ثقافة السرد

رقابة ذاتية: خمس قصص قصيرة جدا

محمد اللمداني*

جلس يكتب.. أشعل سيجارته، أمسك بالقلم، بدأ يخط كلماته على الأوراق الملونة، فهو لا يحب الكتابة على الأوراق البيضاء.. ملأ صفحات عديدة..كتب الخاتمة..لقد انتهى. بدأ بإعادة قراءة ما كتب.. شطب السطر الأول.. الثاني… الصفحة الثالثة.. بدأ القلم يختصر الكثير من الجمل.. إنه لا يحب أن يتعرض لأية ضغوطات.. أنهى ما أراد اختصاره، وجد ما تبقى عدة أسطر، لا تتجاوز نصف صفحة. مزق الأوراق..أطفأ الأضواء..و ذهب لينام.

2

غدا سيلتقي مسؤول هام بالصحافيين،فهناك أمور مهمة مستجدة،ولا بد من التحدث بها.

دخل المسؤول الهام،حوله مجموعة من الرجال المدربين، النظارات السوداء على عيونهم، وجوهم تتلفت في كل الاتجاهات.

القاعة ممتلئة..وقف الجميع..صفق الجميع.. جلس المسؤول و العيون السوداء تغطي المكان.

وأخيرا.. بعد الكلمات الكثيرة المرحبة، وقف ليتحدث.

أسمعُ كثيرا عن ضرورة حرية الرأي و التعبير، تطالبون .. تصرخون.. لا أعرف لماذا، كل هذا التهريج، وهذه الزوبعة، إنني أريد أن أسألكم، هل هناك صحفي واحد، أو مفكر، أو كاتب مُنِع من التعبير عما يريد.. إنني لا أعرف لماذا هذا الصراخ.

توقف الكلام.. تأهب للذهاب..

وقف الجميع.. صفق الجميع..

همس بأذن صاحبه.. هل قصصت من مقالك كل شيء هام.

3

قررت اليوم أن أتوقف عن الصمت، لابد من الخروج من هذا المأزق..

الجميع يطبل..الجميع يهلل.. وكل شيء يسير من سيء إلى أسوأ.

لقد كرهت هذا الصمت، حتى القلم بدأ يصاب بالغثيان مما أكتب، فكل كتاباتي..استقبلَ..ودعَ..جلسَ، ذهبَ، هناك شيء واحد لا يتم الإعلان عنه، متى يذهب لقضاء حاجته.

لم أعد أطيق هذا.. أكاد أنفجر.. إن قلبي يعتصر، لا حديث إلا عن التفاهات.

إنهم لا يرون الفقراء المنتشرين في كل مكان.. المتسولون ملئوا الشوارع، ماسحو الأحذية، الجميع يلاحقك في الشارع.. يريدون الخبز أو ثمن ليلة في العراء..أشعر بالانفجار..صوت حاد يمزق الصمت..بقعة حمراء على الأرض ..توقف الانفجار.

4

أخيرا..لقد وافق على استقبالي..

إن الملف في يدي جاهز..عندما أدخل عليه، سأرميه في وجهه، فالأوراق هي التي تتحدث، لاأريد أن أتكلم.. شهاداتي.. خبرتي.. كل شيء في الملف، إن الأوراق هي عصارة سنوات و سنوات من التعب و الجهد و العذاب.

لقد تجاوز الوقت أكثر من ساعة، و بين لحظة و أخرى أراهم ينادون على هذه الفتاة أو تلك، لقد تجاوزني الجميع، تدخل إحداهن..تخرج بعد قليل مكياجها باهتا وابتسامة بلهاء تغطي وجهها.. يبدو أنهن حصلن على عمل.

عقارب الزمن تدور و تدور.. وأنا في مكاني انتظر..

أخيرا.. جاءتني فتاة تمضغُ شيئا في فمها..تضع عشرات الألوان على وجهها.. أخبرتني أن الأستاذ يعتذر، و بأن طلب المقابلة لاغي، لم أُدهش، لأني لا أضع أي مكياج.. لم تُكثر كثيرا من الكلام أدارت ظهرها و ذهبت.

5

وداعا.. قَبّلَها بين عينيها و ذهب.

الألم يعتصر القلب.. الصمت في حالات الوداع يكون أفضل من كلام عبثي، الكلمات في لحظات الوداع مهما كانت كبيرة لن تفِ اللحظة جلالها.

كل الأبواب سُدت في وجهه، ولم يحصل على تأشيرة الخروج إلا بعد جهد جهيد..

لن أعود إلى هذا المكان، كل الآلام التي عشتها،التسكع في الطرقات، السير تحت الأمطار، الهرب من العيون الثابتة، الطرد من العمل، التنقل من منزل إلى منزل…

لن أعود.. لن أعود.

إن الأيام كفيلة بها،ستنساني، لم أقدم لها سوى خاتم الخطوبة، أذهب لرؤيتها فأرى وجوها مكفهرة لرؤيتي،و كأنني وباء، لا أريد تدمير حياتها.

سأرحل إلى الأبد..

الحب.. كلمة لا قيمة لها في اللحظات الحاسمة، و أمام خيارات الحياة المادية.. فساعتها تسقط كافة الأقنعة، فعندما تصل الأمور إلى النقط الحاسمة، المنزل.. الملابس، الأموال، وطلبات لا تنتهي، يبدأ الحب في الفرار من المكان، ومن القلوب.

كل شيء يتلاشى، عندما تفقد المال، أو تفقد وظيفتك.

صمدت لحظة الوداع، لا بد وأنها ستبحث عن زوج يكون غنيا، يلبي طلباتها و طلبات عائلتها.

يا لي من معتوه..أضعت شبابي في سبيل شعارات أصبحت من التاريخ، ولكنهم لم ينسوا ولم يسامحوا، أو ربما لا يريدون.

إنني كالمنبوذ، لم يعد لي أي صديق، أقف كل يوم أما المرآة..أبصق لقد أقلعت عن رؤية وجهي في المرآة..كل يوم الوجه نفسه، و تتكرر الصورة..و كل شيء من حولي يتبدد.

أسير سريعا..وصلت إلى من يختم الأوراق..

نظر في وجهي..في الأوراق..أخرج أوراقا سوداء بدأ يقرأ..

غطى وجهه عبوس مفاجئ..سيدي أنت ممنوع من السفر.

من المجموعة القصصية تفاؤل الموت

*كاتب وصحفي جزائري مقيم في كندا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق