قراءات ودراسات

(حاخامات الدم في الشرق الأوسط)

عرض وتقديم/ مجدي جعفر*

في كتابه “حاخامات الدم في الشرق الأوسط “، وعبر ستة فصول، لا يكتفي الكاتب المصري أحمد محمد عبده بتقديم التنظير لواقع وحال منطقة الشرق الأوسط، والاشتباك مع هذا الواقع، بل يمتد إلى العالم كله، وعلاقة القوى الكبرى منه بهذه المنطقة الملتهبة، منطقة الحروب والصراعات.
و ” الحاخام ” هو أحد الرموز الدينية، و” الحاخامات ” يتعبدون بشرعنة وتحليل القتل، وسفك الدماء، والإبادة الجماعية، والحرق، والتدمير، ويبررون للسياسيين ضرورة إبادة العرب, جاء الكاتب بالكثير من الأمثلة على نهجهم الدموي.
اتخذ الكاتب شخصية ” الحاخام ” الرمز الديني لليهود، ليكون علما على دموية وتشدد المراجع الدينية الأساسية في الشرق الأوسط: الحاخام اليهودي, المرجع الشيعي ، الإمام السني, رأى المؤلف أن جميعهم ” حاخام “، تشدد وعنصرية وطائفية ودموية, يبررون القتل وسفك الدماء، والحرق والتدمير، والإقصاء للآخر وعدم قبوله باسم الدين!
ونطالع في فصول الكتاب:
1 – “أفيون الشعوب” : يتجادل الكاتب مع مقولة ماركس الشهيرة ” الدين أفيون الشعوب، والغيبوبة التي عاشت فيها أوربا ردحا طويلا من الزمن، بسبب سلطان الكنيسة، وسلطاتها الواسعة، وسيطرتها على الدولة وشئون الحكم، فتخلفت أوربا، وعاشت في ظلام دامس، ولما نجحت في إقصاء الكنيسة، وفصل الدين عن الدولة وشئون الحكم، نهضت، ونجحت، وتقدمت، وازدهرت، ولما اتخذت العلمانية منهاجا، وأسلوب حياة، سادت، وملكت الدنيا، وسيطرت على العالم.

أما نحن فلم نزل نعيش في الغيبوبة، وهذه هي المحنة.
2 – “محنة هذه الأمة”: ومحنة الأمة العربية والإسلامية، أنها لم تزل تعيش في الغيبوبة، ويرصد الكاتب الفِرَق والجماعات والطوائف الدينية، التي فرقت هذه الأمة، ومزقتها، ويذكر أكثر من (230) فرقة وجماعة وطائفة، تنشب بمخالبها في جسد هذه الأمة، وتنهشه، ويذكرها بأسمائها، وصفاتها، وهي التي أرست وأسست، للتعصب، والقتل، والكراهية، وتخضبت أياديها بالدماء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من أفغانستان حتى مالي ونيجيريا، وعلى رأسها تأتي جماعة الإخوان المسلمين، التي تحتل المساحة الأوفر في هذه الكتب، منها حوالي 85 ميليشيا مسلحة من طالبان في أفغانستان حتى بوكو حرام في نيجيريا, تتجول في البلاد قتلا وتخريبا. ويتوقف الكاتب عند الأدوار التي لعبتها هذه الجماعة في تمزيق الأمة، وتحالفها مع الغرب وأمريكا.
3- “الغرب في خدمة الإسلام”: يتحدث الكاتب عن الفوضى الخلاقة، التي سعت أمريكا والغرب إلى إحداثها في المنطقة، من خلال تدريب شبابنا على إحداث الفوضى التي تؤدي إلى انقلابات، وهذا ماتم بالفعل، وفقا للإعداد الجيد، والتنفيذ الأمثل، وكانت الثورات العربية المتتابعة والمتلاحقة والتي سُميت بثورات الربيع العربي.
ولتدمير الأمة من داخلها، سعت أمريكا والدول الغربية والصهيونية العالمية إلى التعامل مع الجماعات الأصولية، بل سعت لتمويل وتدريب وتكوين معظمها لسببين ظاهرين على الأقل:
أ – الطعن في الإسلام والترويج بأنه دين القتل وسفك الدماء.
ب – هذه الجماعات تكون مبررا لتدخلها لاستنزاف ثروات هذه الأمة.
وفي كل الأحوال هذه الجماعات تم صنعها في المطابخ الأمريكية والأوربية ولتكون شوكة في خاصرة الأمة.
4 – “كهف الأفكار الشاذة”: ويعرض فيه المؤلف الأفكار الشاذة والغريبة لتلك الجماعات، ويأتي انتقاده الأكبر لجماعة الإخوان المسلمين، ويفضح أفكارها،ومواقفها، واتخاذها الدين شعارا، لخداع البسطاء، واتخاذها الدين مطية للوصول إلى الحكم، وممارسة الدجل على البسطاء، وغسل أدمغتهم، والسيطرة عليهم، وتحويلهم إلى عجينة لينة في يد المرشد ومكتب الإرشاد، يسهل تطويعها، وتشكيلها.
5 – “شريعة الذبح المقدس”: يتوقف الكاتب عند العديد من الوقائع البشعة التي ارتكبها أتباع التيار الإسلام السياسي، وأهم فصائلة، وأكثرها دموية في مصر والسودان وأفغانستان وإيران والصومال ونيجيريا والجزائر واليمن والعراق وسوريا وليبيا، وما تسببت فيه هذه الفصائل من قتل وتخريب ودمار وتفكيك لدول المنطقة.
6 – “تعطيل نصوص الفتنة وسفك الدم”: واستفزني هذا العنوان، وهذا الفصل من الكتاب، فأحمد عبده في هذا الكتاب تحديدا، كان باحثا ومحللا فريدا ومتميزا، وبدا مكتمل أدوات البحث، وحشد الوثائق والمراجع والأدلة والبراهين، واستطاع أن يقدم لنا بحوثا ممتازة في هذا الكتاب، باستثناء الفصل الأخير، الذي يحمل هذا العنوان المستفز.
أولا : من يملك وقف أو تعطيل نص قرآني؟، الذي له الحق الوحيد في وقف أو تعطيل النص القرآني هو الله الذي أنزل هذه النصوص، وكل النصوص ستستمر وتتلى إلى يوم القيامة.. وهذه الدعوات ظهرت في أوربا وللأسف انساق بعض كتابنا وراءها.
ثانيا : ساوى أحمد عبده بين ابن تيمية وبين شيخ يبيع فتاواه بالريال والدرهم والدولار في إحدى دول الخليج، وساوى بين ابن تيمية وأي متطرف تقترب لحيته من الأرض, ويحمل بندقية أمريكية الصنع ويركب دبابة أمريكية الصنع ويحارب ويقوم بالتخريب والتدمير والقتل في بلاد الإسلام وباقي بلاد العالم باسم الجهاد!!
ابن تيمية ليس معصوما من الخطأ، ويعيب الكاتب على العرب أنهم تركوا أفكار ابن رشد العقلانية وراحوا لتشدد ابن تيمية من ناحية، ومن ناحية أخري تركوا أفكار ابن رشد العقلانية وراحوا لصوفية أبي حامد الغزالي.
أخذت أوربا بأفكار ابن رشد فساعدها على النهوض، ونحن كفرناه، ورغم ذلك يظل ابن تيمية أحد الذين اجتهدوا في عصره، ووفقا لقواعد وأسس الفقه الصحيح، ولم يتملق حاكما، ولم يبع فتاواه، ولكن اجتهاداته كانت خالصة لله والإسلام، ولا يمكن بحال أن نساوي بينه وبين من يبيع فتاواه في الخليج ,وغيره ممن يركب دبابة أمريكية في العراق أو أفغانستان أو ليبيا أو .. أو … وأتمنى أن يعيد الكاتب النظر في هذا الفصل.
ولا أملك في النهاية إلا أن أشكر الكاتب أحمد عبده على كتابة هذه الملحمة السياسية، كما أشكر الهيئة العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة على نشر هذه الكتب, التي شكلت ملحمة حقيقية للشعب المصري، وألقت الضوء على محنة الأمة العربية والإسلامية.
***

* مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق