ثقافة المقال

من أين كل هذا الذل؟

حسين فاعور الساعدي

ما هو الذل؟ وما هي أسبابه؟

الذل هو ألا تكون أنت صاحب القرار بل الآخرون هم الذين يقررون عنك وأنت تذعن وتنفذ. الذل هو ألا تملك إرادتك، ودون ذلك ألا تملك جسدك بل الآخرون هم الذين يتلاعبون بهذه الإرادة ويعبثون بذلك الجسد. الذل هو ألا تستطيع أن تقول “لا” عندما تشعر أنك يجب أن تقولها. والذل هو أن تقبل الظلم وتتعايش معه.

للذل أسباب كثيرة لكن يمكن حصرها تحت عنوانين كبيرين: ذل موروث مكتسب، وذل مفروض يتحول إلى مكتسب عندما نتعايش معه. الذل الموروث هو ذل مفروض ولكن بأساليب ناعمة لا يشعر بها الإنسان لأنه يرضعها مع الحليب وترافقه في ومع أساليب التربية ونمط الحياة منذ السنوات الأولى إلى أن يصبح بالغاً. من حيث الأساليب التربوية ونمط الحياة السائد فإن الطفل العربي منذ ولادته يتعرض لسلسلة لا نهاية لها من عمليات الإذلال:

1- أهمها ما نسميه بالدماج وهي شد يدي المولود إلى أسفل ولفه بقطع من القماش لا تترك له مجالا للحركة. هذه العملية تبدأ منذ الأيام الأولى لولادة الطفل وتستمر حتى يبلغ الطفل جيل خمسة أشهر أو أكثر. وهي تعيق حركة الطفل، تقهره وتعوده على الكبت. في بعض القرى انقرضت هذه العادة ولكن أظن أنها لا تزال دارجة في الكثير من البلدان والأماكن وعلى نطاق واسع.
2- “الطهور” وهي عملية قص الغشاء المحيط بالعضو الذكري للطفل. وهذه أول اعتداء عنيف ومؤلم على جسده دون إذن منه. العملية ثبت صحتها ويجب إجرائها دينياً وعلمياً وأنا لا أنادي بإلغائها. لكنني أنادي بتركها حتى يكبر الطفل ويقرر هو متى وكيف يجريها.
3- تولي أمر الطفل ومنعه من ممارسة بعض الأمور التي يحبها كثيراً، من منطلقات كثيرة منها المحافظة على النظافة. فالطفل منذ أشهره الأولى يحب استعمال يديه في تناول طعامه وشرابه ولكننا نمنعه من ذلك حفاظاً على نظافة المكان ونظافة ملابسه. ويحب اللعب في الكثير من الألعاب غير المؤطرة كاللعب بالتراب او الرمل ولكننا نمنعه حفاظاً عليه وعلى ملابسه. وغير ذلك الكثير من الأمور التي نمنع الطفل من القيام بها لأنانيتنا وبدعوى أننا نحافظ عليه.
4- منع الطفل من الاستكشاف بدعوى الخوف عليه من المخاطر التي في الحقيقة هي ليست مخاطر. وكان من الممكن تشجيعه وحمايته من الخطر الحقيقي لو ملكنا الوقت أو لو خصصنا قليلاً من الوقت لأطفالنا.
5- فرض ما هو مريح لنا على الطفل دون أن ننتبه لمعاناته أو انزعاجه. فكم من أم تسير في الشارع وهي تتكلم في الهاتف أو تحدث مرافقيها، جارة طفلها من يده المرفوعة إلى أعلى بشكل يؤلمه كثيراً ولكنه يلبي حاجة الأم في عدم الانحناء لمستوى الطفل. ونفرض على أطفالنا الطبخة التي نحبها والملابس التي نحبها والبرنامج اليومي الذي يلائمنا الخ…
6- أساليب التدريس التلقينية والمتحجرة وإلزام الطفل بالكثير من المواد والوظائف التي لا يحبها وينفذها مكرهاً. والأصعب من ذلك إلزامه بالتفوق في مواضيع لا يحبها ولا تعني له شيئاً. كما أن الكثيرين من الأهالي يلزمون أبناءهم بدراسة مواضيع لا يحبونها كالطب لإرضاء غرور وطموح الأهل.
7- “التقاليد، العادات والأعراف”، منها: الانتماء للعائلة الأساسية (الأب والأم والأخوة) والانتماء للعائلة الموسعة والانتماء للحمولة أو الطائفة أو الفئة أو الحزب. كل هذه الانتماءات تفرض على الإنسان القيام والالتزام بأشياء وأمور لم يكن ليقوم بها لولا هذا الانتماء.
هذه بعض النماذج للذل الموروث أو المكتسب. وسأورد بعض النماذج للأنماط المفروضة التي تؤدي ألى الذل، منها:

1- المبنى البطريركي لغالبية المجتمع العربي. هذا المبنى يجعل رب الأسرة هو الآمر الناهي في كل شيء دون الرجوع لبقية أفراد الأسرة المحرومين حتى من إبداء رأيهم. هذا النمط يحرم الأبناء من اتخاذ القرار في أمور أساسية ومصيرية تتعلق بحياتهم الخاصة كالزواج وشكل البيت ونوع المهنة. السكوت على هذا النمط والتعايش معه يجعل الإنسان ذليلاً. ويعوده على التعايش مع الظلم وعدم محاسبة الرئيس أو المدير.
2- “المال” وهو أهم مسبب للذل. المال يحول الإنسان إلى عبد يكرس كل حياته للحفاظ عليه أو الركض للحصول عليه أو الحصول على المزيد منه. هذا الداء مصاب به كل بني البشر لأن المال هو الركن الأساسي للحياة. ولكنه يذل الإنسان عندما يصبح هدفاً بحد ذاته وهدفاً وحيداً. المال هو المصيدة التي يقع فيها معظم الناس العاديين ومعظم القادة والمفكرين والفنانين. المال، بسبب بريقه وإغرائه، استعمل كوسيلة ناجحة لإذلال وترويض القادة السياسيين والمفكرين والأدباء والمفكرين لما لهم من دور في بلورة الرأي العام والتحكم به. وما هذه المناصب من ملوك ورؤساء وأعضاء برلمانات ورؤساء سلطات محلية إلا قنوات للوصول إلى المال ومصادره. وما هذه الجوائز التي تمنح للأدباء والفنانين إلا مصايد لترويضهم وإذلالهم.
3- “الحاجة” أو “الفقر”. ليس كل محتاج أو فقير ذليلاً كما هو الحال مع الأغنياء. فالغني إن لم يكن عبداً لمانح المال فهو عبد للمال نفسه. أما الفقير فقد يحافظ على حريته ورفضه حتى عندما يكون جائعاً. فليس لديه ما يخاف عليه. وهذا يفسر كيف حاول المستعمرون والمحتلون إنعاش الشعوب التي يحتلونها ويستعمرونها، حتى يصبح لدى هذه الشعوب ما تخاف عليه.
4- “الاحتلال” أو “الاستعمار” هو أوسع وأعم أنماط إذلال الأفراد والجماعات. والتعايش معه لا يؤدي إلا إلى المزيد من الذل. الاحتلال والاستعمار هو ليس الاحتلال والاستعمار الذي تقوم به الدول والجيوش فقط. فالزوج قد يكون محتلاً ومستعمِراً والأم قد تكون محتلة ومستعمِرة والرئيس قد يكون محتلاً ومستعمِراً وكذلك الأديب ومدير ورشة العمل.
فإذا كان هذا هو الذل فإن شعوبنا العربية من المحيط إلى الخليج هي شعوب ذليلة. شعوب أدمنت الذل تربت عليه وتتعايش معه. لأنها تتعايش مع المحتل والمستعمر من محتلين وملوك ورؤساء ومسئولين نهبوا ثرواتها وقدموها لحماتهم ومشغليهم. ولن يتغير الحال ما لم نغير أنماط وأساليب تربيتنا لأطفالنا وطرق تعاملنا مع أبنائنا وبناتنا عندما يكبروا. علينا أن نزرع فيهم أنهم “آخر” وله الحق أن يختلف عنا ومعنا. ونعاملهم على هذا الأساس لكي نزرع فيهم احترام “الآخر” وقبوله كما هو.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق