فتستمر في تنميتها وتطويرها، وقد تكون سببا في انهيارها وأفولها، والمقصود هنا عندما تبلغ الحضارة طور العقل يضعف سلطان الروح وتسترد الغريزة نفوذها فتهوي بالإنسان إلى حضيض الحيوانية حيث شريعة الغاب.

لقد تميزت نظرية الحضارة عند “مالك بن نبي” بجملة من المميزات التي لم يشهدها مصلح آخر في فكره الإصلاحي، فهي نظرية انبثقت من تحليل تميّز إلى حدّ بعيد بطابعه العلمي، وبالدقة والعمق والموضوعية، والواقعية في طرحه ومعالجته للمشكلات والظواهر في حياة الفرد والمجتمع، كما تميزت الحلول التي جاء بها لتلك المشكلات والتصورات التي خرج بها من دراساته وبحوثه المعمقة للتاريخ والواقع بالقوة لارتباطها بالعلم والواقع والتاريخ والدين، و تميّز منهجه في البحث بطابعه العلمي وبتنوعه، فهو يستخدم المنهج الرياضي وطريقة المؤرخ ومسلك عالم الاجتماع وسبيل الكيميائي وغيرها، هذا ما زاد في متانة وقوة أفكاره ودقتها، وزاد في انسجام هذه الأفكار والتصورات مع ما يجب فعله في العمل الإصلاحي التجديدي.

تمثل نظرية “مالك بن نبي” في الحضارة، إستراتيجية إصلاحية تجديدية تستهدف تغيير الواقع الإنساني عامة وواقع العالم المتخلف ـ العالم الإسلامي جزء منه ـ بصفة خاصة، بحيث تضع بين يديه آلية فكرية نظرية للخروج من التخلف وبلوغ مستوى الحضارة، فهي مشروع منهج وضعه صاحبه للقضاء على ظاهرة التخلف بعدما درسها وكشف عن عوامل وأسباب وجودها، ولغرض الوصول إلى الحضارة بعدما درسها وكشف عن قوانينها وآلياتها الروحية والمادية. تميّز هذا المنهج بالقوة والمتانة لارتباطه بالعلم والدين والتاريخ، وبقوانين هذه الأطر الفكرية والروحية باعتبارها مصادر توجيه وقيادة في حياة الإنسان، ولارتباطه بالفكر الإنساني القديم والحديث وبواقع الإنسان المعاصر في العالم المتقدم بما له وما عليه، وفي العالم المتخلف بما عليه، وخاصة في العالم الإسلامي الذي لا ينقصه سوى تطبيق المناهج الكفيلة بإخراجه من عالم الانحطاط وتمكينه من الحضارة، وهو أمر ليس بعسير على إنسان بين يديه كافة شروط التحضر. فهو منهج في الإصلاح يستند إلى رؤية فلسفية إلى الإنسان والحضارة والتاريخ، وإلى فكر اجتمعت فيه الأصالة مع التجديد، فكان مشروع خطة للنهضة وللصحوة وللحضارة، ونموذجا من نماذج الفكر الإصلاحي لا يستهان به، بل يقدر حق قدره لِمَا لصاحبه من نظرة ثاقبة وقدرة على الطرح والتحليل والنقد والاستنتاج، ولما لهذا المنهج من تكامل بين عناصره، ومن انسجام مع ما تقتضيه مستلزمات البناء التاريخي والنهضة الحضارية.

خاتمة

لقد تبيّن لي وبوضوح من قراءتي لبعض الجوانب الهامة في فلسفة الحضارة والتاريخ عند “مالك بن نبي”، أن ما يجمع بين لمحاولته ومحاولات غيره من مفكري الإسلام في العصر الحديث والمعاصر الكثير، ويتعلق الأمر بالظروف التاريخية الزمنية والمكانية التي هي الواحدة والمتشابهة، والتي فيها نبتت فكرة الإصلاح عندهم، فهي واحدة تماما، حيث الإسلام والاستعمار والتخلف في العالم الإسلامي من جهة والحضارة والعلم والتكنولوجيا في أوربا الحديثة والمعاصرة من جهة أخرى، هذا الذي شكل روافد و مصادر الفكر الإصلاحي في عصرنا، وأوجد وحدة في المبادئ والأهداف والتطلعات، والاختلاف بين المحاولات ليس في الجوهر أو في الأساس أو في الهدف، بل في بعض الجوانب التي تخص طبيعة البحث والدراسة وطبيعة الإصلاح ومنهجه، ونوع المحاولة وخصوصياتها.

فالبحث عند “مالك بن نبي” جاء ذا طابع علمي واقعي، وجاء الإصلاح بطابع اجتماعي علمي واقعي تاريخي، وجاء منهج البحث يقوم على التغيير في الفرد والمجتمع، وعلى القضاء على أسباب التخلف والأخذ بأسباب الحضارة كما هي في نظرية الحضارة، كما يقوم على التوجيه الديني والأخلاقي والعملي مع الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين العلمية والحضارية، ولم تكن المحاولة خاصة أو موجهة لفئة بعينها بل جاءت عامة تشمل العالم المتخلف والعالم العربي والإسلامي جزء منه لكونها مشروع تحرر واستقلال وإصلاح ونهضة وتحضر، وهو مشروع يعني أي عالم متخلف يحتاج إلى الخروج من التخلف وأي أمة تسعى نحو الريادة.

جاءت فكرة التجديد والإصلاح في المشروع نتيجة واقع المسلمين المتردّي، وتُشكّل محاولة فكرية لتغيير النفس والفكر والواقع في العالم الإسلامي، تميزت بالقوة لارتباطها بالإسلام وبالعلوم المزدهرة وبالفكر الإسلامي، وتُشكل رؤية فلسفية إلى الإنسان والحياة والتاريخ والحضارة، وتمثل مشروع خطة ذات طابع فكري نظري، للنهضة وللتجديد ولبناء الحضارة، وللدخول إلى التاريخ، وإلى حلبة المعترك الحضاري، واحتلال أمة الإسلام لمكانتها اللائقة بها في إطار الحوار والتواصل الندّي الحضاريين.

إذا كان الفكر الإصلاحي عند مالك تميز بالقوة والمتانة نظرا لصلته المباشرة بواقع وحياة المسلمين في العالم الإسلامي المعاصر، ولتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم وبالتاريخ، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة، فما أحوج العالم الإسلامي المعاصر إلى المشروع للتجديد ولبلوغ السمو الروحي والأخلاقي، ولبناء حضارة تلد منتجاتها الفكرية والمادية، ولضمان التوازن بين المثال والواقع، بين الروح والمادة، وبين الدين والدولة، ذلك هو عين التحضر وقمّته، وهو مبتغي الإسلام ومقصده، فالحضارة هي التمكين لقيّم ومبـادئ الإسلام على أرض الله.

الهوامش:

[1] – محمد عبد السلام الجفائري: مشكلات الحضارة عند مالك بن نبي،ص20-21

2- محمد البهي:الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ص37.2

3– أحمد أمين:زعماء الإصلاح في العصر الحديث،ص59.

4– عمار طالبي:آثار ابن باديس،ص62.

5– المرجع السابق: ص240-242.

6– قرآن كريم: سورة الرعد، الآية11.

7– محمد إقبال:تجديد التفكير الديني في الإسلام،ص4.

8– المرجع السابق:ص88.

9- المرجع السابق:ص187.

10- مالك بن نبي: شروط النهضة، ص58.

11 المرجع السابق: ص58.

12- مالك بن نبي: مذكرات شاهد القرن، ص15.

13- مالك بن نبي: في مهب المعركة،ص 120

14- المرجع السابق: ص120.

15- نقلا عن الطيب برغوث:موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص3.

16- عمار طالبي:مقال “مالك بن نبي والحضارة”، مجلة الثقافة، السنة الثالثة، العدد18، سنة 1973.

17- الطيب برغوث: موقع المسألة الثقافية من إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص8.

18- المقصود بالدراسة كتاب”شروط النهضة” لمالك بن نبي.

19-  محمد عبد السلام الجفائري:مشكلات الحضارة عند مالك بن نبي،ص48.

20- مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص13.

21- محمد عبد السلام الجفائري:مشكلات الحضارة عند مالك بنبي،ص48.

22- الدكتور أسعد السحمراني: مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا، ص 22.

23- قرآن كريم: سورة الرعد، الآية11.

 

* أستاذ محاضر بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف، الجزائر



.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق