ثقافة المقال

التأويل، الأنطولوجيا، الإبستيمولوجيا

بقلم: منصور زغواني*

بداية سنطرح ثلاثة أسئلة حول التأويل وهي كالآتي:
ما العلاقة بين التأويل والأنطولوجيا والإبستيمولوجيا؟
وكيف يفهم التأويل وفق هذين المعطيين؟
و هل نؤول لنفهم أم نؤول لنوجد؟ وبمعنى آخر؛ هل يعتبر فعل التأويل إمكان الفهم أكثر مثلما يعبر غادامر أم إنه إمكان الإنوجاد أكثر؟
إن التأويل هو ظاهرة لسيقة بالانسان إلى الحد الذي لا يستطيع الانفكاك منها، فالإنسان يعيش بالرموز ويفسر ذاته وما يحيط به عن طريق تلك الرموز، ويفكر بالرموز، وفي الرموز. ولذا فإنه كائن رامز بامتياز (إن صح هذا التعبير)؛ وهذ خاصية انسانية فريدة لأنها متعلقة بالإدراك، والإدراك متعلق بالعقل، والعقل هو الخاصية التي يتفرد بها الإنسان عما سواه.
فمن الناحية الأنطولوجية يعبر التأويل عن وجود الإنسان باعتباره ذاتا تواجه العالم، أو باعتباره ذاتا تواجه ذاتها، فالتأويل يسبق العالم المعطى، ويسبق حتى كينونة الإنسان؛ لأن الكينونة هي علاقة؛ إما علاقة الذات مع ذاتها بحسبانها موضوعا تأويليا قابلا للإدراك، شرط وجود مسافة بين الذات كذات أنطولوجية، والذات كذات إبستيمولوجية، وقد عبر بول ريكور عن هذه العلاقة Distanciation (التماسف)، إن صح المقابل العربي؛ وهي تلك العلاقة التي تسمح بالسكن في الشيء والتباعد عنه في نفس الوقت، إن صح القول، فالذات المؤولة (بكسر الواو) هي نفسها الذات المؤولة (بفتح الواو). لأنه لو عدنا إلى ثنائية الذات والموضوع في المجال التأويلي الأنطولوجي – الإبستيمولوجي لوجدنا أنها لا تعبر عن حدين هما: عارف ومتعرف عليه، بل تعبر عن حد واحد هو: متعرف وعارف في نفس الوقت.
إن هذا الطرح قد يقودنا إلى القول: إن هناك تأويلا بالمعنى الأنطولوجي يقودنا إلى معرفة ذواتنا بالضرورة عبر ممارسة فعل التأويل؛ سواء أكان هذا التأويل منصبا حقيقة على الذات كذات أنطولوجية أو كذات إبستيمولوجية، فالكينونة (بمعنى وجود الإنسان تاريخيا) هي كينونة تأويلية والوجود (بمعنى الهنا والآن) هو وجود تأويلي عبر إقامة علاقة مع الموجود.
أما من الناحية الإبستيمولوجية فالتأويل هو الوسيلة الأساس للمعرفة، وبدون القيام بممارسة تأويلية لا يمكن التوصل إلى المعرفة؛ ولذا فإن علاقة الإنسان بوصفة مجربا (يحاول بناء معرفة ما) مع الموضوع الذي سينصب عليه فعل التعرف سيمر بالضرورة عبر ممارسة أولية وهي الممارسة التأويلة.
ولذا فإن القول إننا نعرف الأشياء والعالم قد يكون فيه كثير من المغالطة والالتباس؛ لأن معرفة الأشياء يعني البحث في كنه تلك الأشياء (أي هي كما هي)؛ بمعنى الانفصال التام عن الذات عند ممارسة فعل المعرفة، وهذا مستحيل من الناحية العملية؛ فالإنسان لا يستطيع الإنفكاك من ذاته انفكاكا كليا، بل قد يحاول وضع مسافة ( تبعد أو تقصر) عن ذاته؛ كما أن تأويل الأشياء قد لا يكون دائما انكشاف تلك الأشياء، بوصفها موضوعا، أما الإنسان، بوصفه ذاتا، بل قد يكون التأويل انكشاف للإنسان أمام الأشياء؛ بمعنى انعكاس صورة الذات على الموضوع عند الممارسة التأويلية.
من كل هذا يمكننا القول إن المعرفة هي في الحقيقة تأويل، والإبستيمولوجيا هي كذلك وعي إنساني، والوعي لا ينفصل عن التأويل، والتأويل لا ينفصل عن الكينونة (وجود الإنسان تاريخيا)، والوجود (الهنا والآن)؛ فالمعرفة هي تأويل أنطولوجي للذات.

*أكاديمي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق