قراءات ودراسات

الخيط الرفيع..

شاهيناز الفقي*

الخيط الرفيع هي قصة للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، يعرض فيها لفكرة الخيط الذي يفصل بين الحب الحقيقي و غريزة التملك من خلال شخصية البطلة التي تساعد البطل على النجاح و تقف بجواره حتى يصل للقمة، ليبدأ في التنصل منها، هي تستشعر بأن هذا النجاح من حقها لأنها من صنعته وهو يخشى مواجهة المجتمع ويرفض أن تتملكه، ربما عرض إحسان عبد القدوس للفكرة من وجهة نظر المجتمع ، فالمجتمع الشرقى لايرحب بعلاقة غير شرعية بين رجل وامرأة، و البطل لن يتحدى المجتمع و يتزوج امرأة يعرف الجميع بعلاقته بها، ولا أحد منا يستطيع أن ينسى الحوار العبقري بين محمود ياسين وفاتن حمامة في الفيلم والذي بدأه محمود ياسين قائلاً:-
-أنت اللي عملتيني..انت اللي خلقتي الانسان الناجح ده..علشان خاطر الإنسان اللي خلقتيه حافظي عليه و صونيه
لترد فاتن حمامة ..
-وانا نصيبي ايه
_الخالق بيدي ما بياخدش..يكفيه عبادة خلقه وانا باعبدك
_الخالق بيطلب من الناس أنهم يعبدوه في الجهر ..انت بتعبدني في السر
-العبادة في السر اخلص العبادات
-العبادة مش خطيئة انت بتعتبر حبك لي خطيئة
-مش أنا ده المجتمع.. مجتمع من الكافرين ماحدش فيه مؤمن بيك إلا انا
-خليك نبي وانشر دعوتك
-ما اقدرش أكون نبي
-ومين قالك اني ممكن أكون إله
البطل هنا يقر بحبه لها وإنها من صنعته و لكنه عاجز عن مواجهة مجتمع يكفر بذلك الحب، و البطلة تريد مقابل للعطاء الذي منحته، تطالب بحقها في نجاح كانت شريكة فيه، هي تطالبه بشجاعة لا يملكها وهو يطالبها بتنازل لا تقوى عليه، تعاطفت مع المرأة التي منحت و أعطت و المقابل كان النكران، وفي ذات الوقت اتعاطف مع البطل الذي يحاول الحفاظ على نجاحه و ما وصل إليه.
تساءلت هنا عن الخيط الرفيع الذي تشير إليه القصة هل هو فقط ذلك الذي يفصل بين الحب و التملك، هل كان من الواجب على البطلة التي ضحت و منحت وساندت أن تترك البطل لحياته الجديدة مع امرأة أخرى و تظل هي في حياة الظل حتى يزهدها يوماً و يتركها فريسة لخيبتها و ندمها، هل الحب عطاء دائم و بلا مقابل، أم أن للقصة أبعاد أخرى وتحمل أكثر من خيط.
هناك خيط أخر لم ينتبه له البعض و هو الذي يفصل بين تقدير الذات والانانية لدى البطل، وهو الذي أعتاد على الأخذ حتى إذا ما حان دوره للعطاء تحجج بالمجتمع، لينهي علاقة أصبحت تمثل عبئاً عليه و عقبة في طريق مواصلة نجاحه، ليترك البطلة في النهاية بصورة مهينة وهو يعدها بان يوفر لها دخل لمعيشتها. لم يكلف البطل نفسه عناء التوقف لحظات ليسأل نفسه أين كان المجتمع من فكره وهو يصعد معها سلم النجاح خطوة بخطوة حتى إذا ما وصل للقمة بدأت تلوح فكرة المجتمع و التقاليد في ذهنه، ليقرر في النهاية أن يلقي بها من القمة و يستبدلها بأخرى تليق به.
مع الأسف في حياتنا الكثير من الخيوط الرفيعة التي تتحول لمشانق تقتل علاقات كانت تبدو مستقرة وتخنق مشاعر كنا نظن أنها لن تموت أبداً، ربما الأمر يحتاج لأكثر من قصة ولمزيد من الأفلام، عن تلك الخيوط الرفيعة في حياتنا.
يظل الخيط الرفيع من الأفلام الكلاسيكية الرائعة ، يتميز بحوار راقي، أداء رائع للقديرة فاتن حمامة رحمها الله و للفنان محمود ياسين
رحم الله الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس.

*كاتبة روائية وسيناريست.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق