ثقافة السرد

انتصار مريم..

توفيق بوشري*

إلى روح مريم ذات الخمسة عشر ربيعا.. انتحرت لظروف بليدة.. جدا..

هل يستحق العالم رحيلك؟ كنت أود أن أعلق على كلمتك بقلم غير أحمر لمرة واحدة صادقة وقد تخلصت من عباءة مالك المعرفة. لم تمهليني لأفعل أدنى من ذلك. كان العالم منزويا في ركن ذاته يحملق في هدأة القبور المتراكمة. كنت في الخلف، أحاول بلع ذاكرتي. خطواتك مميزة، قبل أن تظهر كتلتك الضئيلة من خلف النوافذ، لست في حاجة إلى كعب عال. هل يؤثر الغياب في الموضوعية؟ فليكن، أنا لا أستطيع سوى البوح الآن. تأبينا أو حسرة. ربما تخفيفا من حدة ندم لن يجدي الآن نفعا. تلجين حجرة الدرس متأخرة بين الفينة والأخرى، أنظر إليك، تنظرين إلي باستعطاف ذكي. أبتسم وأغير تركيب كلماتي، أسامحك هذه المرة. هذا الشيء الوحيد الذي فعلته لك، لا يساوي شيئا. لماذا لم أقرأ شيئا في جرح مقلتيك؟ كنت تساءلت، كنت فتحت صدري لك لتفتحي صدرك، ربما تأخر الرحيل إلى موعد مناسب! ربما كنت أخبرتني عن الحياة التالفة التي عرفت بعضا منها. سمعت عنها. كنت حكيت لي حكاياتك القاتمة الجاثمة على لحظاتك وكيانك. ربما بكيت بحرقة أمامي مرآة صادقة، لتشفي بعض الشيء من سرطان البؤس. ربما..

هل يحق لي أن أتخيلك مسجاة على فراشك، ساكنة، شاحبة الملامح، باردة الحضور. هل كنت لأجرؤ على ذلك؟ لا أصدق أنك منحت روحك لهذا العالم! أتخيل لو بإمكاني على الأقل تحنيطك حتى لا تنسي تحت التراب. أريد أن أراني بوضوح كلما لمحت تمثالك. أن يشيح العالم بوجهه خجلا كلما تنشق غيابك الحاضر. لم أكن أعلم أن تلك الكتابات التي سرقتها من حصص فارغة لا يمكن أن تضاهيها معارف مملة قاتلة. كان ما كان..

المدافن لا تشبع. لا تختار الأسباب. لا تعلق على العلل.

ها مكانك كما لو أعد نكاية في التجاهل. ستنامين بعمق. لن تخذلك الأحلام بعد هذه اللحظة. لن تحتاجي قنديلا في الأسفل. لا أصدق أنك كنت تريدين كلمة قبل كل شيء. لم أنتبه. لم ينتبهوا. لم يتوقف العالم هنيهة ليربت على القهر. لعله يتحول إلى حزن صغير بعض الوقت، حتى تحين فسحات أمل أخرى. تافهة. لا يهم. كانت ستفي بالغرض. كنت تريدين أن تكوني فتاة عادية. تلهو في ثوب عمرها وأقرانها. تستمع للموسيقى غير آبهة بزعيق السيارات أو نظرات المكبوتين. تبدع مقالب مضحكة لأساتذتها. تنجز تمارينها باشمئزاز. تعبث بشعرها أمام المرآة تصففه عشرات التصفيفات ثم تختار واحدة بصعوبة. ترتاح لها بعد إطراء صديقة. تقصه كما يحلو لها. تتلفت في كل اتجاه ليلاحظ الجميع التغيير. هذا ليس كثيرا.

كنت غبيا، شاهدت ذلك الدفتر المختلف في يدك غير ما مرة. كدت أسألك. لم أفعل. هل هو كيد المشاغل أم كيد الأنانية؟ ليتني قرأت جملة واحدة. كلمة. ربما كنت لأحس بشيء يجعلني أفعل شيئا. كان بدل في المشهد جذريا. ربما.. سال الزمن بسرعة.. عندما بلغني الخبر. تذكرت أن حجرة الدرس كانت فارغة. إلا من الخزي.

هل سيسعفنا النسيان ككل مرة؟ ترحل صورتك مع الجثة. نقترف ذكريات أخرى خارج عالمك الآخر. هل يستحق العالم حقا ما فعلته به؟ يبدو لا مباليا. ولكنه سيعترف في ردهة ما. سيتمنى الموت. لن يستطيع. لن تقبل به المدافن. ولا حتى البحر. فليحاول التوجه إلى الفضاء!

كانت تريد كرامة بسيطة. مع قليل من صباحات مختلفة قليلا عن الصمت. كان دفترها قريبا من الجميع. لم ينتبه أحد لذلك. مريم لن تعود لترقعوا روائح وجوداتكم الكريهة. لتنظفوا مزابل حيواتكم المقرفة. مريم لن تمنحكم فرصة لتلوموا النرد من جديد. اختارت نهايتها. هل يستحق العالم رحيلها؟ بصقت في وجهه: “لا شيء يجعلك عظيما إلا الألم العظيم. وليس كل سقوط نهاية. سقوط المطر أجمل نهاية”..

*توفيق بوشري/ المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق