ثقافة السرد

سلال من الشوك

بقلم: على حزين

صمت رهيب , قاتل .. لا يقطعه غير سقط أقدام ثقيلة , منتظمة , رتيبة .. أجهدني ثقل الظلام وثقل الصمت.. ألقيا في قلبي الرعب .. اتجهت صوب الباب .. خلعتُ عيناي علي صاحب الخطوات ــ كدقات عقارب الساعة المنتظمة ــ ألمح ظلاُ ألقاه ضوء المصباح علي الأرض … ناديتُ .. فلم يرد .. فضربت الباب بعصبية.. اقترب صاحب الظل بخطواتٍ رتيبة .. جلس علي كرسي مصنوع من الجريد , يئز .. أمسك دفتراً ضخماً .. وضعه أمامه علي ” الطرابيزة الخشبية المتصدعة المتهالكة “.. غير آبه .. أو مكترث بصوتي المبحوح .. ينهمك في تقليب الصفحات التي أمامه .. وأنا أكيل له ولأبيه السباب , والشتائم .. بلا جدوى ..

صمت رهيب , قاتل يلف المكان .. يشبه صمت المقابر .. وأنا في حالة ذهول .. واندهاش … هنيهة تفكيرٍ ……

” حين كنت واقفاً.. كتمثال رمسيس , ويداي مكبلة بالحديد .. مرتجفاً .. تدور عيناي في محاجرها , تتفقد المكان , ونظرات الجالس خلف المكتب الأنيق .. وهي ُتلفّني .. تَخْترِقُنِي .. ُتفْزِعُني .. وهو يرتب أوراقه فوق المكتب .. باهتمام , وعناية , ويَرْمُقُني , من حين لأخر , بنظرات حادة .. فاحصة .. مرت دقائق كئيبة , وثقيلة على النفس .. ينهض .. يتجه نحوي .. في بدلته الزيتية .. ممشوق القامة , مفتول العضلات , أبيض البشرة والأسنان .. صوت عربة من بعيد , يدخل غرفة المكتب من النافذة المطلة على الحديقة .. يشق غلاف الصمت الجاثم على صدري .. ثم يرتئب الصمت من جديد.. يقترب مني بخطوات واثقة من نفسها..أخذ يدور حولي .. لمدة ثواني معدودة .. شعرت ببرد يديه علي كتفي .. يثبت عينيه في وجهي المرتجف .. ابتعد عني بمقدار خطوتين .. أو ثلاث , لا أذكر .. ثم استدار , وقف تجاهي .. فرك يديه .. جزَّ علي أسنانه , هزَّ رأسه, زمجر في وجهي .. ثم عاد إلي مكانه حيث مكتبه الضخم , الفخم أدار الكرسي المتحرك .. مسح المكان بعينيه الخضراوين .. ولم ينسي قبل أن يجلس عليه .. أن يضع نظرة محدقة علي وجهي المرتعد .. وبصوتٍ خافت هادئ بعض الشيء , سألني :

ــ ما اسمك …؟.

ــ ……………

” ليس مهماً أن أذكر اسمي .. كان من الممكن .. أن أُدعي زيداً .. أو عمراً .. ألأسم .. تافه .. المهنة .. عاطل .. أسكن مع كائنات غريبة .. لكنها أليفة بالنسبة للبسطاء أمثالي … والمطحونين من الشعب الكادح ..علي بعد , مائة وخمسون متراً.. من محطة { طهطا } تجاه الشرق .. يقطن شارع { العبد } .. رقم المنزل : { 33 } .. ذلك الشارع الضيق الطويل جداً الذي اقطنه .. والذي طالما حيرني أمره .. وكثيراً ما أغرق في سر إنشائه .. فبالرغم من أن الأرض كانت واسعة جداً .. وبرخص التراب .. إلا أنهم أنشئوه هكذا.. لا يسع اثنين في حجمي يمشون فيه بالعرض سوى.. تري هل كانوا خائفين علي الرقعة الزراعية..؟!.. أم تراهم كانوا يحبون بعضهم لدرجة أنهم لا يستطيعون البعاد عن بعض إلا بمقدار خطوتين فقط ..؟! .. أم ترى ظهر هكذا عشوائياً ..؟.. وأخيراً أفترض , بأن نساءهم الثرثارة هنَّ اللاتي طلبن من أزواجهنَّ ذلك .. حتى يستطعنّ ممارسة هوايتهنِّ المفضلة .. الرغي , ومسك السيرة .. التي توارثنها صاغر ,عن كابر , جيلاً بعد جيل …” …

ــ ما اسمك .؟

ــ ……..!!!

” المبني قديم جداً ومتهالك , ذو جو أسطوري ..الجدران المطلية بالجير .. واللون البرتقالي الباهت .. مرسوم عليها صور بدائية , ورسومات صغيرة , وتواريخ , وأسماء كثيرةٌ جداً .. لا أعرف إلا القليل عن أصحابها.. جاءت قبلي إلي هنا .. حيث هذا المكان الموحش .. “

طارت عيناي علي نافذة الباب الحديدي الصغير , اندفعتُ إليها بقوةٍ .. تشبثتُ بها كعنكبوت مذعور , مددت عيناي للمنتهي .. فلم أر غير زاوية الجامع الصغير .. وبعض الأشجار العتيقة النائمة في سكون شتوي جميل, وحزين شديد ..غرفة السلاح ينبعج منها أصوات هذر, ومزر لجوارها كشاف كبير , يبدو أنه جديد .. يرسل شلالات من الضوء في الفناء الترابي الضيق , ليحيله إلي نهارٍ صامت ..

والأرض المسفلتة تحت أقدامي تضرس أسناني .. وحشرات غريبة الشكل أألفها جيداً .. أراها تسبح حولي , وتطير في الهواء .. ومن معي في الحجز , منهم من يغط بنومه , ومنهم من هو في وجوم , وشرودُ ذّهني .. ومنهم من يتبادل دخان السجائر , والكلام بصوتٍ خافت … وصاحب الخطوات المنتظمة, الثقيلة , الرتيبة, أجهده التعب والسهر .. فتضخم فوق الكرسي وأنتفخ بشخيره .. فالنوم قد سرق عينيه المقبقبةُ كالضفدع ..

وعم سكون الليل المكان .. حتى صار يحلق في السماء , وفوق الأرض كغراب أسود ناعق بجناحين كبيرين ,, ليجعله مرتعاً للعفاريت , ومسرحاً للأشباح , ونقيق الضفادع , وصفير الصراصير .. وكلباً ينبح أنثاه .. وأغصان الأشجار الصنوبرية تداعبها نسمة هواء باردة .. فتتساقط أوراقها لتنام في خشوع تحت جزع الشجر العتيق .. والهواء الممزوج برائحة العفن يملأ أنفي , يزكمها .. وأنا مازلت معلقاً بالنافذة الصغيرة , أتابع هذه المسرحية المرعبة .. والتي لا أدري متى ستنتهي .؟.. أو على ما ستنتهي .؟.. تختلط الأحداث برأسي .. تتداخل الصور .. تتداعى ….

” التفت الواقف بجواره .. نحوي .. غمز بعينه .. وهو يشير إليّ .. مستفسراً في اهتمام , بعدما صفعني بالقلم .. فأجابه الجالس على المكتب الفخم الضخم .. بصوت هادئ .. لم يتغير بعد نبرته .. وضحكة ذات مغذى : ..

” شوهد وهو يتسكع في الطرقات .. ويقف علي نواصي الشوارع .. يعاكس بنات المدارس , بألفاظ بذيئة .. وقد ضبط أخيراً متلبساً , يقفز من فوق سور ” مدرسة البنات ..” ….

وكان الكاتب منكباً وغارقاً .. لأذنيه في الأوراق التي أمامه .. والرجل الأنيق , ذو العينين الخضراوين , الواسعة , الفاحصة , ممسكاً بعقدته الحمراء .. الملتفة حول عنقه … يضغط عليها بأحكام …” …

الصمت مازال مخيماً في المكان .. والليل يلف المدينة .. بعباءته السوداء .. كماردٍ , مخيف يشدني من رأسي .. والظنون خناجر تذبح عقلي.. ساورني شك .. بأنه كابوس مفزع , مزعج تمنيت لو أنه كان كذلك … ولكن هيهات …

ضربت جبهتي بحد الباب .. حتى أفيق , أستيقظ .. فلم أعد أطيق هذه الرائحة العفنة , الكريهة .. فهي تخنقني , وتتسرب تحت مسام جلدي.. وتصعد إلي تلابيب مُخي لتتلفه , وتدمره .. وتتوغل لتسكن في أحشائي .. فمياه المجاري الطافحة , لم تترك لي ولو شبراً واحداً لأستريح فيه وخُيَّلَ إلي أنها ربما قد تغرقني بعد قليل ــ تبت لكم جميعاً ــ …

حاولت أن أتذكر .. ما الذي حدث بالضبط ..؟ .. عصرت رأسي .. ذاكرتي تخونني ــ هي دائماً هكذا ــ سألت نفسي ..؟.. وأنا أقطع أرض الحجر ذهاباً , وإياباً .. ضارباً أخماساً في أسداس وأعدت سؤالاً علي نفسي .. ؟… ” ماذا حدث بالضبط ..؟ ” … أنا لم أفعل شيئاً .. البتة..!!.. حاولت أن أتذكر .. أفتكر ..؟…

” حين رأيته واقفاً في المواجهة .. بزيّه المميز سألته ..؟!.. ” هل من الممكن أن أجتاز وأمر من وسطهم حتى ألحق بالقطار الأخير الذي سيقلني ..؟! “.. أذكر حينها صفعتني نظرته الحادةٍ .. ثم أخذني من يدي .. ثم أوقفني أمامهم وهم جلوس تحت مظلةٍ ملونةٍ .. صارت أيديهم تُقَلّبني .. ــ تفتيش ذاتي ــ .. وأنا واقف مندهشاً .. دس أحدهم يده بين أفخاذي .. !.. بينما الأخر راحت يداه تُقَلُّبِني .. تبحث تحت إبطي , وفي جيوبي عن شيء ما .. !.. أما الثالث أمسك بأوراق البطاقة , واشتراك القطار ..!.. وعلبة سجائري وعلبة الثقاب ــ لم ينس أن يفتشها هي أيضاً ــ .. كان هذا كل ما أملك آن ذاك .. ثم وضعوني في عربةٍ مكشوفةٍ للسماء في قلب الميدان .. تحت الشمس المحرقةٍ .!! .. وكنت أتصبب عرقاً .. وهم وجنودهم , يصوبون بنادقهم نحوي .. وعيون المارة المتلصصة , المتطفلة .. والذين ألِفَتْ أقدامهم الطريق .. ينظرون إليّ في إشفاق .. ومنهم من رُسمت علي وجهه علامات تعجب , واستفهام اندهشت لذلك المشهد الذي أنا فيه .. وظلت أنتقل من مكانٍ إلي مكان .. ومن غرفةٍ إلي غرفةٍ أكبر منها .. ووقفت أمام كثيرين , جالسين خلف مكاتب نظيفةٍ , فخفخة .. وكل منهم قد أغرقني في سين . وجيم.. حتى صارت تلك الورقة اليتيمة , والتي كُتب فيها أسمي قد تحولت ــ بقدرة قادر ــ حزمةٍ من الورق .. دوسيه منتفخ بالكلام , حتى جئتُ إلي هنا .. حيث هذه الغرفة المشئومة , اللعينة … ــ اللعنة علي الجميع ــ ….”

فجأة تسلل إلي أُذني صوت همهمات , قادمة من الخارج .. ارتعبت .. ارتعدت .. انتفضت .. ارتجفت ــ علي طريقة الفأر الذي رأى خَنَّاقَه ــ نصبت طولي المتهالك , بالعافية .. وأنا أتسند علي الجدار البرتقالي الصدأ المتأكل .. ” دوران المفتاح في القفل له وقع , وصدى , خاص لا يعرفه إلا من جرب السجن ” .. خفت.. خنثت .. خنقت سيجارتي بين أصابعي ــ لم أشعر بلسعتها ــ يقترب صاحب الصوت.. يأتيني صوته من قريب .. يأمرني بالابتعاد عن الباب ..؟!.. أنزوي بعيداً عن الباب .. أتسعت رقعت الضوء .. الشمس في كبد السماء , ومن كان معي بعضهم تنبه لفتح الباب , والبعض لم يزل نائم .. برز أمامي صاحب الصوت شاب وسيم أمرد , لم يتجاوز الثلاثين من عمره , ذو بشرة بيضاء ملونةٍ , وعيون لامعة , معه بعض الصَوْلات , والعساكر, لم أتمكن من النظر إلي كتفه من شدة الرهبة , والخوف , وهو يدفع المتهمين للداخل ..؟! .. يأمرهم أن يجلسوا .. القرفصاء .. متراصين .. اثنين , اثنين .. في حزي واحد .. يتمتم .. يشير بكتلة مفاتيح ضخمة في يده .. يعدهم .. يهز رأسه بالموافقة .. صوت , طائش ينطلق من جوف الغرفة .. يتضجر من الحر .. وضيق النفس في الحجز .. يشدّ السجان الباب .. وهو ينظر إلي صاحب الصوت .. بوجهٍ عبوسٍ , متجهم .. قائلاً له : .. ــ نِجِيب لك تكييف يا ابن الكــ …..”..؟!! … تنطلق الأصوات من الحناجر .. بتعليقات ساخرة , مازحة .. سخيفة.. يعقبها ضحكات عالية .. وهمهمات شاتمة , وهمسات مزمجرة .. تختفي شيئاً فشيئاَ حتى تتلاشى تماماً …..و….. دخان السجائر راح يُكوَّن شبورةٍ كثيفةٍ ضبابيةٍ , تكاد تحجب الرؤية .. يصحبها سعال رجل .. في خريف العمر … يقال …

” أغتصب فتاةٍ دون العشرين ..؟!!.. بعدما أستدرجها إلي حقول الذرة البعيدة .. ثم افترشها , بشراهةٍ , ونهم , ولم يرحم دموعها , وتوسلاتها …؟؟!!!… ” !! …

وهناك روايةٍ أخري تقول :…

” بأن الفتاة هي التي استدرجته إلي هناك .. أكثر من مرة .. ثم طلبت منه الزواج , ليستر عرضها .. فهو من أسرة ثرية , وحتى يداري الفضيحة , وبطنها التي ارتفعت فجأة .. وارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً .. فرفض .. فاشتكته لتنتقم منه ..!! .. ” ..

صوت أخر يخرج من رأسٍ مضمومة بأربطة الشاش الأبيض ألمتسخ بالون الأحمر الداكن ….

ـــ لو سمحتم ساعدوني في تنظيف المكان ..؟1!

ينهمك في تشمير ساعديه .. يقترب من بعض الفتيه .. فينظر بعضهم لبعض .. باستغراب بالغ ثم ينفجرون بالضحك الهستيري عليه .. يبتعد عنهم بحزر .. يسمع أحدهم يذكر ” نعناعة ” زوجته … ــ يقال والله أعلم ــ

” بأن امرأة هذا الرجل , امرأة لعوب .. ومسيطرة عليه تماماً .. وهي التي فعلت به هذه الإصابة .. وقالوا..” تضربه كلما تأخر عن تلبية رغباتها, الجامحة المجنونة , وحاجيتها التي لا تنتهي أبداً .. والرجل إمكانياته بسيطة جداً , مسكين ..”

وهناك راوية أخرى تقول … ” هو الذي بطح نفسه .!! “.. وفي رواية ثالثة .. تقول .. ” بأنها كرت عليه بعض الشباب ” الصايع ” .. وأعطتهم الثمن من جسدها الطري اللدن .!.”

شعرتُ بالاختناق للحظة .. فككتُ أزرار قميصي البني .. زفرتُ زفرة طويلةً .. تلمست أبعاضي المتداعية بالسهر , والحمى , انخرطت دموعي من اللا شعور .. ورائحة المكان تخنقني .. وظلتُ أدور في الحجرة الضيقة ..” الحجز “.. اجز علي اسناني .. .. وكل واحدٍ منهم , يمهَّد مكاناً له , ويهيئه للنوم … وكأن سلالاً من الشوك .. ُزرعت في عيوني .. وصاحب الظل الثقيل .. استيقظ من رقاده تواً , قام من مقامه , ينظر إلي وأنا معلّق بجدار الباب الحديدي .. وأنا أطل من النافذة الصغيرة التي تطل على الفناء , يقدم لي من حين لأخر ابتسامة بلهاء , باهتة .. ثم يأتيني بأقدام ثقيلة , منتظمة , رتيبة , لأعطيه سيجارة أخرى .. والشخير ظل يتكاثر من حولي , وينضم إلي نقيق الضفادع , وصفير الصراصير .. وحفيف الأشجار الصنوبرية .. وأوراقها الصفراء تتساقط في الفناء الضحل, النائمة في صمت , فوق الأرض اليابسة .. والصمت المطبق يخيم , والظلام الدامس يحتل المكان .. ليكوّن تيمة يتيمة شاذة , تضاف إلي منظومة الليل الكئيب, أو ينشئ سيمفونية حزينة تخرج لسانها لسيمفونية بيتهوفن الخامسة .. وكنت أتابع كل هذا في صمتٍ .. وترقب .. وقلق ….

” وصوت أذان الفجر راح ينبعث في الأفاق .. ويتردد صداه في الأرجاء, وفوق المدينة الناعسة في استرخاءٍ تام , لأيقظها من الثبات .. وأنا قد هدأت نفسي … و …… “

***********************

على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

من مجموعتي الثالثة ” حفيف السنابل “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق