قراءات ودراسات

’’الصقر الجوال’’: رحلة عبر الحدود الباكستانية الأفغانية القاسية

• عثمان بوطسان*

من مواليد البنجاب، أمضى جميل أحمد معظم حياته كمسؤول حكومي في المناطق الحدودية الباكستانية. المناطق المعزولة، غير المضيافة في بعض الأحيان، والتي أثبتت أنها غنية بالدروس والعبر. أشتهر الباكستاني جميل أحمد، سواء في بلاده أو حتى في الغرب، بمجموعته القصصية الوحيدة «الصقر الجوال»، التي كتبها في شبابه ونشرها في شيخوخته.. بدأ عمله في سنوات الخمسينيات، من القرن العشرين، بإقليم بلوشستان المجاور لكل من إيران وأفغانستان، وإذا كان أغلب الموظفين ـ سواء في باكستان أو غيرها ـ يلحون دائما لنقلهم من المناطق النائية والحدودية إلى المدن الكبيرة حيث فرص الحياة الجيدة متاحة، كان لجميل أحمد رأي مختلف، حيث اختار بإرادته الاستمرار في عمله الإداري بإقليم بلوشستان النائي لعدة عقود.
إن الحدود والتقسيمات الإدارية التي تقررها وتطبقها الدول التي لا تحترم إلا القليل من الحقوق الاجتماعية للسكان المعنيين، خلقت حالات معقدة ولكنها شائعة في بلدان الإمبراطورية الهندية البريطانية السابقة. استحوذت المنطقة التي تمثل رمزا لهذه الحالة على اهتمام العالم منذ التدخل الدولي في أفغانستان في نوفمبر 2001 ، وهي “المناطق القبلية” الشهيرة في باكستان والمعروفة بأنها أماكن خارجة عن القانون وملاجئ ’’للمتمردين”.
جميل أحمد، مسؤول باكستاني كبير سابق، خدم لعدة عقود في هذه المناطق. لقد استرجع ذكرياته ويلاحظ أنه عاش في هذه القصة الرومانسية التي تعكس الموهبة والإنسانية، أكثر بكثير مما يمكن أن تقدمه لنا كأطروحة عن الإثنولوجيا. يدخلنا الكاتب في عالم غريب، عنيد ومخيف في بعض الأحيان، ولكن غالبًا ما يتم تخفيف هذا الرعب عن طريق الدعابة ومصير الشخصيات المثير.

ندخل هذه الرواية مع ولادة غير عادية لبطل الرواية : تور باز أو ’’الصقر الجوال’’. إن وجوده في جميع فصول الكتاب، يجعل من الممكن الربط بين الحلقات المختلفة التي تحتوي على العديد من اللوحات أو المشاهد المحملة بالمعنى والحقيقة. نحن في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، وربما قبل التدخل السوفياتي في أفغانستان، لذلك فهي فترة هادئة نسبيا على المستوى الإقليمي. الحياة ليست أقل صعوبة بالنسبة لسكان هذه المناطق: “هؤلاء الناس (…) لديهم ما يكفي من الغذاء والماء فقط في الأوقات العادية، وبعد أشهر قليلة، يغمرهم الصيف، تَجُفُّ معظم مصادرهم. الحياة، أو بالأحرى البقاء على قيد الحياة، صعب دائمًا في بيئة من العشائر المعادية لبعضها البعض.
نُسجت خيوط هذه الرواية من تسعة فصول، نتعرف من خلالها على سمات المجتمعات القبلية التي تملأ المناطق الحدودية في باكستان. تروي القصة مغامرة زوجان غير شرعيان يهربان من الانتقام الى حين ولادة طفل. يركز الكاتب في الفصول الأولى على قصة العشيقين، لينتقل في الفصول الأخرى الى تطور الصبي الذي يحمل لقب ’’ الصقر الجوال’’. ستقودنا قصة الصبي إلى المناطق القبلية في أقصى شمال باكستان. تمكننا هذه المغامرة من اكتشاف مجموعة متنوعة من القبائل وعشائر البشتون. تلتقي الشخصيات ببعضها البعض في سياق تتشابك فيه قصصهم، لتأخذ الرواية شكلًا عجيبا، حيث تتطور الشخصيات بشكل تدريجي. تسلط هذه الرواية الضوء على جوانب من الحياة القبلية مثل العلاقات بين القبائل، القواعد التي تحكم كل عشيرة، وتطور العلاقات بين شعب البشتون والمجتمع المدني.
يصارع “الصقر الجوال” مصيره من الطفولة إلى مرحلة البلوغ، حيث يقاوم بإرادته كل الظروف. لكن يظل الشخصية الغامضة والملفتة للنظر. لم يحدد الكاتب السنة التي تقع فيها الأحداث بالضبط، يمكن التكهن أن القصة الأولى وهي ولادة الصبي تتم في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، بينما تنتهي القصة الأخيرة عندما أصبح تور باز بالغًا، أي ربما في النصف الثاني من الستينيات.

احتراماً للحياد وللخصوصيات القبلية، يصف جميل أحمد الأماكن بتعاطف وواقعية كونه يعرفها جيدًا. بفضل نثره البسيط والشاعري، يقدم لنا نصًا مصورًا، واضحًا وموجزًا، يسمح لنا بالفرار من الفيلم الوثائقي الجاف، الى اكتشاف منطقة وشعب بطريقة بسيطة. في وقت تخلى فيه العالم عن المبادئ، لا يزال البقاء والتماسك حاضرا داخل القبائل. فقواعد الشرف من الدوافع الرئيسية للوجود (سواء المستقرة أو البدوية) التي تتم وفقًا لتقاليد الأسلاف.
يفقد الصقر الجوال والديه في ظروف مروعة تتعلق بشؤون الشرف القبلية. كان تور باز في الخامسة من عمره فقط عندما توفي والده ووالدته بسبب حب بعضهما البعض في تحد لقوانين قبيلتهم.. يتم العثور عليه بعد ذلك كطفل، يأخده جندي يدير حصنًا على حدود أفغانستان، ثم مراهقًا يرافق رجلًا غريبًا، وبعد ذلك، يختلط في الشؤون القبلية، أو يتحول إلى مخبر للشرطة. في الحقيقة، فإن ’’تور باز’’ أو الصقر الجوال، هو شخصية عابرة وأحيانًا ضمنية في كل فصل. فهو فقط الخيط الذي يجمع بين كل القصص المختلفة التي تشكل هذا الكتاب. يستخدمه جميل أحمد بطريقة رائعة، ويلعب به بمهارة لجعله يطارد كل قصة، ليضعها بشكل غامض في النقطة الرئيسية لكل حلقة، أحيانًا بتلميح بسيط. من دون أن يكون شخصية ثانوية، فإن تور باز بحضوره المقلق في كل مرة يمنح العمل كله تماسكًا جميلًا وذوقًا فريدًا للغاية. يجعلنا جميل أحمد نلتقي رجالًا ونساءً بسطاء، يشعرون بالتعاطف والحنان دون إخفاء الصلابة التي بداخلهم.
تروي رواية الصقر الجوال قصة الحياة اليومية لسكان المناطق القبلية، التي عُرفت في الأخبار منذ الحرب في أفغانستان وهرب طالبان الذين لجأوا إليها. لكن هدف جميل أحمد من خلال كتابة هذه الرواية، هو إحياء هذه البلدان كما كانت في الخمسينيات. فمن خلالها، نكتشف العنف واللامساواة في القوة وظلم الحرب المنسية التي خلقت مشاكلا بين الدولة الباكستانية والسكان في شرق البلاد. نتعرف أيضا على التغيير في هذه المناطق بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وميلاد مختلف الدول الحديثة. في تصور جميل أحمد، فإن رسم حدود جديدة سيفرض قيودًا رهيبة على القبائل البدوية العظيمة التي اعتادت أن تتنقل بحرية بين الجبال: أفغانستان وسهول باكستان الحالية. نرى العديد من سكان وزيرستان يشاركون في أنشطتهم المربحة للخطف والفدية، ونرى أيضًا البؤس المذهل لسكان جبال شيترال العليا.
من خلال مسح حدود باكستان من إيران إلى شواطئ الصين وكراكورام ، يروي جميل أحمد مثل هذه القصص الجماعية (مثل المسيرة الرائعة لقبائل خاروت وتدميرها من قبل الباكستانيين خلال محاولتهم الأخيرة لعبور الحدود). فهذه الأخيرة مصقولة من الأعمال الحربية، ومن الألعاب السياسية الماهرة بين العشائر.

’’ الصقر الجوال’’، كتاب استطاع جميل أحمد أن يكتبه عن طريق الملاحظات التي جمعها على مدار عدة عقود في هذه المناطق القبلية، حيث كان مسؤولًا باكستانيًا كبيرًا. منطقة تعارضت فيها ثقافات الأجداد والبدو والحداثة مع بعضها البعض، وهي منطقة ذات حصص سياسية واستراتيجية ودينية معقدة للغاية، حيث قاومت القبائل التي لا حصر لها بشدة، أي تدخل من جانب السلطة والدولة، ناهيك عن محاولات التأثيرات الألمانية أو البريطانية، والتي ستكون في وقت لاحق هدف السوفييت والأمريكيين. هنا تكمن القيمة الكبيرة لهذا الكتاب، فهو يجعلنا نتوغل في قلب هذه المناطق بعيدة كل البعد عن كل الأدب، والمعروف عنها بشكل جيد، أنها يسكنها رجال بسطاء، استثنائيين مثل الإنسانية بالإضافة إلى كونهم قادرين على القسوة العظيمة. سيكون هناك زعماء العشائر، الفقراء، الرجال الحكماء، المتواضعون والصادقون، وآخرون فاسدون جداً، النساء المستسلمات بقوة وشجاعة، الفلاحون، القرويون، اللصوص، الجنود، الموظفون المدنيون، الخاطفون الموسميون، بائعو المعلومات، بائعو النساء، الأفيون والحشيش، الثلج الجليدي، الفطر المجفف أو الكباب، سائق دب ودليل جبلي مرتفع سيسقط منخفضًا مثل ارتفاعه. قطع من الحياة تم التقاطها وخلطها في قلب المناظر الطبيعية المتآكلة وبعض الوديان الترحيبية. من خلال هذه الرواية نسمع رياح الجبال والصحراء تغني اسم مجموعة كاملة من القبائل مثل : باوينداه، خروت، باليش، سياهباد، ماهماد، افريدي، وزير، باشتون، مسعود… نرى القتال من أجل البقاء، دون أن ننسى القاعدة الأولى والأساسية لهذه القبائل وهي الضيافة.
بلغة شعرية مثيرة للإعجاب يحاكي الكاتب قسوة الحياة والوقت. بعنف مألم نرى فيها والدي تور باز يموتون لأنهم أحبوا أنفسهم ضد القوانين التقليدية. نرى البنات يباعن مقابل بضعة سنتات، والنساء يعاملن معاملة أقل من الحيوانات الأليفة، لأنهن في النهاية أسهل في استبدالهن من الحيوانات. لأنه إذا لم يتم إفساد الرجال بسبب الظروف المعيشية في هذه المناطق، وإذا تعرضوا في كثير من الأحيان للسحق بسبب عنف بيئتهم أو بسبب فقرهم، فمن المؤسف أن النساء هن في معظم الأحيان ضحايا صلابة العالم وقسوته. ما يُظهره جميل أحمد دون تهاون ودون رثاء، وهو يرفض أحياناً بروح الدعابة غير المحسوسة، هذه المشاهد من البؤس والشدائد التي تولدها قوة المناظر الطبيعية وعظمتها وعدائها الأكثر فظاعة.

*باحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق