ثقافة السرد

أنا القديم

فؤاد قنديل*

ما هذا الذي تفجر بداخلي فجأة ؟ ! أنا لم أعد أنا.. الآن .. يقف أنا القديم أمامي حائرا ومرتبكا.. منهارا وضعيفا.. أصبح جديرا بمقتي.. قررت دون تمهيد كاف أن أواجه حرارة الشمس وانهمار المطر ولسع البرد.. أواجه سوط أي سلطة تمارس الحماقة باقتدار.. لن أسمح بعد اليوم أن أكون خاتما في إصبع أحد.. لن أكون كما يريد الآخرون ، بل أكون كما أود أنا أن أكون..  حتى لو تمنيت أن أكون ذئبا أو ثعلبا أو عمود نور ليصطدم به السكارى

صرت منذ اليوم كائنا جديدا ..  سيخلد  التاريخ ذلك الصباح الرائع

التاريخ ذاته لا يقبل للتسجيل في صفحاته إلا مثل صباحي الجسور

لا أدري بالضبط كيف حدث هذا  ، وإن كنت أدري أن لا شيء في العادة يأتي بغتة

جزء لا يتجزأ من الحالة الجديدة يقتضي التفكير والبحث في الأسباب المحتملة لذلك التغيير

المواجهة تتطلب مواجهة نفسي أولا

اكتشفت أن كل ما على الأرض له طعم ورائحة

البرسيم له طعم ورائحة وكذلك البرتقال . الصبار والنعناع . السبيط والتوت . الملوحة والتفاح . العرق والجبن . الشجاعة والأنانية . الظلم والروث. التاريخ والألم والثراء . الوحل والدم والحنان .. الموت والخنازير والنسيان..  الخوف والجوع والدموع  .. السعادة والرضع والجوارب الملبوسة لعدة ساعات.

لكني  دون خلق الله على حد علمي بلا  طعم ولا لون ولا رائحة

أصبحت فجأة شخصا آخر ، وهذا فيما أعلم لا يحدث إلا نادرا

ربما  بسبب استشهاد كريم أعز أصدقائي  في مظاهرات جمعة الغضب

ربما بسبب تكرار جرم اختيار أتفه الزملاء وأجهلهم ليكون رئيس المؤسسة

ربما كان ذلك راجعا لرحيل أبي المفاجئ واختطاف الريح  لخيمته واتساع مساحة العري

الأرجح أن السبب هو تلك الصفعة التي تلقيتها في قسم الشرطة وأفقدتني السمع أياما

كان رجالهم قد سحلوني أمام عيون أهل الحارة وأنا بالفانلة واللباس دون أن أرتكب أي جرم

منذ اليوم سوف أرتكب ما أشاء.. أنا مضروب ومهان في كل الأحوال .

سوف أكون كما أشاء ، وأمحو من الوجود أنا القديم الذي أقعدني آلاف السنين.

*روائي وقاص من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق